المسألة الرابعة : قوله : { كلوا } ليس أمر إيجاب بل أمر إباحة كقوله : { وإذا حللتم فاصطادوا } .
المسألة الخامسة : في الطيبات قولان : أحدهما : اللذائذ لأن المن والسلوى من لذائذ الأطعمة . والثاني : وهو قول الكلبي ومقاتل الحلال لأنه شيء أنزله الله تعالى إليهم ولم تمسه يد الآدميين ويجوز الجمع بين الوجهين لأن بين المعنيين معنى مشتركا . وتمام القول في هذه القصة تقدم في سورة البقرة .
المسألة السادسة : في قوله تعالى : { ولا تطغوا } فيه وجوه . أحدها : قال ابن عباس رضي الله عنهما : لا تطغوا ، أي لا يظلم بعضكم بعضا فيأخذه من صاحبه . وثانيها : قال مقاتل والضحاك : لا تظلموا فيه أنفسكم بأن تتجاوزوا حد الإباحة . وثالثها : قال الكلبي : لا تكفروا النعمة أي لا تستعينوا بنعمتي على مخالفتي ولا تعرضوا عن الشكر ولا تعدلوا عن الحلال إلى الحرام .
المسألة السابعة : قرأ الأعمش والكسائي فيحل ومن يحلل كلاهما بالضم وروى الأعمش عن أصحاب عبد الله فيحل بالكسر ومن يحلل بالرفع وقراءة العامة بالكسر في الكلمتين أما من كسر فمعناه الوجوب من حل الدين يحل إذا وجب أداؤه ومنه قوله تعالى : { حتى يبلغ الهدي محله } والمضموم في معنى النزول وقوله : { فقد هوى } أي شقي وقيل فقد وقع في الهاوية ، يقال : هوى يهوي هويا إذا سقط من علو إلى أسفل .
المسألة الثامنة : اعلم أن الله تعالى وصف نفسه بكونه غافرا وغفورا وغفارا ، وبأن له غفرانا ومغفرة وعبر عنه بلفظ الماضي والمستقبل والأمر . أما إنه وصف نفسه بكونه غافرا فقوله : { غافر الذنب } وأما كونه غفورا فقوله : { وربك الغفور ذو الرحمة }
ولا تطغوا فيه : لا تأخذوه من غير حاجة اليه .
وقلْنا لكم : كلوا من تلك اللذائذ التي أنعمنا بها عليكم ، ولا تطغوا فيه : لا تظلموا وتبطَروا فتركبوا المعاصي ولا تُسرفوا بل عيشوا في هذه النعم ، حتى لا ينزل عليكم غضبي ، ومن ينزل عليه فقد هلك .
قرأ الجمهور : « ما رزقناكم » بنونالجمع ، وقرأ حمزة والكسائي وخلف : «ما رزقتكم »بتاء المفرد .
قرأ الكسائي : فيحلّ عليكم غضبي : بضم الحاء ، ومن يحلل عليه غضبي : بضم اللام والباقون : بالكسر فيحِل ، ومن يحلِل عليه .
{ كُلُواْ مِن طيبات مَا رزقناكم } أي من لذائذه أو حلالاته على أن المراد بالطيب ما يستطيبه الطبع أو الشرع .
