ثم قال تعالى : { فيهن قاصرات الطرف لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان ، فبأي آلاء ربكما تكذبان } وفيه مباحث :
( الأول ) : في الترتيب وأنه في غاية الحسن لأنه في أول الأمر بين المسكن وهو الجنة ، ثم بين ما يتنزه به فإن من يدخل بستانا يتفرج أولا فقال : { ذواتا أفنان ، فيهما عينان } ثم ذكر ما يتناول من المأكول فقال : { فيهما من كل فاكهة } ثم ذكر موضع الراحة بعد التناول وهو الفراش ، ثم ذكر ما يكون في الفراش معه .
الثاني : فيهن الضمير عائد إلى ماذا ؟ نقول : فيه ثلاثة أوجه ( أحدها ) إلى الآلاء والنعم أي قاصرات الطرف ( ثانيها ) إلى الفراش أي في الفرش قاصرات وهما ضعيفان ، أما الأول فلأن اختصاص القاصرات بكونهن في الآلاء مع أن الجنتين في الآلاء والعينين فيهما والفواكه كذلك لا يبقى له فائدة ، وأما الثاني فلأن الفرش جعلها ظرفهم حيث قال : { متكئين على فرش } وأعاد الضمير إليها بقوله : { بطائنها } ولم يقل : بطائنهن ، فقوله فيهن يكون تفسيرا للضمير فيحتاج إلى بيان فائدة لأنه تعالى قال بعد هذا مرة أخرى : { فيهن خيرات } ولم يكن هناك ذكر الفرش فالأصح إذن هو ( الوجه الثالث ) وهو أن الضمير عائد إلى الجنتين ، وجمع الضمير هاهنا وثنى في قوله : { فيهما عينان } و { فيهما من كل فاكهة } وذلك لأنا بينا أن الجنة لها اعتبارات ثلاثة ( أحدها ) اتصال أشجارها وعدم وقوع الفيافي والمهامة فيها والأراضي الغامرة ، ومن هذا الوجه كأنها جنة واحدة لا يفصلها فاصل ( وثانيها ) اشتمالها على النوعين الحاصرين للخيرات ، فإن فيها ما في الدنيا ، وما ليس في الدنيا وفيها ما يعرف ، ومالا يعرف ، وفيها ما يقدر على وصفه ، وفيها مالا يقدر ، وفيها لذات جسمانية ولذات غير جسمانية فلاشتمالها على النوعين كأنها جنتان ( وثالثها ) لسعتها وكثرة أشجارها وأماكنها وأنهارها ومساكنها كأنها جنات ، فهي من وجه جنة واحدة ومن وجه جنتان ومن وجه جنات . إذا ثبت هذا فنقول : اجتماع النسوان للمعاشرة مع الأزواج والمباشرة في الفراش في موضع واحد في الدنيا لا يمكن ، وذلك لضيق المكان ، أو عدم الإمكان أو دليل ذلة النسوان ، فإن الرجل الواحد لا يجمع بين النساء في بيت إلا إذا كن جواري غير ملتفت إليهن ، فأما إذا كانت كل واحدة كبيرة النفس كثيرة المال فلا يجمع بينهن ، واعلم أن الشهوة في الدنيا كما تزداد بالحسن الذي في الأزواج تزداد بسبب العظمة وأحوال الناس في أكثر الأمر تدل عليه ، إذا ثبت هذا فنقول : الحظايا في الجنة يجتمع فيهن حسن الصورة والجمال والعز والشرف والكمال ، فتكون الواحدة لها كذا وكذا من الجواري والغلمان فتزداد اللذة بسبب كمالها ، فإذن ينبغي أن يكون لكل واحدة ما يليق بها من المكان الواسع فتصير الجنة التي هي واحدة من حيث الاتصال كثيرة من حيث تفرق المساكن فيها فقال : { فيهن } وأما الدنيا فليس فيها تفرق المساكن دليلا للعظمة واللذة فقال
{ فيهما } وهذا من اللطائف ( الثالث ) قاصرات الطرف صفة لموصوف حذف ، وأقيمت الصفة مكانه ، والموصوف النساء أو الأزواج كأنه قال فيهن نساء قاصرات الطرف ( وفيه لطيفة ) فإنه تعالى لم يذكر النساء إلا بأوصافهن ولم يذكر اسم الجنس فيهن ، فقال تارة : { حور عين } وتارة : { عربا أترابا } وتارة : { قاصرات الطرف } ولم يذكر نساء كذا وكذا لوجهين ( أحدهما ) الإشارة إلى تخدرهن وتسترهن ، فلم يذكرهن باسم الجنس لأن اسم الجنس يكشف من الحقيقة مالا يكشفه الوصف فإنك إذا قلت المتحرك المريد الآكل الشارب لا تكون بينته بالأوصاف الكثيرة أكثر مما بينته بقولك : حيوان وإنسان و( ثانيهما ) إعظاما لهن ليزداد حسنهن في أعين الموعودين بالجنة فإن بنات الملوك لا يذكرن إلا بالأوصاف .
