مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{أَلَمۡ يَجِدۡكَ يَتِيمٗا فَـَٔاوَىٰ} (6)

قوله تعالى : { ألم يجدك يتيما فآوى } فيه مسائل :

المسألة الأولى : أن اتصاله بما تقدم هو أنه تعالى يقول : { ألم يجدك يتيما } فقال الرسول : بلى يا رب ، فيقول : انظر [ أ ] كانت طاعاتك في ذلك الوقت أكرم أم الساعة ؟ فلابد من أن يقال : بل الساعة فيقول الله : حين كنت صبيا ضعيفا ما تركناك بل ربيناك ورقيناك إلى حيث صرت مشرفا على شرفات العرش وقلنا لك : لولاك ما خلقنا الأفلاك ، أتظن أنا بعد هذه الحالة نهجرك ونتركك .

المسألة الثانية : { ألم يجدك } من الوجود الذي بمعنى العلم ، والمنصوبان مفعولا وجد والوجود من الله ، والمعنى ألم يعلمك الله يتيما فآوى ، وذكروا في تفسير اليتيم أمرين ( الأول ) : أن عبد الله بن عبد المطلب فيما ذكره أهل الأخبار توفي وأم رسول الله صلى الله عليه وسلم حامل به ، ثم ولد رسول الله فكان مع جده عبد المطلب ومع أمه آمنة ، فهلكت أمه آمنة وهو ابن ست سنين فكان مع جده ، ثم هلك جده بعد أمه بسنتين ورسول الله ابن ثمان سنين . وكان عبد المطلب يوصي أبا طالب به لأن عبد الله وأبا طالب كانا من أم واحدة ، فكان أبو طالب هو الذي يكفل رسول الله بعد جده إلى أن بعثه الله للنبوة ، فقام بنصرته مدة مديدة ، ثم توفي أبو طالب بعد ذلك فلم يظهر على رسول الله يتم البتة فأذكره الله تعالى هذه النعمة ، روى أنه قال أبو طالب يوما لأخيه العباس : ألا أخبرك عن محمد بما رأيت منه ؟ فقال : بلى فقال : إني ضممته إلي فكيف لا أفارقه ساعة من ليل ولا نهار ، ولا أأتمن عليه أحدا حتى أني كنت أنومه في فراشي ، فأمرته ليلة أن يخلع ثيابه وينام معي ، فرأيت الكراهة في وجهه لكنه كره أن يخالفني ، وقال : يا عماه اصرف بوجهك عني حتى أخلع ثيابي إذ لا ينبغي لأحد أن ينظر إلى جسدي ، فتعجبت من قوله وصرفت بصري حتى دخل الفراش فلما دخلت معه الفراش إذا بيني وبينه ثوب والله ما أدخلته فراشي فإذا هو في غاية اللين وطيب الرائحة كأنه غمس في المسك ، فجهدت لأنظر إلى جسده فما كنت أرى شيئا وكثيرا ما كنت أفتقده من فراشي فإذا قمت لأطلبه ناداني ها أنا يا عم فارجع ، ولقد كنت كثيرا ما أسمع منه كلاما يعجبني وذلك عند مضي الليل وكنا لا نسمي على الطعام والشراب ولا نحمده بعده ، وكان يقول في أول الطعام : بسم الله الأحد . فإذا فرغ من طعامه قال : الحمد لله ، فتعجبت منه ، ثم لم أر منه كذبة ولا ضحكا ولا جاهلية ولا وقف مع صبيان يلعبون .

واعلم أن العجائب المروية في حقه من حديث بحيرى الراهب وغيره مشهورة .