وجوز أن يراد بالطيبات ما جمعت وصفي اللذة والحل ، والجملة مستأنفة مسوقة لبيان إباحة ما ذكرهم وإتماماً للنعمة عليهم ، وقرأ من ذكر آنفاً { رزقتكم } وقدم سبحانه نعمة الإنجاء من العدو لأنها من باب درء المضار وهو أهم من جلب المنافع ومن ذاق مرارة كيد الأعداء خذلهم الله تعالى ثم أنجاه الله تعالى وجعل كيدهم في نحورهم علم قدر هذه النعمة ، نسأل الله تعالى أن يتم نعمه علينا وأن لا يجعل لعدو سبيلاً إلينا ، وثنى جلا وعلا بالنعمة الدينية لأنها الأنف في وجه المنافع ، وأخر عز وجل النعمة الدنيوية لكونها دون ذلك فتباً لمن يبيع الدين بالدنيا { وَلاَ تَطْغَوْاْ فِيهِ } أي فيما رزقناكم بالإخلال بشكره وتعدى حدود الله تعالى فيه بالسرف والبطر والاستعانة به على معاصي الله تعالى ومنع الحقوق الواجبة فيه ، وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : أي لا يظلم بعضكم بعضاً فيأخذه من صاحبه بغير حق ، وقيل : أي لا تدخروا .
وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما { وَلاَ تَطْغَوْاْ } بضم الغين { فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِى } جواب للنهي أي فيلزمكم غضبي ويجب لكم من حل الدين يحل بكسر الحاء إذا وجب أداؤه وأصله من الحلو وهو في الأجسام ثم استعير لغيرها وشاع حتى صارت حقيقة فيه { وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِى فَقَدْ هوى } أي هلك وأصله الوقوع من علو كالجبل ثم استعمل في الهلاك للزومه له ، وقيل : أي وقع في الهاوية وإليه ذهب الزجاج .
وفي بعض الآثار أن في جهنم قصراً يرمي الكافر من أعلاه فيهوى في جهنم أربعين خريفاً قبل أن يبلغ الصلصال فذلك قوله تعالى : { فَقَدْ هوى } فيكون بمعناه الأصلي إذا أريد به فرد مخصوص منه لا بخصوصه .
وقرأ الكسائي { فَيَحِلَّ } بضم الحاء { وَمَن يَحْلِلْ } بضم اللام الأولى وهي قراءة قتادة . وأبي حيوة والأعمش . وطلحة . ووافق ابن عبتبة في { يَحْلِلْ } فضم ، وفي الاقناع لأبي على الأهوازي قرأ ابن غزوان عن طلحة { لا يحلن عَلَيْكُمْ } بنون مشددة وفتح اللام وكسر الحاء وهو من باب لا أرينك هنا ، وفي «كتاب اللوامح » قرأ قتادة . وعبد الله بن مسلم بن يسار . وابن وثاب . والأعمش { فَيَحِلَّ } بضم الياء وكسر الحاء من الاحلال ففاعله ضمير الطغيان و { غَضَبِى } مفعوله ، وجوز أن يكون هو الفاعل والمفعول محذوف أي العذاب أو نحوه ، ومعنى يحل مضموم الحاء ينزل من حل بالبلد إذا نزل كما في «الكشاف » .
وفي المصباح حل العذاب يحل ويحل هذه وحدها بالكسر والضم والباقي بالكسر فقط ، والغضب في البشر ثوران دم القلب عند إرادة الانتقام ، وفي الحديث «اتقوا الغضب فَإِنَّهُ جمرة توقد في قلب ابن آدم ألم تروا إلى انتفاخ أوداجه وحمرة عينيه » وإذا وصف الله تعالى به لم يرد هذا المعنى قطعاً وأريد معنى لائق بشأنه عز شأنه ، وقد يراد به الانتقام والعقوبة أو إرادتهما نعوذ بالله تعالى من ذلك ، ووصف ذلك بالحلول حقيقة على بعض الاحتمالات ومجاز على بعض آخر ، وفي الانتصاف أن وصفه بالحلو لا يتأتى على تقدير أن يراد به إرادة العقوبة ويكون ذلك بمنزلة قوله صلى الله عليه وسلم : «ينزل ربنا إلى السماء الدنيا » على التأويل المعروف أو عبر عن حلول أثر الإرادة بحلولها تعبيراً عن الأثر بالمؤثر كما يقول الناظر إلى عجيب من مخلوقات الله تعالى : انظر إلى قدرة الله تعالى يعني أثر القدرة لا نفسها
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.