مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَٱلطُّورِ} (1)

مقدمة السورة:

سورة الطور

بسم الله الرحمن الرحيم

{ والطور * وكتاب مسطور * في رق منشور * والبيت المعمور * والسقف المرفوع * والبحر المسجور } هذه السورة مناسبة للسورة المتقدمة من حيث الافتتاح بالقسم وبيان الحشر فيهما ، وأول هذه السورة مناسب لآخر ما قبلها ، لأن في آخرها قوله تعالى : { فويل للذين كفروا } وهذه السورة في أولها { فويل يومئذ للمكذبين } وفي آخر تلك السورة قال : { فإن للذين ظلموا ذنوبا } إشارة إلى العذاب وقال هنا { إن عذاب ربك لواقع } وفيه مسائل :

المسألة الأولى : ما الطور ، وما الكتاب المسطور ؟ نقول فيه وجوه : ( الأول ) الطور هو جبل معروف كلم الله تعالى موسى عليه السلام ( الثاني ) هو الجبل الذي قال الله تعالى : { وطور سينين } ( الثالث ) هو اسم الجنس والمراد القسم بالجبل غير أن الطور الجبل العظيم كالطود ، وأما الكتاب ففيه أيضا وجوه : ( أحدها ) كتاب موسى عليه السلام ( ثانيها ) الكتاب الذي في السماء . ( ثالثها ) صحائف أعمال الخلق ( رابعها ) القرآن وكيفما كان فهي في رقوق ، وسنبين فائدة قوله تعالى : { في رق منشور } . وأما البيت المعمور ففيه وجوه : ( الأول ) هو بيت في السماء العليا عند العرش ووصفه بالعمارة لكثرة الطائفين به من الملائكة ( الثاني ) هو بيت الله الحرام وهو معمور بالحاج الطائفين به العاكفين ( الثالث ) البيت المعمور اللام فيه لتعريف الجنس كأنه يقسم بالبيوت المعمورة والعمائر المشهورة ، { والسقف المرفوع } السماء ، { والبحر المسجور } ، قيل الموقد يقال سجرت التنور ، وقيل هو البحر المملوء ماء المتموج ، وقيل هو بحر معروف في السماء يسمى بحر الحيوان .

المسألة الثانية : ما الحكمة في اختيار هذه الأشياء ؟ نقول هي تحتمل وجوها : ( أحدها ) إن الأماكن الثلاثة وهي : الطور ، والبيت المعمور ، والبحر المسجور ، أماكن كانت لثلاثة أنبياء ينفردون فيها للخلوة بربهم والخلاص من الخلق والخطاب مع الله ، أما الطور فانتقل إليه موسى عليه السلام ، والبيت محمد صلى الله عليه وسلم ، والبحر المسجور يونس عليه السلام ، والكل خاطبوا الله هناك فقال موسى : { أتهلكنا بما فعل السفهاء منا إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء } وقال : { أرني أنظر إليك } وأما محمد صلى الله عليه وسلم فقال : «السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ، لا أحصي ثناء عليك كما أثنيت على نفسك » وأما يونس فقال : { لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين } فصارت الأماكن شريفة بهذه الأسباب ، فحلف الله تعالى بها ، وأما ذكر الكتاب فإن الأنبياء كان لهم في هذه الأماكن مع الله تعالى كلام والكلام في الكتاب واقترانه بالطور أدل على ذلك ، لأن موسى عليه السلام كان له مكتوب ينزل عليه وهو بالطور ، وأما ذكر السقف المرفوع ومعه البيت المعمور ليعلم عظمة شأن محمد صلى الله عليه وسلم ( ثانيها ) وهو أن القسم لما كان على وقوع العذاب وعلى أنه لا دافع له ، وذلك لأن لا مهرب من عذاب الله لأن من يريد دفع العذاب عن نفسه ، ففي بعض الأوقات يتحصن بمثل الجبال الشاهقة التي ليس لها طرف وهي متضايقة بين أنه لا ينفع التحصن بها من أمر الله تعالى كما قال ابن نوح عليه السلام { سآوي إلى جبل يعصمني من الماء قال لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم } حكاية عن نوح عليه السلام .