التفسير الثاني لليتيم : أنه من قولهم درة يتيمة ، والمعنى ألم يجدك واحدا في قريش عديم النظير فآواك ؟ أي جعل لك من تأوي إليه وهو أبو طالب ، وقرئ فأوى وهو على معنيين : إما من أواه بمعنى آواه ، وإما من أوى له إذا رحمه ، وههنا سؤالان :

السؤال الأول : كيف يحسن من الجود أن يمن بنعمة ، فيقول : { ألم يجدك يتيما فآوى } ؟ والذي يؤكد هذا السؤال أن الله تعالى حكى عن فرعون أنه قال : { ألم نربك فينا وليدا } في معرض الذم لفرعون ، فما كان مذموما من فرعون كيف يحسن من الله ؟ ( الجواب ) : أن ذلك يحسن إذا قصد بذلك أن يقوي قلبه ويعده بدوام النعمة ، وبهذا يظهر الفرق بين هذا الامتنان وبين امتنان فرعون ، لأن امتنان فرعون محبط ، لأن الغرض فما بالك لا تخدمني ، وامتنان الله بزيادة نعمه ، كأنه يقول : مالك تقطع عني رجاءك ألست شرعت في تربيتك ، أتظنني تاركا لما صنعت ، بل لابد وأن أتمم عليك وعلى أمتك النعمة ، كما قال : { ولأتم نعمتي } أما علمت أن الحامل التي تسقط الولد قبل التمام معيبة ترد ، ولو أسقطت أو الرجل أسقط عنها بعلاج تجب الغرة وتستحق الذم ، فكيف يحسن ذلك من الحي القيوم ، فما أعظم الفرق بين مان هو الله ، وبين مان هو فرعون ، ونظيره ما قاله بعضهم : { ثلاثة رابعهم كلبهم } في تلك الأمة ، وفي أمة محمد : { ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم } فشتان بين أمة رابعهم كلبهم ، وبين أمة رابعهم ربهم .

السؤال الثاني : أنه تعالى من عليه بثلاثة أشياء ، ثم أمره بأن يذكر نعمة ربه ، فما وجه المناسبة بين هذه الأشياء ؟ ( الجواب ) : وجه المناسبة أن نقول : قضاء الدين واجب ، ثم الدين نوعان مالي وإنعامي ( والثاني ) : أقوى وجوبا ، لأن المالي قد يسقط بالإبراء ( والثاني ) : يتأكد بالإبراء ، والمالي يقضي مرة فينجو الإنسان منه ( والثاني ) : يجب عليك قضاؤه طول عمرك ، ثم إذا تعذر قضاء النعمة القليلة من منعم هو مملوك ، فكيف حال النعمة العظيمة من المنعم العظيم ، فكأن العبد يقول : إلهي أخرجتني من العدم إلى الوجود بشرا سويا ، طاهر الظاهر نجس الباطن ، بشارة منك أن تستر على ذنوبي بستر عفوك ، كما سترت نجاستي بالجلد الظاهر ، فكيف يمكنني قضاء نعمتك التي لا حد لها ولا حصر ؟ فيقول تعالى الطريق إلى ذلك أن تفعل في حق عبيدي ما فعلته في حقك ، كنت يتيما فآويتك فافعل في حق الأيتام ذلك ، وكنت ضالا فهديتك فافعل في حق عبيدي ذلك ، وكنت ( عائلا ) فأغنيتك فافعل في حق عبيدي ذلك ثم إن فعلت كل ذلك فاعلم أنك إنما فعلتها بتوفيقي لك ولطفي وإرشادي ، فكن أبدا ذاكرا لهذه النعم والألطاف .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{أَلَمۡ يَجِدۡكَ يَتِيمٗا فَـَٔاوَىٰ} (6)

