التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز  
{وَٱلطُّورِ} (1)

مقدمة السورة:

بيان إجمالي للسورة

هذه السورة مكية وعدد آياتها تسع وأربعون . وهي سورة عجيبة في إيقاعها وروعة أجراسها التي تلامس الحس والوجدان أيما ملامسة ، فضلا عن حرف الراء المكرور بصداه الشجي المستطاب ، وذلك في جملة في أواخر الآيات الباهرة العجاب .

وفي السورة تأكيد من الله بالغ على أن عذابه نازل بالظالمين لا محالة . ويضاف إلى ذلك ، هذا الإيحاء من التهديد المخوف ، والوعيد المرعب الذي ينذر الله به الخائضين السادرين في الغفلة واللهو من الناس . أولئك يتوعدهم الله بعذاب بئيس يصلونه يوم القيامة وهم يقهرون على دخول النار قسرا ودعّا . ويكشف عن مثل هذه الحقيقة المرعبة كلمات الله الموحية المؤثرة التي يفيض من أحرفها وشديد جرسها طيف التحذير المخوف والترويع الذي يأخذ بالقلوب . وهو قوله : { يوم يدعّون إلى نار جهنم دعّا } لا جرم أن هذه الآية وما يتلوها من الآيات في هذه السورة لهي تقرع نواقيس القلوب وتنشر في الخيال صورا من مشاهد اليوم الآخر لا تنمحي ولا تتبدد .

إن هذه السورة بأوزانها وأنغامها وأجراسها وحقائقها المريعة المذهلة لا يتملاّها ذو نظر وتدبر إلا أخذته غاشية من الدهش والفزع ، والشخوص . وقد ذكر في هذا الصدد أن جبير بن معطم - وهو واحد من فصحاء البيان ومصاقع الخطابة وقد كان مشركا- كان قد سمع النبي صلى الله عليه وسلم يتلو في صلاته سورة الطور فأنصت له بتدبر واعتبار شديدين وقد تملكه الدهش والارتياع فما لبث أن أسلم وقال : كاد قلبي يطير . خفت على نفسي . خشيت أن يدركني العذاب{[1]} .

بسم الله الرحمان الرحيم

{ والطور 1 وكتاب مسطور 2 في رق منشور 3 والبيت المعمور 4 والسقف المرفوع 5 والبحر المسجور 6 إن عذاب ربك لواقع 7 ما له من دافع 8 يوم تمور السماء مورا 9 وتسير الجبال سيرا 10 فويل يومئذ للمكذبين 11 الذين هم في خوض يلعبون 12 يوم يدعّون إلى نار جهنم دعّا 13 هذه النار التي كنتم بها تكذبون 14 أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون 15 اصلوها فاصبروا أو لا تصبروا سواء عليكم إنما تجزون ما كنتم تعلمون } .

ذلك قسم من الله شديد على أن الساعة آتية وأن العذاب واقع لا محالة ، وأن الكافرين والمكذبين بيوم الدين لا مفر لهم مما هم صائرون إليه ، وهي النار يدعّون إليها زجرا وقسرا . وذلك قوله سبحانه : { والطور 1 وكتاب مسطور } الواو الأولى في أول السورة للقسم ، والواو الثانية واو العطف . وجواب القسم { إن عذاب ربك لواقع } {[4352]} والطور اسم الجبل الذي كلم الله عليه نبيه موسى فقد أقسم الله به على سبيل التشريف له والتعظيم لما وقع فيه من الآيات . وقيل : المراد به طور سينا .


[1]:مختار الصحاح للرازي ص 461.
[4352]:البيان لابن الأنباري جـ 2 ص 394.