المسألة الثالثة : ما الحكمة في تنكير الكتاب وتعريف باقي الأشياء ؟ نقول ما يحتمل الخفاء من الأمور الملتبسة بأمثالها من الأجناس يعرف باللام ، فيقال رأيت الأمير ودخلت على الوزير ، فإذا بلغ الأمير الشهرة بحيث يؤمن الالتباس مع شهرته ، ويريد الواصف وصفه بالعظمة ، يقول : اليوم رأيت أميرا ما له نظير جالسا وعليه سيما الملوك وأنت تريد ذلك الأمير المعلوم ، والسبب فيه أنك بالتنكير تشير إلى أنه خرج عن أن يعلم ويعرف بكنه عظمته ، فيكون كقوله تعالى : { الحاقة * ما الحاقة * وما أدراك ما الحاقة } فاللام وإن كانت معرفة لكن أخرجها عن المعرفة كون شدة هولها غير معروف ، فكذلك هاهنا الطور ليس في الشهرة بحيث يؤمن اللبس عند التنكير ، وكذلك البيت المعمور ، وأما الكتاب الكريم فقد تميز عن سائر الكتب ، بحيث لا يسبق إلى أفهام السامعين من النبي صلى الله عليه وسلم لفظ الكتاب إلا ذلك ، فلما أمن اللبس وحصلت فائدة التعريف سواء ذكر باللام أو لم يذكر قصدا للفائدة الأخرى وهي في الذكر بالتنكير ، وفي تلك الأشياء لما لم تحصل فائدة التعريف إلا بآلة التعريف استعملها ، وهذا يؤيد كون المراد منه القرآن وكذلك اللوح المحفوظ مشهور .

المسألة الرابعة : ما الفائدة في قوله تعالى : { في رق منشور } وعظمة الكتاب بلفظه ومعناه لا بخطه ورقه ؟ نقول هو إشارة إلى الوضوح ، وذلك لأن الكتاب المطوي لا يعلم ما فيه فقال هو في رق منشور وليس كالكتب المطوية وعلى هذا المراد اللوح المحفوظ فمعناه هو منشور لكم لا يمنعكم أحد من مطالعته ، وإن قلنا بأن المراد كتاب أعمال كل أحد فالتنكير لعدم المعرفة بعينه وفي رق منشور لبيان وصفه كما قال تعالى : { كتابا يلقاه منشورا } وذلك لأن غير المعروف إذا وصف كان إلى المعرفة أقرب شبها .

المسألة الخامسة : في بعض السور أقسم بجموع كما في قوله تعالى : { والذاريات } وقوله { والمرسلات } وقوله { والنازعات } وفي بعضها بأفراد كما في هذه السورة حيث قال : { والطور } ولم يقل والأطوار والبحار ، ولاسيما إذا قلنا المراد من الطور الجبل العظيم كالطود ، كما في قوله تعالى : { ورفعنا فوقهم الطور } أي الجبل فما الحكمة فيه ؟ نقول في الجموع في أكثرها أقسم بالمتحركات والريح الواحدة ليست بثابتة مستمرة حتى يقع القسم بها ، بل هي متبدلة بأفرادها مستمرة بأنواعها والمقصود منها لا يحصل إلا بالتبدل والتغير فقال : { والذاريات } إشارة إلى النوع المستمر إلى الفرد المعين المستقر ، وأما الجبل فهو ثابت قليل التغير والواحد من الجبال دائم زمانا ودهرا ، فأقسم في ذلك بالواحد وكذلك قوله { والنجم } والريح ما علم القسم به وفي الطور علم .

 
المنتخب في تفسير القرآن الكريم للمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية - المنتخب [إخفاء]  
{وَٱلطُّورِ} (1)

مقدمة السورة:

بدأت السورة بالقسم بخمسة من أعظم المخلوقات على وقوع العذاب بالمكذبين ، ثم خلصت إلى الحديث عن نزوله بهم ، وألوانه معهم يوم البعث والجزاء ، وانتقلت إلى الحديث عن نعيم المتقين وما يتفكهون به في جنات الخلد ما ينالون من صنوف الإكرام ، ثم ما تقر به أعينهم من اتباع ذريتهم بهم ، ورفع درجتهم إليهم . وأعقبت ذلك أمرا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمداومة على التذكير دون مبالاة بما يتقول عليه الكافرون ، أو الالتفات لما يصفون به القرآن الكريم ، مظهرة عجزهم عن أن يأتوا بحديث مثله .

