مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{قُلۡ سِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَٱنظُرُواْ كَيۡفَ بَدَأَ ٱلۡخَلۡقَۚ ثُمَّ ٱللَّهُ يُنشِئُ ٱلنَّشۡأَةَ ٱلۡأٓخِرَةَۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ} (20)

ثم قال تعالى : { قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ النشأة الآخرة إن الله على كل شيء قدير }

الآية المتقدمة كانت إشارة إلى العلم الحدسي وهو الحاصل من غير طلب فقال { أو لم يروا } على سبيل الاستفهام بمعنى استبعاد عدمه ، وقال في هذه الآية إن لم يحصل لكم هذا العلم فتفكروا في أقطار الأرض لتعلموا بالعلم الفكري ، وهذا لأن الإنسان له مراتب في الإدراك بعضهم يدرك شيئا من غير تعليم وإقامة برهان له ، وبعضهم لا يفهم إلا بإبانة وبعضهم لا يفهمه أصلا فقال : إن كنتم لستم من القبيل الأول فسيروا في الأرض ، أي سيروا فكركم في الأرض وأجيلوا ذهنكم في الحوادث الخارجة عن أنفسكم لتعلموا بدء الخلق وفي الآية مسائل :

المسألة الأولى : قال في الآية الأولى بلفظ الرؤية وفي هذه بلفظ النظر ما الحكمة فيه ؟ نقول العلم الحدسي أتم من العلم الفكري كما تبين ، والرؤية أتم من النظر لأن النظر يفضي إلى الرؤية ، يقال نظرت فرأيت والمفضي إلى الشيء دون ذلك الشيء ، فقال في الأول أما حصلت لكم الرؤية فانظروا في الأرض لتحصل لكم الرؤية .

المسألة الثانية : ذكر هذه الآية بصيغة الأمر وفي الآية الأولى بصيغة الاستفهام لأن العلم الحدسي إن حصل فالأمر به تحصيل الحاصل ، وإن لم يحصل فلا يحصل إلا بالطلب لأن بالطلب يصير الحاصل فكريا فيكون الأمر به تكليف ما لا يطاق ، وأما العلم الفكري فهو مقدور فورد الأمر به .

المسألة الثالثة : أبرز اسم الله في الآية الأولى عند البدء حيث قال : { كيف يبدئ الله } وأضمره عند الإعادة وفي هذه الآية أضمره عند البدء وأبرزه عند الإعادة حيث قال : { ثم الله ينشئ } لأن في الآية الأولى لم يسبق ذكر الله بفعل حتى يسند إليه البدء فقال : { كيف يبدئ الله } ثم قال : { ثم يعيده } كما يقول القائل ضرب زيد عمرا ثم ضرب بكرا ولا يحتاج إلى إظهار اسم زيد اكتفاء بالأول ، وفي الآية الثانية كان ذكر البدء مسندا إلى الله فاكتفى به ولم يبرزه كقوله القائل أما علمت كيف خرج زيد ، اسمع مني كيف خرج ، ولا يظهر اسم زيد ، وأما إظهاره عند الإنشاء ثانيا حيث قال : { ثم الله ينشئ } مع أنه كان يكفي أن يقول : ثم ينشئ النشأة الآخرة ، فلحكمة بالغة وهي ما ذكرنا أن مع إقامة البرهان على إمكان الإعادة أظهر اسما من يفهم المسمى به بصفات كماله ونعوت جلاله يقطع بجواز الإعادة فقال الله مظهرا مبرزا ليقع في ذهن الإنسان من اسمه كمال قدرته وشمول علمه ونفوذ إرادته ويعترف بوقوع بدئه وجواز إعادته ، فإن قيل فلم لم يقل ثم الله يعيده لعين ما ذكرت من الحكمة والفائدة ؟ نقول لوجهين أحدهما : أن الله كان مظهرا مبرزا بقرب منه وهو في قوله : { كيف يبدئ الله الخلق } ولم يكن بينهما إلا لفظ الخلق وأما ههنا فلم يكن مذكورا عند البدء فأظهره وثانيهما : أن الدليل ههنا تم على جواز الإعادة لأن الدلائل منحصرة في الآفاق وفي الأنفس ، كما قال تعالى :

{ سنريهم آياتنا في الآفاق وفى أنفسهم } وفي الآية الأولى أشار إلى الدليل النفسي الحاصل لهذا الإنسان من نفسه ، وفي الآية الثانية أشار إلى الدليل الحاصل من الآفاق بقوله : { قل سيروا في الأرض } وعندهما تم الدليلان ، فأكده بإظهار اسمه ، وأما الدليل الأول فأكده بالدليل الثاني ، فلم يقل ثم الله يعيده .