المسألة الرابعة : { قاصرات الطرف } من القصر وهو المنع أي المانعات أعينهن من النظر إلى الغير ، أو من القصور ، وهو كون أعينهن قاصرة لا طماح فيها للغير ، أقول والظاهر أنه من القصر إذ القصر مدح والقصور ليس كذلك ، ويحتمل أن يقال : هو من القصر بمعنى أنهن قصرن أبصارهن ، فأبصارهن مقصورة وهن قاصرات فيكون من إضافة الفاعل إلى المفعول والدليل عليه هو أن القصر مدح والقصور ليس كذلك ، وعلى هذا ففيه لطيفة وهي أنه تعالى قال من بعد هذه : { حور مقصورات } فهن مقصورات وهن قاصرات ، وفيه وجهان ( أحدهما ) أن يقال : هن قاصرات أبصارهن كما يكون شغل العفائف ، وهن قاصرات أنفسهن في الخيام كما هو عادة المخدرات لأنفسهن في الخيام ولأبصارهن عن الطماح ( وثانيهما ) أن يكون ذلك بيانا لعظمتهن وعفافهن وذلك لأن المرأة التي لا يكون لها رادع من نفسها ولا يكون لها أولياء يكون فيها نوع هوان ، وإذا كان لها أولياء أعزة امتنعت عن الخروج والبروز ، وذلك يدل على عظمتهن ، وإذا كن في أنفسهن عند الخروج لا ينظرن يمنة ويسرة فهن في أنفسهن عفائف ، فجمع بين الإشارة إلى عظمتهن بقوله تعالى : { مقصورات } منعهن أولياؤهن وهاهنا وليهن الله تعالى ، وبين الإشارة إلى عفتهن بقوله تعالى : { قاصرات الطرف } ثم تمام اللطف أنه تعالى قدم ذكر ما يدل على العفة على ما يدل على العظمة وذكر في أعلى الجنتين قاصرات وفي أدناهما مقصورات ، والذي يدل على أن المقصورات يدل على العظمة أنهن يوصفن بالمخدرات لا بالمتخدرات ، إشارة إلى أنهن خدرهن خادر لهن غيرهن كالذي يضرب الخيام ويدلي الستر ، بخلاف من تتخذه لنفسها وتغلق بابها بيدها ، وسنذكر بيانه في تفسير الآية بعد .
المسألة الخامسة : { قاصرات الطرف } فيها دلالة عفتهن ، وعلى حسن المؤمنين في أعينهن ، فيجبن أزواجهن حبا بشغلهن عن النظر إلى غيرهم ، ويدل أيضا على الحياء لأن الطرف حركة الجفن ، والحورية لا تحرك جفنها ولا ترفع رأسها .
المسألة السادسة : { لم يطمثهن } فيه وجوه ( أحدها ) لم يفرعهن ( ثانيها ) لم يجامعهن ( ثالثها ) لم يمسسهن ، وهو أقرب إلى حالهن وأليق بوصف كمالهن ، لكن لفظ الطمث غير ظاهر فيه ولو كان المراد منه المس لذكر اللفظ الذي يستحسن ، وكيف وقد قال تعالى : { وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن } وقال : { فاعتزلوا } ولم يصرح بلفظ موضوع للوطء ، فإن قيل : فما ذكرتم من الإشكال باق وهو أنه تعالى كنى عن الوطء في الدنيا باللمس كما في قوله تعالى : { أو لامستم النساء } على الصحيح في تفسير الآية وسنذكره ، وإن كان على خلاف قول إمامنا الشافعي رضي الله عنه وبالمس في قوله : { من قبل أن تمسوهن } ولم يذكر المس في الآخرة بطريق الكناية ، نقول : إنما ذكر الجماع في الدنيا بالكناية لما أنه في الدنيا قضاء للشهوة وأنه يضعف البدن ويمنع من العبادة ، وهو في بعض الأوقات قبحه كقبح شرب الخمر ، وفي بعض الأوقات هو كالأكل الكثير وفي الآخرة مجرد عن وجوه القبح ، وكيف لا والخمر في الجنة معدودة من اللذات وأكلها وشربها دائم إلى غير ذلك ، فالله تعالى ذكره في الدنيا بلفظ مجازي مستور في غاية الخفاء بالكناية إشارة إلى قبحه وفي الآخرة ذكره بأقرب الألفاظ إلى التصريح أو بلفظ صريح ، لأن الطمث أدل من الجماع والوقاع لأنهما من الجمع والوقوع إشارة إلى خلوه عن وجوه القبح .
