مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَٱلَّتِيٓ أَحۡصَنَتۡ فَرۡجَهَا فَنَفَخۡنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا وَجَعَلۡنَٰهَا وَٱبۡنَهَآ ءَايَةٗ لِّلۡعَٰلَمِينَ} (91)

القصة العاشرة : قصة مريم عليها السلام

قوله تعالى :{ والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا وجعلناها وابنها آية للعالمين }

اعلم أن التقدير واذكر التي أحصنت فرجها ، ثم فيه قولان : أحدهما : أنها أحصنت فرجها إحصانا كليا من الحلال والحرام جميعا كما قالت : { ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا } . والثاني : من نفخة جبريل عليه السلام حيث منعته من جيب درعها قبل أن تعرفه والأول أولى لأنه الظاهر من اللفظ .

وأما قوله : { فنفخنا فيها من روحنا } فلقائل أن يقول : نفخ الروح في الجسد عبارة عن إحيائه قال تعالى : { فإذا سويته ونفخت فيه من روحي } أي أحييته وإذا ثبت ذلك كان قوله : { فنفخنا فيها من روحنا } ظاهر الإشكال لأنه يدل على إحياء مريم عليها السلام . والجواب من وجوه : أحدها : معناه فنفخنا الروح في عيسى فيها ، أي أحييناه في جوفها كما يقول الزمار نفخت في بيت فلان أي في المزمار في بيته . وثانيها : فعلنا النفخ في مريم عليها السلام من جهة روحنا وهو جبريل عليه السلام لأنه نفخ في جيب درعها فوصل النفخ إلى جوفها ثم بين تعالى بأخصر الكلام ما خص به مريم وعيسى عليهما السلام من الآيات فقال : { وجعلناها وابنها آية للعالمين } أما مريم فآياتها كثيرة : أحدها : ظهور الحبل فيها لا من ذكر فصار ذلك آية ومعجزة خارجة عن العادة . وثانيها : أن رزقها كان يأتيها به الملائكة من الجنة وهو قوله تعالى : { أنى لك هذا قالت هو من عند الله } . وثالثها ورابعها : قال الحسن إنها لم تلتقم ثديا يوما قط وتكلمت هي أيضا في صباها كما تكلم عيسى عليه السلام ، وأما آيات عيسى عليه السلام فقد تقدم بيانها فبين سبحانه أنه جعلهما آية للناس يتدبرون فيما خصا به من الآيات ويستدلون به على قدرته وحكمته سبحانه وتعالى فإن قيل : هلا قيل آيتين كما قال : { وجعلنا الليل والنهار آيتين } قلنا ؛ لأن حالهما بمجموعهما آية واحدة ، وهي ولادتها إياه من غير فحل . وهنا آخر القصص .

 
تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{وَٱلَّتِيٓ أَحۡصَنَتۡ فَرۡجَهَا فَنَفَخۡنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا وَجَعَلۡنَٰهَا وَٱبۡنَهَآ ءَايَةٗ لِّلۡعَٰلَمِينَ} (91)

كذلك اذكر يا محمد ، مع هؤلاء الأبرار قصة مريم التي صانت نفسها ، فألقينا فيها سرّاً من أسرارنا ، ومعجزة كبيرة بأن حملت دون زوج ، وجعلنا أمرها هي وابنها آية للناس يستدلّون بها على قدرة الله وحكمته .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَٱلَّتِيٓ أَحۡصَنَتۡ فَرۡجَهَا فَنَفَخۡنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا وَجَعَلۡنَٰهَا وَٱبۡنَهَآ ءَايَةٗ لِّلۡعَٰلَمِينَ} (91)

وقوله تعالى : { والتي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا } نصب نصب نظائره السابقة ، وقيل رفع على الابتداء والخبر محذوف أي مما يتلى عليكم أو هو قوله تعالى : { فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا } والفاء زائدة عند من يجيزه ، والمراد بالموصول مريم عليها السلام ، والإحصان بمعناه اللغوي وهو المنع مطلقاً ، والفرج في الأصل الشق بين الشيئين كالفرجة وما بين الرجلين ويكنى به عن السوأة وكثر حتى صار كالصريح في ذلك وهو المراد به هنا عند جماعة أي منعت فرجها من النكاح بقسميه كما قالت { وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً } [ مريم : 20 ] وكان التبتل إذ ذاك مشروعاً للنساء والرجال ، وقيل الفرج هنا جيب قميصها منعته من جبريل عليه السلام لما قرب منها لينفخ حيث لم تعرفه .

وعبر عنها بما ذكر لتفخيم شأنها وتنزيهها عما زعموه في حقها ، والمراد من الروح معناه المعروف ، والإضافة إلى ضميره تعالى للتشريف ، ونفخ الروح عبارة عن الإحياء وليس هناك نفخ حقيقة . ثم هذا الاحياء لعيسى عليه السلام وهو لكونه في بظنها صح أن يقال : نفخنا فيها فإن ما يكون فيما في الشيء يكون فيه فلا يلزم أن يكون المعنى أحييناها وليس بمراد ، وهذا كما يقول الزمار . نفخت في بيت فلان وهو قد نفخ في المزمار في بيته ، وقال أبو حيان : الكلام على تقدير مضاف أي فنفخنا في ابنها .

ويجوز أن يكون المراد من الروح جبريل عليه السلام كما قيل في قوله تعالى : { فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا } [ مريم : 17 ] ومن ابتدائية وهناك نفخ حقيقة وإسناده إليه تعالى مجار أي فنفخنا فيها من جهة روحنا ، وكان جبريل عليه السلام قد نفخ من جيب درعها فوصل النفخ إلى جوفها فصح أن النفخ فيها من غير غبار يحتاج إلى النفخ ، ثم النفخ لازم وقد يتعدى فيقال نفخنا الروح .

وقد جاء ذلك في بعض الشواذ ونص عليه بعض الأجلة فإنكاره من عدم الإطلاع { وجعلناها وابنها } أي جعلنا قصتهما أو حالهما { للعالمين إِنَّ } فإن من تأمل حالتهما تحقق كمال قدرته عز وجل ، فالمراد بالآية ما حصل بهما من الآية التامة مع تكاثر آيات كل واحد منهما ، وقيل أريد بالآية الجنس الشامل ما لكل واحد منهما من الآيات المستقلة ، وقيل : المعنى وجعلناها آية وابنها آية فحذفت الأولى لدلالة الثانية عليها واستدل بذكر مريم عليها السلام مع الأنبياء في هذه السورة على أنها كانت نبية إذ قرنت معهم في الذكر .

وفيه أنه لا يلزم من ذكرها معهم كونها منهم ولعلها إنما ذكرت لأجل عيسى عليه السلام ، وناسب ذكرهما هنا قصة زكريا وزوجه وابنهما يحيى للقرابة التي بينهم عليهم السلام .