كما سفهت كثيرا من آرائهم الفاسدة إعلانا لضلالهم ، وسوء تقديرهم ، ثم ختمت بتوجيه الخطاب إلى النبي صلى الله عليه وسلم أن يتركهم حتى يلاقوا يومهم الذي فيه يصعقون ، وأمرته أن يصبر لحكم ربه بإمهالهم ، فإن ذلك لن يضيره ، لأنه في حفظ ربه ورعايته ، كما دعته إلى تسبيح الله وتنزيهه في جميع الأوقات في كل قيام يكون منه لأي غرض من الأغراض ، وفي الليل عند غروب النجوم .

1 - أقسم بجبل طور سيناء الذي كلَّم الله عليه موسى ، وبكتاب منزل من عند الله مكتوب في صحف ميسرة للقراءة ، وبالبيت المعمور بالطائقين والقائمين والركع السجود ، وبالسماء المرفوعة بغير عمد ، وبالبحر المملوء .

 
أنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوي - البيضاوي [إخفاء]  
{وَٱلطُّورِ} (1)

مقدمة السورة:

سورة الطور مكية وآيها تسع أو ثمان وأربعون آية .

بسم الله الرحمن الرحيم { والطور } يريد طور سينين ، وهو جبل بمدين سمع فيه موسى عليه السلام كلام الله تعالى ، { والطور } الجبل بالسريانية أو ما طار من أوج الإيجاد إلى حضيض المواد ، أو من عالم الغيب إلى عالم الشهادة .

 
لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{وَٱلطُّورِ} (1)

مقدمة السورة:

قوله جل ذكره : { بسم الله الرحمان الرحيم } .

" بسم الله " كلمة ما استولت على قلب عارف إلا تيمته بكشف جلاله ، وما استولت على قلب متأفف إلا أكرمته بلطف أفضاله . . . فهي كلمة قهارة للقلوب . . ولكن لا لكل قلب ، مذهبة للكروب . . . ولكن لا لكل كرب .

قوله جلّ ذكره : { وَالطُّورِ وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ فِي رَقِّ مَّنشُورٍ } .

أقسم الله بهذه الأشياء ( التي في مطلع السورة ) ، وجواب القَسَم قوله : { إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ } . والطورُ هو الجبلُ الذي كُلِّم عليه موسى عليه السلام ؛ لأنه مَحَلُّ قَدَم الأحباب وقتَ سماع الخطاب . ولأنه الموضعُ الذي سَمِعَ فيه موسى ذِكْرَ محمدٍ صلى الله عليه وسلم وذِكْرَ أُمَّته حتى نادانا ونحن في أصلاب آبائنا فقال : أعطيتكم قبل أن تَسألوني { وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ } مكتوب في المصاحف ، وفي اللوح المحفوظ .

وقيل : كتاب الملائكة في السماء يقرؤون منه ما كان وما يكون .

ويقال : ما كتب على نفسه من الرحمة لعباده .

ويقال ما كتب من قوله : " سبقت رحمتي غضبي " .

ويقال : هو قوله : { وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ } [ الأنبياء : 105 ] .

ويقال : الكتاب المسطور فيه أعمال العباد يُعْطَى لعباده بأَيْمانهم وشمائلهم يوم القيامة .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَٱلطُّورِ} (1)

مقدمة السورة:

تفسير سورة الطور

أهداف سورة الطور

سورة الطور مكية ، وآياتها 49 آية ، نزلت بعد سورة السجدة ، وهي سورة ترجّ القلب البشري رجّا ، بإيقاعها القوي وفواصلها القصيرة ، وتأثيرها في النفس والحس ، واستغلالها مشاهد التاريخ ومظاهر الكون للتدليل على ألوهية الخالق ، وعظيم قدرته .