المسألة السابعة : ما الفائدة في كلمة { قبلهم } ؟ قلنا لو قال : لم يطمثهن إنس ولا جان يكون نفيا لطمث المؤمن إياهن وليس كذلك .
المسألة الثامنة : ما الفائدة في ذكر الجان مع أن الجان لا يجامع ؟ نقول : ليس كذلك بل الجن لهم أولاد وذريات وإنما الخلاف في أنهم هل يواقعون الإنس أم لا ؟ والمشهور أنهم يواقعون وإلا لما كان في الجنة أحساب ولا أنساب ، فكأن مواقعة الإنس إياهن كمواقعة الجن من حيث الإشارة إلى نفيها .
فيهن في الجنان فإن جنتان تدل على جنان هي للخائفين أو فيما فيهما من الأماكن والقصور أو في هذه الآلاء المعدودة من الجنتين والعينين والفاكهة والفرش قاصرات الطرف نساء قصرن أبصارهن على أزواجهن لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان لم يمس الإنسيات إنس ولا الجنيات جن وفيه دليل على أن الجن يطمثون وقرأ الكسائي بضم الميم .
يقال جل ذكره : { فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ } .
أي في الجنان حورٌ قَصَرٍن عيونَهن عن غير أزواجهن .
وإذا كانت الزوجاتُ قاصراتِ الطَّرْفِ عن غير أزواجهن فأَوْلى بالعبد إذ رجا لقاءَه - سبحانه - أن يقصر طَرْفَه وَيَغُضَّه عن غير مُبَاحٍ .
بل عن الكُلِّ . . . إلى أن يلقاه .
ويقال : من الأولياء مَنْ لا يَنْظُرُ إليهن - وإنْ أُبيح له ذلك لتحرُّره عن الشهوات ، ولعلوِّ همته عن المخلوقات - وأنشدوا :
جنِنَّا بَليْلَى وهي جُنَّتْ بغيرنا *** وأخرى بنا مجنونة لا نريدها
ويقال : هُنَّ لمن قصرت يدُه عن الحرام والشبهة ، وطرفُه عن الرِّيَبِ .
{ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلاَ جَانٌّ } : لم يصحبهن غيرُ الوليّ ولم يَحْزُنَ غيرَه ، وفي الخبر : " اشتاقت الجنة لثلاثة " .
قاصرات الطرف : نساء قصرن طرفهنّ – أي عينهنّ – على أزواجهن .
56 ، 57- { فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلاَ جَانٌّ * فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ } .
تحدث القرآن في الآيات السابقة عن الفُرش ، وذكر أنّ بطائنها من إستبرق ، وذكر هنا أن في هذه الفرش أو في الجنات نساء قاصرات أبصارهن على أزواجهنّ ، فلا ينظرن لسواهم ، ولا4 يرين في الجنة شيئا أحسن من أزواجهن .
ورد أن الواحدة منهن تقول لبعلها : والله ما أرى في الجنة شيئا أحسن منك ، ولا في الجنة شيئا أحبّ إليّ منك ، فالحمد لله الذي جعلك لي ، وجعلني لك .
لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلاَ جَانٌّ .
أي : لم يفضض بكارتهنّ أحد قبل أزواجهن من الإنس والجن ، بل هنّ أبكار عذارى .
وأصل الطمث خروج الدم ، ولذلك يقال للحيض : طمث ، ثم أطلق على جماع الأبكار لما فيه من خروج الدم ، ثم على كل جماع .