وقوله تعالى : { أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فآوى } تعديل لما أفاض عليه صلى الله عليه وسلم من أول أمره إلى وقت النزول من فنون النعماء العظام ليستشهد بالخاص الموجود على المترقب الموعود فيزداد قلبه الشريف وصدره الرحيب طمأنينة وسروراً وانشراحاً وحبوراً ولذا فصلت الجملة . والهمزة لإنكار النفي وتقرير النفي على أبلغ وجه كأنه قيل قد وجدك الخ ووجدته على ما قال الرضي بمعنى أصبته على صفة ويراد بالوجود فيه العلم مجازاً بعلاقة اللزوم وفي مفردات الراغب لوجود اضرب وجود بالحواس الظاهرة ووجود بالقوى الباطنة ووجود بالعقل وما نسب إلى الله تعالى من لوجود فبمعنى العلم المجرد إذ كان الله تعالى منزهاً عن الوصف بالجوارح والآلات وقد فسره بعضهم هنا بالعلم وجعل مفعوله الأول الضمير ومفعوله الثاني يتيماً وبعضهم بالمصادفة وجعله متعدياً لواحد ويتيماً حالاً وأنت تعلم أن المصادفة لا تصح في حقه تعالى لأنها ملاقاة ما لم يكن في علمه سبحانه وتقديره جل شأنه فلا بد من التجوز بها عن تعلق علمه عز وجل بذلك واليتم انقطاع الصبي عن أبيه قبل بلوغه والإيواء ضم الشيء إلى آخر يقال آوى إليه فلاناً أي ضمه إلى نفسه أي ألم يعلمك طفلاً لا أبا لك فضمك إلى من قام بأمرك روي أن عبد المطلب بعث ابنه عبد الله أبا رسول الله صلى الله عليه وسلم يمتار تمراً من يثرب فتوفي ورسول الله صلى الله عليه وسلم جنين قد أتت عليه ستة أشهر فلما وضعته كان في حجر جده مع أمه فماتت وهو عليه الصلاة والسلام ابن ست سنين ولما بلغ عليه الصلاة والسلام ثماني سنين مات جده فكفله عمه الشفيق الشقيق أبو طالب بوصية من أبيه عبد المطلب وأحسن تربيته صلى الله عليه وسلم وفي «الكشاف » ماتت أمه عليه الصلاة والسلام وهو ابن ثماني سنين فكفله عمه وكان شديد الاعتناء بأمره إلى أن بعثه الله تعالى وكان يرى منه صلى الله عليه وسلم في صغره ما لم ير من صغير روي أنه قال يوماً لأخيه العباس ألا أخبرك عن محمد صلى الله عليه وسلم بما رأيت منه فقال بلى قال : إني ضممته إلي فكنت لا أفارقه ساعة من ليل ولا نهار ولم ائتمن عليه أحداً حتى أني كنت أنومه في فراشي فأمرته ليلة أن يخلع ثيابه وينام معي فرأيت الكراهية في وجهه وكره أن يخالفني فقال يا عماه اصرف وجهك عني حتى أخلع ثيابي إني لا أحب أن تنظر إلى جسدي فتعجبت من قوله وصرفت بصري حتى دخل الفراش فلما دخلت معه الفراش إذا بيني وبينه ثوب والله ما أدخلته في فراشي فإذا هو في غاية اللين وطيب الرائحة كأنه غمس في المسك فجهدت لأنظر إلى جسده فما كنت أرى شيئاً وكثيراً ما كنت أفقده من فراشي فإذا قمت لأطلبه ناداني ها أنا يا عم فارجع وكنت كثيراً ما أسمع منه كلاماً يعجبني وذلك عندما مضى بعض الليل وكنا لا نسمي على الطعام والشراب ولا نحمد وكان يقول في أول الطعام بسم الله الأحد فإذا فرغ من طعامه قال الحمد لله فكنت أعجب منه ولم أر منه كذبة ولا ضحكاً ولا جاهلية ولا وقف مع الصبيان وهم يعلبون وهذا لعمري يغض من فيض

. في المهد يعرب عن سعادة جده *** أثر النجابة ساطع البرهان

وقيل المعنى ألم يجدك يتيماً أبتك المراضع فآواك من مرضعة تحنو عليك بأن رزقها بصحبتك الخير والبركة حتى أحبتك وتكفلتك والأول هو الظاهر وقيل غير ذلك مما ستعلمه بعد إن شاء الله تعالى ومن بدع التفاسير على ما قال الزمخشري أن يتيماً من قولهم درة يتيمة والمعنى ألم يجدك واحداً في قريش عديم النظير فآواك والأولى عليه أن يقال ألم يجدك واحداً عديم النظير في الخليقة لم يحو مثلك صدف إلا مكان فآواك إليه وجعلك في حق اصطفائه وقرأ أبو الأشعث فأوى ثلاثياً فجوز أن يكون من أواه بمعنى آواه وأن يكون من أوى له أي رحمه ومصدره أياواية وماوية وماوية وتحقيقه على ما قال الراغب أي رجع إليه بقلبه ومنه قوله :

أواني ولا كفران لله أية ***