مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَحَرَٰمٌ عَلَىٰ قَرۡيَةٍ أَهۡلَكۡنَٰهَآ أَنَّهُمۡ لَا يَرۡجِعُونَ} (95)

أما قوله : { وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون } فاعلم أن قوله : { وحرام } خبر فلا بد له من مبتدأ وهو إما قوله : { أنهم لا يرجعون } أو شيء آخر أما الأول فالتقدير أن عدم رجوعهم حرام أي ممتنع وإذا كان عدم رجوعهم ممتنعا كان رجوعهم واجبا فهذا الرجوع إما أن يكون المراد منه الرجوع إلى الآخرة أو إلى الدنيا . أما الأول : فيكون المعنى أن رجوعهم إلى الحياة في الدار الآخرة واجب ، ويكون الغرض منه إبطال قول من ينكر البعث ، وتحقيق ما تقدم أنه لا كفران لسعي أحد فإنه سبحانه سيعطيه الجزاء على ذلك يوم القيامة وهو تأويل أبي مسلم بن بحر . وأما الثاني : فيكون المعنى أن رجوعهم إلى الدنيا واجب لكن المعلوم أنهم لم يرجعوا إلى الدنيا فعند هذا ذكر المفسرون وجهين : الأول : أن الحرام قد يجيء بمعنى الواجب والدليل عليه الآية والاستعمال والشعر ، أما الآية فقوله تعالى : { قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم أن لا تشركوا به شيئا } وترك الشرك واجب وليس بمحرم ، وأما الشعر فقول الخنساء :

وإن حراما لا أرى الدهر باكيا*** على شجوه إلا بكيت على عمرو

يعني وإن واجبا ، وأما الاستعمال فلأن تسمية أحد الضدين باسم الآخر مجاز مشهور كقوله تعالى : { وجزاء سيئة سيئة مثلها } إذا ثبت هذا فالمعنى أنه واجب على أهل كل قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون ، ثم ذكروا في تفسير الرجوع أمرين : أحدهما : أنهم لا يرجعون عن الشرك ولا يتولون عنه وهو قول مجاهد والحسن . وثانيها : لا يرجعون إلى الدنيا وهو قول قتادة ومقاتل .

الوجه الثاني : أن يترك قوله وحرام على ظاهره ويجعل في قوله : { لا يرجعون } صلة زائدة كما أنه صلة في قوله : { ما منعك أن لا تسجد } والمعنى حرام على قرية أهلكناها رجوعهم إلى الدنيا وهو كقوله : { فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون } أو يكون المعنى وحرام عليهم رجوعهم عن الشرك وترك الأيمان ، وهذا قول طائفة من المفسرين ، وهذا كله إذا جعلنا قوله وحرام خبرا لقوله : { أنهم لا يرجعون } أما إذا جعلناه خبرا لشيء آخر فالتقدير وحرام على قرية أهلكناها ذاك ، وهو المذكور في الآية المتقدمة من العمل الصالح والسعي المشكور غير المكفور ثم علل فقال : { أنهم لا يرجعون } عن الكفر فكيف لا يمتنع ، ذلك هذا على قراءة إنهم بالكسر والقراءة بالفتح يصح حملها أيضا على هذا أي أنهم لا يرجعون .

 
تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{وَحَرَٰمٌ عَلَىٰ قَرۡيَةٍ أَهۡلَكۡنَٰهَآ أَنَّهُمۡ لَا يَرۡجِعُونَ} (95)

حرام على قرية : ممتنع على أهل القرية .

إن كل أهل قريةٍ أهلكناهم في الدنيا لا بد أن يرجعوا إلينا ليلاقوا جزاءهم يوم القيامة فالجزاء على الأعمال إنما يتم في الآخرة ولو قدِّم منه شيء في الدنيا . وهذه الآية أشكلت على المفسرين ، وقال بعضهم إنها مشكلة ، وتعذر معناها : وحرام على أهل قرية حكمنا بإهلاكها أن يُقبل لهم من عمل لأنهم لا يتوبون ، وقال بعضهم : وحرم الله على أية قرية أهلكها الله أن يعيدها إلى الدنيا . . .

قراءات :

قرأ أبو بكر وحمزة والكسائي : { وحرم } بكسر الحاء وإسكان الراء ، والباقون : { وحرام } بفتح الحاء والراء وألف بعدها والمعنى واحد .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَحَرَٰمٌ عَلَىٰ قَرۡيَةٍ أَهۡلَكۡنَٰهَآ أَنَّهُمۡ لَا يَرۡجِعُونَ} (95)

{ وَحَرَامٌ على قَرْيَةٍ } أي على أهل قرية فالكلام على تقدير مضاف أو القرية مجاز عن أهلها . والحرام مستعار للممتنع وجوده بجامع أن كل واحد منهما غير مرجو الحصول ، وقال الراغب : الحرام الممنوع منه إما بتسخير إلهي وإما بمنع قهري وإما بمنع من جهة العقل أو من جهة الشرع أو من جهة من يرتسم أمره ، وذكر أنه قد حمل في هذه الآية على التحريم بالتسخير كما في قوله تعالى : { وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ } [ القصص : 12 ] وقرأ أبو حنيفة وحمزة والكسائي . وأبو بكر . وطلحة . والأعمش . وأبو عمرو في رواية { وحرم } بكسر الحاء وسكون الراء .