المسألة الرابعة : في الآية الأولى ذكر بلفظ المستقبل فقال : { أو لم يروا كيف يبدئ } وههنا قال بلفظ الماضي فقال : { فانظروا كيف بدأ } ولم يقل كيف يبدأ ، فنقول الدليل الأول هو الدليل النفسي الموجب للعلم الحدسي وهو في كل حال يوجب العلم ببدء الخلق ، فقال إن كان ليس لكم علم بأن الله في كل حال يبدأ خلقا فانظروا إلى الأشياء المخلوقة ليحصل لكم علم بأن الله بدأ خلقا ، ويحصل المطلوب من هذا القدر فإنه ينشئ كما بدأ ذلك .

المسألة الخامسة : قال في هذه الآية { إن الله على كل شيء قدير } وقال في الآية الأولى { إن ذلك على الله يسير } وفيه فائدتان إحداهما : أن الدليل الأول هو الدليل النفسي ، وهو وإن كان موجبه العلم الحدسي التام ولكن عند انضمام دليل الآفاق إليه يحصل العلم العام ، لأنه بالنظر في نفسه علم نفسه وحاجته إلى الله ووجوده منه ، وبالنظر إلى الآفاق علم حاجة غيره إليه ووجوده منه ، فتم علمه بأن كل شيء من الله فقال عند تمام ذكر الدليلين { إن الله على كل شيء قدير } وقال عند الدليل الواحد { إن ذلك } وهو إعادته { على الله يسير } الثانية : هي أنا بينا أن العلم الأول أتم وإن كان الثاني أعم وكون الأمر يسيرا على الفاعل أتم من كونه مقدورا له بدليل أن القائل يقول في حق من يحمل مائة من أنه قادر عليه ولا يقول إنه سهل عليه ، فإذا سئل عن حمله عشرة أمنان يقول إن ذلك عليه يسير ، فنقول قال الله تعالى إن لم يحصل لكم العلم التام بأن هذه الأمور عند الله سهل يسير فسيروا في الأرض لتعلموا أنه مقدور ، ونفس كونه مقدورا كاف في إمكان الإعادة .

 
تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{قُلۡ سِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَٱنظُرُواْ كَيۡفَ بَدَأَ ٱلۡخَلۡقَۚ ثُمَّ ٱللَّهُ يُنشِئُ ٱلنَّشۡأَةَ ٱلۡأٓخِرَةَۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ} (20)

ينشىء : يخلق .

النشأة : الخلق .

ثم أرشدهم الى الاعتبار بما في هذه الأرض من دلائلَ وما في الآفاق من شواهد ، وقال لهم : سيروا في هذه الأرض ، ابحثوا فيها كيف بدأ الله الخلق ، فإنكم ستجدون الدلائلَ الكافية على كيفية تكوين الخلق كما بدأه الله ، وهو سيعيد إنشاءه يوم القيامة .

قراءات :

قرأ ابن كثير وأبو عمرو : { النشَاءة } بفتح الشين ومدها ، والباقون : { النشْأة } بسكون الشين .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{قُلۡ سِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَٱنظُرُواْ كَيۡفَ بَدَأَ ٱلۡخَلۡقَۚ ثُمَّ ٱللَّهُ يُنشِئُ ٱلنَّشۡأَةَ ٱلۡأٓخِرَةَۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ} (20)

{ قُلْ سِيرُواْ فِى الارض } أمر لإبراهيم عليه السلام أن يقول لقومه ذلك عند بعض المحققين ، وكذا جعله من جعل جميع ما تقدم من قصة إبراهيم عليه السلام ، ومن جعل قوله تعالى : { وَإِن تُكَذّبُواْ } [ العنكبوت : 18 ] إلى قوله تعالى : { فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ } [ العنكبوت : 24 ] اعتراضاً جعل هذا أمراً لنبينا صلى الله عليه وسلم أن يقول ذلك لقريش .