القسم في صدر السورة

والطّور : الجبل فيه شجر ، والأرجح أن المقصود به هو الطور المعروف في القرآن ، وهو الجبل الذي كلَّم الله عليه موسى عليه السلام ، وتلقى عنده تعاليم السماء ، قال تعالى : { وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولاً نَبِيًّا *وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا . } ( مريم : 51-52 ) .

وكتاب مسطور : الأقرب أن يكون كتاب موسى الذي كتب له في الألواح للمناسبة بينه وبين الطور .

وقيل : هو اللوح المحفوظ تمشيا مع ما بعده ، وهو البيت المعمور والسقف المرفوع ، ولا يمتنع أن يكون هذا هو المقصود .

والبيت المعمور : قد يكون هو الكعبة فهي عامرة بالطواف حولها في جميع الأوقات .

وقيل : هو بيت في السماء حيال الكعبة يدخله كل يوم سبعون ألفا لا يعودون إليه ، بل يدخل غيرهم في اليوم التاليi .

وذلك يرمز إلى كثرة الملائكة وهم خلق مكرمون لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون .

والسّقف المرفوع : هو السماء .

وقد نسب ذلك إلى سفيان الثوري ، عن الإمام عليّ رضي الله عنه ، وقال تعالى : { وجعلنا السماء سقفا محفوظا وهم عن آياتها معرضون } . ( الأنبياء : 32 ) .

والبحر المسجور : المملوء ، وهو أنسب شيء يذكر مع السماء في مشهد ، في انفساحه وامتلائه وامتداده .

وقد يكون معنى المسجور : المتقد . كما قال تعالى في سورة أخرى : { وإذا البحار سُجِّرت } . ( التكوير : 6 )

أي : توقدت نيرانا عند نهاية الحياة ، وذلك يمهد لجواب القسم ، وهو : { إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ * مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ } . ( الطور : 7-8 )

وقد سمع عمر رضي الله عنه هذه الآية ذات ليلة فتأثر بها واشتد خوفه ، وعاد إلى بيته مريضا ، ومكث شهرا يعوده الناس لا يدرون مرضه .

وعمر رضي الله عنه سمع السورة قبل ذلك وقرأها وصلى بها ، فقد كان رسول الله يصلي بها المغرب ، ولكنها في تلك الليلة صادفت من عمر قلبا مكشوفا ، وحسا مفتوحا ، فنفذت إليه .

{ يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا * وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا } ( الطور : 9-10 ) .

ومشهد السماء الثابتة المبنية بقوة وهي تضطرب وتتقلب كما يضطرب الموج في البحر من هنا إلى هنالك بلا قوام ، ومشهد الجبال الراسية الصلبة تسير خفيفة رقيقة لا ثبات لها ولا استقرار أمر مذهل مزلزل ، من شأنه أن يذهل الإنسان .

وفي آيات أخرى ذكر القرآن أن السماء تنشق على غلظها ، وتتعلق الملائكة بأطرافها ، كما ذكر اضطراب الكون وسائر الموجودات في يوم القيامة .

إن قلوب أهل مكة التي جحدت الآخرة ، وأنكرت البعث والجزاء تحتاج إلى حملة عنيفة يُقسم الله فيها بمقدسات في الأرض والسماء – بعضها مكشوف معلوم ، وبعضها مغيب مجهول – على وقوع العذاب يوم القيامة وسط مشهد هائل ترتج له الأرض والسماء : { يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ . } ( إبراهيم : 48 ) .

وفي وسط هذا المشهد المفزع نرى ونسمع ما يزلزل ويرعب من ويل وهول وتقريع وتفزيع .