/ وقرأ قتادة . ومطر الوراق . ومحبوب عن أبي عمرو بفتح الحاء وسكون الراء ، وقرأ عكرمة { وَحَرَّمَ } الحاء وكسر الراء والتنوين . وقرأ ابن عباس . وعكرمة أيضاً . وابن المسيب . وقتادة أيضاً بكسر الراء وفتح الحياء والميم على المضي . وقرأ ابن عباس . وعكرمة بخلاف عنهما . وأبو العالية . وزيد بن علي بضم الراء وفتح الحاء والميم على المضي أيضاً ، وفي رواية أخرى عن ابن عباس أنه قرأ بفتح الحاء والراء والميم على المضي أيضاً .

وقرأ اليماني { وَحَرَّمَ } بضم الحاء وكسر الراء مشددة وفتح الميم على أنه فعل ماض مبني لما لم يسم فاعله .

{ أهلكناها } أي قدرنا هلاكها أو حكمنا به في الأزل لغاية طغيانهم وعتوهم فيما لا يزال .

وقرأ السلمي . وقتادة { أهلكتها } بتاء المتكلم ، وقوله تعالى : { أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ } في تأويل اسم مرفوع على الابتداء خبره { حَرَامٌ } قال ابن الحاجب في أماليه : ويجب حينئذٍ تقديمه لما تقرر في النحو من أن الخبر عن أن يجب تقديمه ، وجوز أن يكون { حَرَامٌ } مبتدأ و { أَنَّهُمْ } فاعل له سد مسد خبره وإن لم يعتمد على نفي أو استفهام بناءً على مذهب الأخفش فإنه لا يشترط في ذلك الاعتماد خلافاً للجمهور كما هو المشهور .

وذهب ابن مالك أن رفع الوصف الواقع مبتدأ لمكتفى به عن الخبر من غير اعتماد جائز بلا خلاف وإنما الخلاف في الاستحسان وعدمه فسيبويه يقول : هو ليس بحسن والأخفش يقول : هو حسن وكذا الكوفيون كما في «شرح التسهيل » ؛ والجملة لتقرير ما قبلها من قوله تعالى : { كُلٌّ إِلَيْنَا راجعون } [ الأنبياء : 93 ] وما في أن من معنى التحقيق معتبر في النفي المستفاد في { حَرَامٌ } لا في المنفى أي ممتنع البتة عدم رجوعهم إلينا للجزاء لا أن عدم رجوعهم المحقق ممتنع ، وتخصيص امتناع عدم رجوعهم بالذكر مع شمول الامتناع لعدم رجوع الكل حسبما نطق به قوله تعالى : { كُلٌّ إِلَيْنَا راجعون } لأنهم المنكرون للبعث والرجوع دون غيرهم ، وهذا المعنى محكي عن أبي مسلم بن بحر ، ونقله أبو حيان عنه لكنه قال : إن الغرض من الجملة على ذلك إبطال قول من ينكر البعث ، وتحقيق ما تقدم من أنه لا كفران لسعي أحد وأنه يجزى على ذلك يوم القيامة ، ولا يخفى ما فيه .

وقال أبو عتبة : المعنى وممتنع على قرية قدرنا هلاكها أو حكمنا به رجوعهم إلينا أي توبتهم على أن { لا } سيف خطيب مثلها في قوله تعالى : { مَا مَنَعَكَ أَن لاَ تَسْجُدُ } [ الأعراف : 12 ] في قول ، وقيل { حَرَامٌ } بمعنى واجب كما في قول الخنساء

: وإن حراماً لا أرى الدهر باكيا *** على شجوة إلا بكيت على ثخر

ومن ذلك قوله تعالى : { قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَن لا تُشْرِكُواْ } [ الأنعام : 151 ] الخ فإن ترك الشرك واجب ، وعلى هذا قال مجاهد . والحسن { لاَ يَرْجِعُونَ } لا يتوبون عن الشرك .

وقال قتادة . ومقاتل : لا يرجعون إلى الدنيا ، والظاهر على هذا أن المراد بأهلكناها أوجدنا إهلاكها بالفعل ، والمراد بالهلاك الهلاك الحسي ، ويجوز على القول بأن المراد بعدم الرجوع عدم التوبة أن يراد به الهلاك المعنوي بالكفر والمعاصي . وقرئ { أَنَّهُمْ } بكسر الهمزة على أن الجملة استئناف تعليلي لما قبلها ؛ فحرام خبر مبتدأ محذوف أي حرام عليها ذلك وهو ما ذكر في الآية السابقة من العمل الصالح المشفوع بالإيمان والسعي المشكور ثم علل بقوله تعالى : { أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ } عما هم عليه من الكفر فكيف لا يمتنع ذلك ، ويجوز حمل الكلام على قراءة الجمهور بالفتح على هذا المعنى بحذف حرف التعليل أي لأنهم لا يرجعون . والزجاج قدر المبتدأ في ذلك أن يتقبل عملهم فقال : المعنى وحرام على قرية حكمنا بهلاكها أن يتقبل عملهم لأنهم لا يتوبون ودل على ذلك قوله تعالى قبل : { فَلاَ كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ } [ الأنبياء : 94 ] حيث أن المراد منه يتقبل عمله .