وجوز أن يجعل نظم الآيات السابقة على ما نقل عن بعض المحققين ويجعل هذا أمراً للنبي عليه الصلاة والسلام أن يقول ذلك لهم فإنهم مثل قوم إبراهيم عليه السلام والأمم الذين من قبلهم في التكذيب بالبعث والإنكار له ، وما في حيز هذا القول متضمن ما يدل على صحته ، وعدم اتحاده مع ما سبق لا يضر . وأياً ما كان فإضافة الرحمة إلى ضمير المتكلم فيما يأتي إن شاء الله تعالى لما أن ذلك حكاية كلامه عز وجل على وجهه ومثله في القرآن الكريم كثير ، والسير كما قال الراغب : المضي في الأرض ، وعليه يكون في الآية تجريد ، والظاهر أن المراد به المضي بالجسم ، وجوز أن يراد به إجالة الفكر . وحمل على ذلك فيما يروى في وصف الأنبياء عليهم السلام أبدانهم في الأرض سائرة وقلوبهم في الملكوت جائلة ، ومنهم من حمل ذلك على الجد في العبادة المتوصل بها إلى الثواب ، والمعنى على ما قلنا أولاً امضوا في الأرض وسيحوا فيها .

{ فانظروا كَيْفَ بَدَأَ } الله تعالى { الخلق } أي كيف خلقهم ابتداءً على أطوار مختلفة وطبائع متغايرة وأخلاق شتى ، فإن ترتيب النظر على السير في الأرض مؤذن بتتبع أحوال أصناف الخلق القاطنين في أقطارها ، وعلى هذا تتغاير الكيفية في الآية السابقة والكيفية في هذه الآية لما أن الأولى كما علمت باعتبار المادة وعدمها وهذه باعتبار تغاير الأحوال . ولعل التعبير في الآية الأولى بالمضارع أعني { يَبْدَأُ } دون الماضي كما هنا لاستحضار الصورة الماضية لما أن بدء الخلق من مادة وغيرها أغرب من بدء الخلق على أطوار مختلفة على معنى أن خلق الأشياء أغرب من جعل أطوارها مختلفة ، وأنت إذا لاحظت أطوارها مختلفة إنما هو بعد سبق المادة ولو سبقاً ذاتياً وهو ما قام به الاختلاف أعني ذوات الأشياء لا تشك في أن الأول أغرب من الثاني ، ولذا ترى التمدح بأصل الخلق في القرآن العظيم أكثر من التمدح بالجعل المذكور . وقد وافق الصيغة في الإشعار بالغرابة بناء الفعل من باب الأفعال فإنه غير مستعمل ولذا قالوا : أنه مخل بالفصاحة لولا وقوعه مع { يُعِيدُ } [ العنكبوت : 19 ] ، ومما يقرب من هذا السر ما قيل في وجه حذف الياء من يسر في قوله تعالى : { واليل إِذَا يَسْرِ }

[ الفجر : 4 ] من أن ذلك لأن الليل يسري فيه لا يسري أي ليدل مخالفة الظاهر في اللفظ على مخالفته في المعنى وهو معنى دقيق .

وقيل في وجه التعبير بما ذكر إفادة الاستمرار التجددي وهو بناءً على المعنى الثاني في الآية . وقال بعضهم في تغاير الدليلين : إن هذا عيني وذلك علمي أو هذا آفاقي والأول أنفسي . وقرأ الزهري { كَيْفَ بَدَأَ الخلق } بتخفيف الهمزة بإبدالها ألفاً ثم حذفها في الوصل . قال أبو حيان : وهو تخفيف غير قياسي كما قال :

فارعي فزارة لا هناك المرتع *** ، وقياس تخفيف هذا التسهيل بين بين { ثُمَّ الله يُنشِىء النشأة الاخرة } أي بعد النشأة الأولى التي شاهدتموها والنشأة الإيجاد والخلق ، والتعبير عن الإعادة التي هي محل النزاع بالنشأة الآخرة المشعرة بكون البدء نشأة أولى للتنبيه على أنهما شأن واحد من شؤون الله تعالى حقيقة واسماً من حيث أن كلاً منهما اختراع وإخراج من العدم إلى الوجود ولا فرق بينهما إلا بالأولية والأخروية كذا قيل .

والظاهر أنه مبني على أن الجسد يعدم الكلية ثم يعاد خلقاً جديداً لا أنه تتفرق أجزاؤه ثم تجمع بعد تفرقها وإلى كل ذهب بعض ، والأدلة متعارضة ، والمسألة كما قال ابن الهمام عند المحققين ظنية . وفي كتاب الاقتصاد في الاعتقاد لحجة الإسلام الغزالي . فإن قيل : فما تقولون أتعدم الجواهر والأعراض ثم تعادان جميعاً أو تعدم الأعراض دون الجواهر وإنما تعاد الأعراض ؟ قلنا : كل ذلك ممكن ولكن ليس في الشرع دليل قاطع على تعيين أحد هذه الممكنات انتهى ، وذهب ابن الهمام إلى أن الحق وقوع الكيفيتين إعادة ما انعدم بعينه وتأليف ما تفرق من الأجزاء ، وقد يقال : إن بدء الإنسان ونحوه ليس اختراعاً محضاً وإخراجاً من كتم العدم إلى الوجود في الحقيقة لما أنه مخلوق من التراب وسائر العناصر ، والظاهر أن فناءه ليس عبارة عن صيرورته عدماً محضاً بل هو عبارة عن انحلاله إلى ما تركب منه ورجوع كل عنصر إلى عنصره . نعم لا شك في فناء بعض الأعراض وانعدامها بالكلية ، وقد يستثنى منه بعض الأجزاء فلا ينحل إلى ما منه التركيب بل يبقى على ما كان عليه وهو عجب الذنب لظاهر حديث الصحيحين «ليس شيء من الإنسان لا يبلى إلا عظماً واحداً وهو عجب الذنب منه يركب الخلق يوم القيامة » وتأويله بما أوله به ملا صدراً في أسفاره مما لا ينبغي أن يلتفت إليه ، وحينئذٍ فالإعادة تكون بتركيب ما انحل من العناصر وضمه إلى هذا الجزء فلا تكون اختراعاً محضاً وإخراجاً من كتم العدم إلى الوجود في الحقيقة ، لكن لكل من البدء والإعادة شبه تام بالاختراع والإخراج المذكور ، وبه يصح أن يقال لكل اختراع وإخراج من العدم إلى الوجود فلا تغفل ، والجملة معطوفة على جملة { سِيرُواْ في الارض } داخلة معها في حيز القول ، ولا يضر تخالفهما خبراً وإنشاءاً فإنه جائز بعد القول وماله محل من الإعراب ، ولا يصح عطفها على بدأ الخلق لأنها لا تصلح أن تكون موقعاً للنظر أما إن كان بمعنى الإبصار فظاهر وأما إن كان بمعنى التفكر فلأن التفكير في الدليل لا في النتيجة ، وإظهار الاسم الجليل وإيقاعه مبتدأ مع إضماره في بدأ لإبراز مزيد الاعتناء ببيان تحقق الإعادة بالإشارة إلى علة الحكم فإنه الاسم الجامع لصفات الكمال ونعوت الجلال وتكرير الإسناد ورد ما تقدم على مقتضى الظاهر فلا يحتاج للتوجيه ، وكون المراد منه ليس إثبات الإعادة لمن أنكرها فلذا لم ينسج على هذا المنوال غير مسلم ، وقرأ أبو عمرو .

وابن كثير { النشاءة } بالمد وهما لغتان كالرأفة والرآفة والقصر أشهر ، ومحلها النصب على أنها مصدر مؤكد لينشئ بحذف الزوائد والأصل الإنشاءة أو بحذف العامل أي ينشىء فينشأون النشأة الآخرة نحو { أَنبَتَكُمْ مّنَ الارض نَبَاتاً } [ نوح : 17 ] { إِنَّ الله على كُلِّ شيء قَدِيرٌ } تعليل لما قبله بطريق التحقيق فإن من علم قدرته عز وجل على جميع الممكنات التي من جملتها الإعادة لا يتصور أن يتردد في قدرته سبحانه عليها ولا في وقوعها بعدما أخبر به ، ثم اعلم أن أكثر المنكرين للبعث لا يقولون باستحالته كجمع النقيضين بل غاية ما عندهم استبعاده ، والرد على هؤلاء بهذه الآيات ونحوها ظاهر لما فيها مما يزيل الاستبعاد من الإبداء الذي هو في الشاهد أشق من الإعادة ، ومنهم من يقول باستحالته عقلاً فلا يصلح متعلقاً للقدرة ، وهؤلاء هم القائلون باستحالة إعادة المعدوم ، والرد عليهم بعد تسليم أن ما نحن فيه من إعادة المعدوم وليس من جمع المتفرق بإبطال ما استدلوا به على الاستحالة ، وقد تكفلت الكتب الكلامية بذلك ، وأما الرد عليهم بهذه الآيات ونحوها فلما فيها من الإشارة إلى تزييف أدلة الاستحالة فتدبر .