{ فِيهِنَّ } أي الجنان المدلول عليها بقوله تعالى : { وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبّهِ جَنَّتَانِ } [ الرحمن : 46 ] فإنه يلزم من أنه لكل خائف جنتان تعدد الجنان ، وكذا على تقدير أن يكون المراد لكل خائفين من الثقلين جنتان لاسيما وقد تقدم اعتبار الجمعية في قوله تعالى : { مُتَّكِئِينَ } [ الرحمن : 54 ] وقال الفراء : الضمير لجنتان ، والعرب توقع ضمير الجمع على المثنى ولا حاجة إليه بعدما سمعت ، وقيل : الضمير للبيوت والقصور المفهومة من الجنتين أو للجنتين باعتبار ما فيهما مما ذكر ، وقيل : يعود على الفرش ، قال أبو حيان : وهذا قول حسن قريب المأخذ ، وتعقب بأن المناسب للفرش على ، وأجيب بأنه شبه تمكهن على الفرش بتمكن المظروف في الظرف وإيثاره للإشعار بأن أكثر حالهن الاستقرار عليها ، ويجوز أن يقال : الظرفية للإشارة إلى أن الفرش إذا جلس عليها ينزل مكان الجالس منها ويرتفع ما أحاط به حتى يكاد يغيب فيها كما يشاهد في فرش الملوك المترفهين التي حشوها ريش النعام ونحوه ، وقيل : الضمير للآلاء المعدودة من الجنتين . والعينين . والفاكهة والفرش . والجنى والمراد معهن { قاصرات الطرف } أي نساء يقصرن أبصارهن على أزواجهن لا ينظرن إلى غيرهم ، أو يقصرن طرف الناظر إليهن عن التجاوز إلى غيرهن ، قال ابن رشيق في قول امرئ القيس
: من ( القاصرات الطرف ) لو ( دب محول *** من الذر فوق الأنف منها لأثرا )
أراد بالقاصرات الطرف أنها منكسرة الجفن خافضة النظر غير متطلعة لما بعد ولا ناظرة لغير زوجها ، ويجوز أن يكون معناه أن طرف الناظر لا يتجاوزها كقول المتنبي
: وخصر تثبت الأبصار فيه *** كأن عليه من حدق نطاقاً
انتهى فلا تغفل ، والأكثرون على أول المعنيين اللذين ذكرناهما بل في بعض الأخبار ما يدل على أنه تفسير نبوي .
أخرج ابن مردويه عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في ذلك «لا ينظرن إلا إلى أزواجهن » ومتى صح هذا ينبغي قصر الطرف عليه ، وفي بعض الآثار تقول الواحدة منهن لزوجها : وعزة ربي ما أرى في الجنة أحسن منك فالحمد لله الذي جعلني زوجك وجعلك زوجي ، و { الطرف } في الأصل مصدر فلذلك وحد { لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلاَ جَانٌّ } قال ابن عباس : لم يفتضهن قبل أزواجهن إنس ولا جان ، وفيه إشارة إلى أن ضمير قبلهن للأزواج ، ويدل عليه { قاصرات الطرف } وفي البحر هو عائد على من عاد عليه الضمير في { مُتَّكِئِينَ } [ الرحمن : 54 ] ، وأصل الطمث خروج الدم ولذلك يقال للحيض طمث ، ثم أطلق على جماع الأبكار لما فيه من خروج الدم ، وقيل : ثم عمم لكل جماع ، وهو المروى هنا عن عكرمة ، وإلى الأول ذهب الكثير ، وقيل : إن التعبير به للإشارة إلى أنهن يوجدن أبكاراً كلما جومعن ، ونفي طمثهن عن الأنس ظاهر ، وأما عن الجن فقال مجاهد .
والحسن : قد تجامع الجن نساء البشر مع أزواجهن إذا لم يذكر الزوج اسم الله تعالى فنفي هنا جميع المجامعين وقيل : لا حاجة إلى ذلك إذ يكفي في نفي الطمث عن الجن إمكانه منهم ، ولا شك في إمكان جماع الجنى إنسية بدون أن يكون مع زوجها الغير الذاكر اسم الله تعالى ، ويدل على ذلك ما رواه أبو عثمان سعيد بن دواد الزبيدي قال : كتب قوم من أهل اليمن إلى مالك يسألونه عن نكاح الجن وقالوا : إن ههنا رجلاً من الجن يزعم أنه يريد الحلال فقال ما أرى بذلك بأساً في الدين ولكن أكره إذا وجدت امرأة حامل قيل : من زوجك ؟ قالت : من الجن فيكثر الفساد في الإسلام ، ثم إن دعوى أن الجن تجامع نساء البشر جماعاً حقيقياً مع أزواجهن إذا لم يذكروا اسم الله تعالى غير مسلمة عند جميع العلماء ، وقوله تعالى : { وَشَارِكْهُمْ فِي الاموال والأولاد } [ الإسراء : 64 ] غير نص في المراد كما لا يخفى ، وقال ضمرة بن حبيب : الجن في الجنة لهم قاصرات الطرف من الجن نوعهم ، فالمعنى لم يطمث الانسيات أحد من الإنس ، ولا الجنيات أحد من الجن قبل أزواجهن ، وقد أخرج نحو هذا عنه ابن أبي حاتم ، وظاهره أن ما للجن لسن من الحور .
