قوله تعالى : { تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام } وفيه مسائل :
المسألة ( الأولى ) : في الترتيب وفيه وجوه أحدها : أنه تعالى لما ختم نعم الدنيا بقوله تعالى : { ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام } ختم نعم الآخرة بقوله : { تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام } إشارة إلى أن الباقي والدائم لذاته هو الله تعالى لا غير والدنيا فانية ، والآخرة وإن كانت باقية لكن بقاؤها بإبقاء الله تعالى ( ثانيها ) : هو أنه تعالى في أواخر هذه السور كلها ذكر اسم الله فقال في السورة التي قبل هذه : { عند مليك مقتدر } وكون العبد عند الله من أتم النعم كذلك هاهنا بعد ذكر الجنات وما فيها من النعم قال : { تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام } إشارة إلى أن أتم النعم عند الله تعالى ، وأكمل اللذات ذكر الله تعالى ، وقال في السورة التي بعد هذه : { فروح وريحان وجنة نعيم } ثم قال تعالى في آخر السورة : { فسبح باسم ربك العظيم } ( ثالثها ) : أنه تعالى ذكر جميع الذات في الجنات ، ولم يذكر لذة السماع وهي من أتم أنواعها ، فقال : { متكئين على رفرف خضر } يسمعون ذكر الله تعالى .
المسألة الثانية : أصل التبارك من البركة وهي الدوام والثبات ، ومنها بروك البعير وبركة الماء ، فإن الماء يكون فيها دائما وفيه وجوه ( أحدها ) : دام اسمه وثبت ( وثانيها ) : دام الخير عنده لأن البركة وإن كانت من الثبات لكنها تستعمل في الخير ( وثالثها ) : تبارك بمعنى علا وارتفع شأنا لا مكانا .
المسألة الثالثة : قال بعد ذكر نعم الدنيا : { ويبقى وجه ربك } وقال بعد ذكر نعم الآخرة : { تبارك اسم ربك } لأن الإشارة بعد عد نعم الدنيا وقعت إلى عدم كل شيء من الممكنات وفنائها في ذواتها ، واسم الله تعالى ينفع الذاكرين ولا ذاكر هناك يوحد الله غاية التوحيد فقال : ويبقى وجه الله تعالى والإشارة هنا ، وقعت إلى أن بقاء أهل الجنة بإبقاء الله ذاكرين اسم الله متلذذين به فقال : { تبارك اسم ربك } أي في ذلك اليوم لا يبقى اسم أحد إلا اسم الله تعالى به تدور الألسن ولا يكون لأحد عند أحد حاجة بذكره ولا من أحد خوف ، فإن تذاكروا تذاكروا باسم الله .
المسألة الرابعة : الاسم مقحم أو هو أصل مذكور له التبارك ، نقول : فيه وجهان ( أحدهما ) : وهو المشهور أنه مقحم كالوجه في قوله تعالى : { ويبقى وجه ربك } يدل عليه قوله : { فتبارك الله أحسن الخالقين } و{ تبارك الذي بيده الملك } وغيره من صور استعمال لفظ تبارك ( وثانيهما ) : هو أن الاسم تبارك ، وفيه إشارة إلى معنى بليغ ، أما إذا قلنا : تبارك بمعنى علا فمن علا اسمه كيف يكون مسماه وذلك لأن الملك إذا عظم شأنه لا يذكر اسمه إلا بنوع تعظيم ثم إذا انتهى الذاكر إليه يكون تعظيمه له أكثر ، فإن غاية التعظيم للاسم أن السامع إذا سمعه قام كما جرت عادة الملوك أنهم إذا سمعوا في الرسائل اسم سلطان عظيم يقومون عند سماع اسمه ، ثم إن أتاهم السلطان بنفسه بدلا عن كتابه الذي فيه اسمه يستقبلونه ويضعون الجباه على الأرض بين يديه ، وهذا من الدلائل الظاهرة على أن علو الاسم يدل على علو زائد في المسمى ، أما إن قلنا : بمعنى دام الخير عنده فهو إشارة إلى أن ذكر اسم الله تعالى يزيل الشر ويهرب الشيطان ويزيد الخير ويقرب السعادات ، وأما إن قلنا : بمعنى دام اسم الله ، فهو إشارة إلى دوام الذاكرين في الجنة على ما قلنا من قبل .
المسألة الخامسة : القراءة المشهورة هاهنا : { ذي الجلال } وفي قوله تعالى : { ويبقى وجه ربك ذو الجلال } لأن الجلال للرب ، والاسم غير المسمى ، وأما وجه الرب فهو الرب فوصف هناك الوجه ووصف هاهنا الرب ، دون الاسم ولو قال : ويبقى الرب لتوهم أن الرب إذا بقي ربا فله في ذلك الزمان مربوب ، فإذا قال وجه أنسى المربوب فحصل القطع بالبقاء للحق فوصف الوجه يفيد هذه الفائدة ، والله أعلم والحمد لله رب العالمين وصلاته على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلامه .
وقوله عز وجل : { تبارك اسم رَبّكَ } تنزيه وتقديس له تعالى فيه تقرير لما ذكر في هذه السورة الكريمة من آلائه جل شأنه الفائضة على الأنام ، فتبارك بمعنى تعالى لأنه يكون بمعناه وهو أنسب بالوصف الآتي ، وقد ورد في الأحاديث «تعالى اسمه » أي تعالى اسمه الجليل الذي من جملته ما صدرت به السورة من اسم { الرحمن } المنبئ عن إفاضة الآلاء المفصلة ، وارتفع مما لا يليق بشأنه من الأمور التي من جملتها جحود نعمائه وتكذيبها ، وإذا كان حال اسمه تعالى بملابسة دلالته عليه سبحانه كذلك فما ظنك بذاته الأقدس الأعلى ؟ ؟ .
وقيل : الاسم بمعنى الصفة لأنها علامة على موصوفها ، وقيل : هو مقحم كما في قول من قال :
ثم اسم السلام عليكما *** ، وقيل : هو بمعنى المسمى ، وزعم بعضهم إن الأنسب بما قصد من هذه السورة الكريمة وهو تعدد الآلاء والنعم تفسير { تبارك } بكثرت خيراته ثم إنه لا بعد في إسناده بهذا المعنى لاسمه تعالى إذ به يستمطر فيغاث ويستنصر فيعان ، وقوله سبحانه : { ذِى * الجلال } صفة للرب ووصف جل وعلا بذلك تكميلاً لما ذكر من التنزيه والتقرير ، وقرأ ابن عامر . وأهل الشام ذو بالرفع على أنه وصف للاسم ووصفه بالجلال والإكرام بمعنى التكريم واضح .
وذكر بعض أهل العلم أن قوله تعالى : { فَبِأَىّ ءالاء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ } [ الرحمن : 13 ] قد ذكر إحدى وثلاثين مرة ، ثمانية منها عقيب تعداد عجائب خلقه تعالى . وذكر المبدأ والمعاد ، وسبعة عقيب ذكر ما يشعر بالنار وأهوالها على عدد أبواب جهنم ، وثمانية في وصف الجنتين الأوليين ومثلها في وصف الجنتين اللتين دونهما على عدد أبواب الجنة فكأنه أشير بذلك إلى أن من اعتقد الثمانية الأولى وعمل بموجبها استحق كلتا الجنتين من الله تعالى ووقاه جهنم ذات الأبواب السبعة ؛ والله تعالى أعلم بإشارات كتابه وحقائق خطابه ودقائق كلامه التي لا تحيط بها الأفهام وتبارك اسم ربك ذو الجلال والإكرام .