إن المجرمين يساقون سوقا إلى جهنم ، ويدفعون في ظهورهم دفعا حتى إذا وصل بهم الدفع إلى حافة النار قيل لهم : هذه هي النار ، فهل هي سحر كما زعمتم أن القرآن سحر وأن محمدا ساحر ، أم أنها الحق الهائل الرهيب ؟ أم أنكم لا تبصرون النار كما كنتم لا تبصرون الحق في القرآن ؟

نعيم الجنة

من شأن القرآن أن يقابل بين عذاب الكافرين ونعيم المتقين ، وفي الآيات ( 17-28 ) نجد حديثا عن ألوان التكريم التي يتمتع بها المتقون ، فهم في الجنات يتمتعون بألوان اللذائذ الحسية والمعنوية ، وقد ألحق الله الذرية بالآباء إذ اشتركوا معهم في الإيمان وقصروا عنهم في العبادة والطاعة .

أدلة القدرة

وفي الجزء الأخير من السورة نجد الآيات لها وقع خاص ، ورنين يأخذ على النفس البشرية كل أنحائها . ويجبه المنكرين بالعديد من الحجج ، ويستفهم منهم بطريقة لاذعة ساخرة لا يملك أي منصف معها غير التسليم .

والآيات تبدأ بتوحيد الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبلغ الدعوة . فهو أمين على وحي السماء ، بعيد عن الاتهام بالكذب والجنون ، وتسرد الآيات اتهام الكفار له بأنه شاعر أو متقول ، ادعى القرآن من عند نفسه ونسبه إلى الله ، فتطلب منهم أن يأتوا بمثل هذا القرآن إن كانوا صادقين في دعواهم .

وتعرض أمامهم أدلة القدرة ، فهل خُلقوا من غير خالق ، أم خَلَقوا أنفسهم ؟ وإذا انتفى ذلك لم يبق إلا احتمال ثالث وهو أنهم خلَق الله .

ويتوالى هذا الاستفهام الإنكاري يقرعهم بالحجة بعد الحجة ، وبالدليل تلو الدليل :

فهذه السماء العالية من خلقها ؟ هل هم خلقوها ؟

وهل تطلب منهم يا محمد أجرا على تبليغ الرسالة ؟

وهل يملكون أمر الغيب ، وأمر الغيب لا يطلع عليه إلا الله ؟

وهل لهم إله آخر غير الله يتولاهم ؟ تنزه الله عن شركهم .

وعندما وصل جحودهم وعنادهم إلى هذا الحد من الغلو في الباطل أمر الله رسوله أن يعرض عنهم ويتركهم حتى يلاقوا مصيرهم ، وفي هذا اليوم لا ينفعهم كيدهم ، ولا تنجيهم مؤامراتهم التي بيتوها بليل ، إن لهم عذابا شديدا في الدنيا فضلا عن عذاب الآخرة .

وفي ختام السورة إيناس رخّي رضيّ للنبي الكريم صلى الله عليه وسلم فهو في عناية الله ، وتحت عينه ورعايته ، ومن وجد الله وجد كل شيء .

وإذا العناية لاحظتك عيونها *** نَم فالمخاوف كلهن أمان

قال تعالى : { وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا . . . }( الطور : 48 ) .

أي : في رعايتنا وجميل عنايتنا .

ملامح السورة

من الملامح الرئيسية لسورة الطور ما يلي :

1- أقسم الله بمخلوقات لبيان شرفها وفضلها ، وأكد بهذا القسم مجيء القيامة ووقوع العذاب .

2- وصفت السورة حال المتقين وما ينالهم من نعيم حسي ومعنوي .

3- ساقت حشدا من الأدلة على وجود الله وعظيم قدرته .

4- فندت حجج المشركين ، ودحضت مزاعمهم بأقوى الأدلة ، حيث إن الكون العظيم لابد له من خالق عظيم ، أما هم وآلهتهم العاجزة عن نفعهم وضرهم فلم يخلقوا شيئا .

5- في ختام السورة أمرت الرسول صلى الله عليه وسلم بالصبر ، وبينت أنه في رعاية الله وعنايته .

القسم في صدر السورة ، والتحدي

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

{ وَالطُّورِ ( 1 ) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ ( 2 ) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ ( 3 ) وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ ( 4 ) وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ ( 5 ) وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ ( 6 ) إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ ( 7 ) مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ ( 8 ) يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا ( 9 ) وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا ( 10 ) فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ( 11 ) الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ ( 12 ) يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا ( 13 ) هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ ( 14 ) أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لاَ تُبْصِرُونَ ( 15 ) اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لاَ تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ }

1

المفردات :

الطور : هو طور سينين ، وهو الجبل الذي كلّم الله عليه موسى عليه السلام .

التفسير :

1- والطّور .

أقسم الله في صدر السورة بعدة أشياء ، وجواب القسم : { إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ *مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ . } ( الطور : 7-8 ) .

والطور هو الجبل الذي كلّم الله عليه موسى ، { من شاطئ الواد الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة . . . } ( القصص : 30 )

وقال عز شأنه : { وما كنت بجانب الطور إذ نادينا . . . } ( القصص : 46 )

 
صفوة البيان لحسين مخلوف - حسنين مخلوف [إخفاء]  
{وَٱلطُّورِ} (1)

مقدمة السورة:

مكية ، وآياتها تسع وأربعون

بسم الله الرحمان الرحيم

{ والطور . . } أقسم الله في مفتتح هذه السورة بخمسة من أعظم المخلوقات ؛ دلالة على عظيم قدرته تعالى وبديع صنعته ؛ لتأكيد وقوع العذاب بالكافرين يوم البعث والجزاء . فأقسم بجبل طور سيناء ، الذي كلم الله موسى عليه السلام تكريما له وتذكيرا لما فيه من الآيات . وبكتبه المنزلة على أنبيائه بالهدى والحق . وببيته الحرام المعمور بالطائفين والقائمين والركع السجود ، الذي جعله للناس مثابة وأمنا . وبالسماء المرفوعة بلا عمد ، وفيها من عجائب الصنعة مالا يقادر قدره . وبالبحار المحيطة التي تسير فيها السفن كالأعلام ، وفيها عجائب شتى . وجواب القسم : " إن عذاب ربك لواقع " بالمكذبين .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَٱلطُّورِ} (1)

مقدمة السورة:

سورة الطور

مكية كما روي عن ابن عباس وابن الزبير رضي الله تعالى عنهم ولم نقف على استثناء شيء منها وهي تسع وأربعون آية في الكوفي والشامي وثمان وأربعون في البصري وسبع وأربعون في الحجازي ومناسبة أولها لآخر ما قبله اشتمال كل على الوعيد وقال الجلال السيوطي : وجه وضعها بعد الذاريات تشابههما في المطلع والمقطع فإن في مطلع كل منهما صفة حال المتقين وفي مقطع كل منهما صفة حال الكفر ولا يخفى ما بين السورتين الكريمتين من الأشتراك في غير ذلك .

بسْم الله الرحمن الرَّحيم { والطور } الطور اسم لكل جبل على ما قيل : في اللغة العربية عند الجمهور ، وفي اللغة السريانية عند بعض ، ورواه ابن المنذر . وابن جرير عن مجاهد ، والمراد به هنا { طُورِ سِينِينَ } الذي كلم الله تعالى موسى عليه السلام عنده ، ويقال له : طور سيناء أيضاً ، والمعروف اليوم بذلك ما هو بقرب التيه بين مصر والعقبة ، وقال أبو حيان في تفسير سورة { والتين } [ التين : 1 ] : ولم يختلف في طور سيناء أنه جبل بالشام وهو الذي كلم الله تعالى عليه موسى عليه الصلاة والسلام ، وقال في تفسيره : هذه السورة في الشام جبل يسمى الطور وهو طور سيناء فقال نوف البكالي : إنه الذي أقسم الله سبحانه به لفضله على الجبال ، قيل : وهو الذي كلم الله تعالى عليه موسى عليه السلام انتهى فلا تغفل ، وحكى الراغب أنه جبل محيط بالأرض ولا يصح عندي ، وقيل : جبل من جبال الجنة ، وروى فيه ابن مردويه عن أبي هريرة ، وعن كثير بن عبد الله حديثاً مرفوعاً ولا أظن صحته ، واستظهر أبو حيان أن المراد الجنس لا جبل معين ، وروى ذلك عن مجاهد . والكلبي ، والذي أعول عليه ما قدمته .

/خ1