ونقل الطبرسي عنه أنهن من الحور وكذا الانسيات ، ولا مانع من أن يخلق الله تعالى في الجنة حوراً للإنس يشاكلنهم يقال لهن لذلك إنسيات ، وحوراً للجن يشاكلنهم يقال لهن لذلك جنيات ، ويجوز أن تكون الحور كلهن نوعاً واحداً ويعطي الجنى منهن لكنه في تلك النشأة غيره في هذه النشأة ، ويقال : ما يعطاه الانسى منهن لم يطمثها إنسي قبله ، وما يعطاه الجنى لم يطمثها جنى قبله وبهذا فسر البلخي الآية ، وقال الشعبي . والكلبي : تلك القاصرات الطرف من نساء الدنيا لم يمسسهن منذ أنشئن النشأة الآخرة خلق قبل ، والذي يعطاه الإنسي زوجته المؤمنة التي كانت له في الدنيا ويعطي غيرها من نسائها المؤمنات أيضاً . وكذا الجنى يعطي زوجته المؤمنة التي كانت له في الدنيا من الجن ويعطي غيرها من نساء الجن المؤمنات أيضاً ، ويبعد أن يعطي الجنى من نساء الدنيا الإنسانيات في الآخرة .
والذي يغلب على الظن أن الانسى يعطي من الانسيات والحور والجنى يعطي من الجنيات والحور ولا يعطي إنسى جنية ، ولا جنى إنسية وما يعطاه المؤمن إنسياً كان أو جنياً من الحور شيء يليق به وشتهيه نفسه ، وحقيقة تلك النشأة وراء ما يخطر بالبال ، واستدل بالآية على أن الجن يدخلون الجن ويجامعون فيها كالإنس فهم باقون فيها منعمين كبقاء المعذبين منهم في النار ، وهو مقتضى ظاهر ما ذهب إليه أبو يوسف .
ومحمد . وابن أبي ليلى . والأوزاعي . وعليه الأكثر كما ذكره العيني في «شرح البخاري » من أنهم يثابون على الطاعة ويعاقبون على المعصية ، ويدخلون الجنة فإن ظاهره أنهم كالإنس يوم القيامة ، وعن الإمام أبي حنيفة ثلاث روايات الأولى أنهم لا ثواب لهم إلا النجاة من النار ثم يقال لهم كونوا تراباً كسائر الحيوانات ، والثانية أنهم من أهل الجنة ولا ثواب لهم أي زائد على دخولها ، الثالثة التوقف قال الكردري : وهو في أكثر الروايات ، وفي فتاوي أبي إسحق بن الصفار أن الإمام يقول : لا يكونون في الجنة ولا في النار ولكن في معلوم الله تعالى .
ونقل عن مالك وطائفة أنهم يكونون في ربض الجنة ، وقيل : هم أصحاب الأعراف ، وعن الضحاك أنهم يلهمون التسبيح والذكر فيصيبون من لذته ما يصيبه بنو آدم من نعيم الجنة وعلى القول بدخولهم الجنة قيل : نراهم ولا يرونا عكس ما كانوا عليه في الدنيا ، وإليه ذهب الحرث المحاسبي ، وفي اليواقيت الخواص منهم يرونا كما أن الخواص منا يرونهم في الدنيا ، وعلى القول بأنهم يتنعمون في الجنة قيل : إن تنعمهم بغير رؤيته عز وجل فإنهم لا يرونه ، وكذا الملائكة عليهم السلام ما عدا جبريل عليه السلام فإنه يراه سبحانه مرة ولا يرى بعدها على ما حكاه أبو إسحق إبراهيم بن الصفار في فتاويه عن أبيه ، والأصح ما عليه الأكثر مما قدمناه وأنهم لا فرق بينهم وبين البشر في الرؤية وتمامه في محله ، وقرأ طلحة . وعيسى . وأصحاب عبد الله { يَطْمِثْهُنَّ } بضم الميم هنا وفيما بعد ، وقرأ أناس بضمه في الأول وكسره في الثانية . وناس بالعكس . وناس بالتخيير ، والجحدري بفتح الميم فيهما ، والجملة صفة لقاصرات الطرف لأن إضافتها لفظية أو حال منها لتخصيصها بالإضافة .
{ فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ } أي : قد قصرن طرفهن على أزواجهن ، من حسنهم وجمالهم ، وكمال محبتهن لهم ، وقصرن أيضا طرف أزواجهن عليهن ، من حسنهن وجمالهن ولذة وصالهن ، { لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ } أي : لم ينلهن قبلهم أحد من الإنس والجن ، بل هن أبكار عرب ، متحببات إلى أزواجهن ، بحسن التبعل والتغنج والملاحة والدلال ، ولهذا قال : { كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ }