مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَهُوَ ٱلَّذِي يَقۡبَلُ ٱلتَّوۡبَةَ عَنۡ عِبَادِهِۦ وَيَعۡفُواْ عَنِ ٱلسَّيِّـَٔاتِ وَيَعۡلَمُ مَا تَفۡعَلُونَ} (25)

واعلم أنه تعالى لما قال : { أم يقولون افترى على الله كذبا } ثم برأ رسوله مما أضافوه إليه من هذا وكان من المعلوم أنهم قد استحقوا بهذه الفرية عقابا عظيما ، لا جرم ندبهم الله إلى التوبة وعرفهم أنه يقبلها من كل مسيء وإن عظمت إساءته ، فقال : { وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفوا عن السيئات } وفي هذه الآية مسائل :

المسألة الأولى : قال صاحب «الكشاف » : يقال قبلت منه الشيء وقبلته عنه ، فمعنى قبلته منه أخذته منه وجعلته مبدأ قبلوا ومنشأه ، ومعنى قبلته عنه أخذته وأثبته عنه وقد سبق البحث المستقصى عن حقيقة التوبة في سورة البقرة ، وأقل ما لا بد منه الندم على الماضي والترك في الحال والعزم على أن لا يعود إليه في المستقبل ، وروى جابر أن أعرابيا دخل مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال اللهم إني أستغفرك وأتوب إليك وكبر ، فلما فرغ من صلاته قال له علي عليه السلام يا هذا إن سرعة اللسان بالاستغفار توبة الكذابين فتوبتك تحتاج إلى توبة ، فقال يا أمير المؤمنين وما التوبة ؟ فقال اسم يقع على ستة أشياء على الماضي من الذنوب الندامة ولتضييع الفرائض الإعادة ورد المظالم وإذابة النفس في الطاعة كما ربيتها في المعصية وإذاقة النفس مرارة الطاعة كما أذقتها حلاوة المعصية والبكاء بدل كل ضحك ضحكته .

المسألة الثانية : قالت المعتزلة يجب على الله تعالى عقلا قبول التوبة ، وقال أصحابنا لا يجب على الله شيء وكل ما يفعله فإنما يفعله بالكرم والفضل ، واحتجوا على صحة مذهبهم بهذه الآية فقالوا إنه تعالى تمدح بقبول التوبة ، ولو كان ذلك القبول واجبا لما حصل التمدح العظيم ، ألا ترى أن من مدح نفسه بأن لا يضرب الناس ظلما ولا يقتلهم غضبا ، كان ذلك مدحا قليلا ، أما إذا قال إني أحسن إليهم مع أن ذلك لا يجب علي كان ذلك مدحا وثناء .

المسألة الثالثة : قوله تعالى : { ويعفوا عن السيئات } إما أن يكون المراد منه أن يعفو عن الكبائر بعد الإتيان بالتوبة ، أو المراد منه أنه يعفو عن الصغائر ، أو المراد منه أنه يعفو عن الكبائر قبل التوبة ، والأول باطل وإلا لصار قوله { ويعفوا عن السيئات } عين قوله { وهو الذي يقبل التوبة } والتكرار خلاف الأصل ، والثاني أيضا باطل لأن ذلك واجب وأداء الواجب لا يتمدح به فبقي القسم الثالث فيكون المعنى أنه تارة يعفو بواسطة قبول التوبة وتارة يعفو ابتداء من غير توبة .

ثم قال : { ويعلم ما تفعلون } قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم بالتاء على المخاطبة والباقون بالياء على المغايبة ، والمعنى أنه تعالى يعلمه فيثيبه على حسناته ويعاقبه على سيئاته .

 
تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{وَهُوَ ٱلَّذِي يَقۡبَلُ ٱلتَّوۡبَةَ عَنۡ عِبَادِهِۦ وَيَعۡفُواْ عَنِ ٱلسَّيِّـَٔاتِ وَيَعۡلَمُ مَا تَفۡعَلُونَ} (25)

ثم يمتنّ الله على عباده فيكرّر أنه يقبل التوبة عن عباده ويتجاوز عما فَرَطَ منهم تفضُّلاً منه ورحمة بعباده .

{ وَيَعْفُواْ عَنِ السيئات وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ } من خير أو شر ، ورحمتُه تسبق غضبه ، وباب التوبة مفتوح والحمد لله .

قراءات :

قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر : ويعلم ما يفعلون بالياء ، والباقون : تفعلون بالتاء .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَهُوَ ٱلَّذِي يَقۡبَلُ ٱلتَّوۡبَةَ عَنۡ عِبَادِهِۦ وَيَعۡفُواْ عَنِ ٱلسَّيِّـَٔاتِ وَيَعۡلَمُ مَا تَفۡعَلُونَ} (25)

{ وَهُوَ الذى يَقْبَلُ التوبة عَنْ عِبَادِهِ } بالتجاوز عما تابوا عنه والقبول يعدى بعن لتضمنه معنى الإبانة وبمن لتضمنه معنى الأخذ كما في قوله تعالى : { وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نفقاتهم } [ التوبة : 54 ] أي تؤخذ ، وقيل : القبول مضمن هنا معنى التجاوز والكلام على تقدير مضاف أي يقبل التوبة متجاوزاً عن ذنوب عباده وهو تكلف .

والتوبة أن يرجع عن القبيح والإخلال بالواجب في الحال ويندم على ما مضى ويعزم على تركه في المستقبل وزادوا التفصي منه بأي وجه أمكن إن كان الذنب لعبد فيه حق وذلك بالرد إليه أو إلى وكيله أو الاستحلال منه إن كان حياً وبالرد إلى ورثته إن كان ميتاً ووجدوا ثم القاضي لو كان أميناً وهو كالاكسير ومن رأى الإكسير ؟ فإن لم يقدر على شيء من ذلك يتصدق عنه وإلا يدع له ويستغفر .

وفي «الشكف » التفصي داخل في الرجوع إذ لا يصح الرجوع عنه وهو ملتبس به بعد ، واختير أن حقيقتها الرجوع وإنما الندم والعزم ليكون الرجوع إقلاعاً ويتحقق أنه التوبة التي ندبنا إليها وهو موافق لما في الإحياء من أنها اسم لتلك الحالة بالحقيقة والباقي شروط التحقق ؛ ويشترط أيضاً أن يكون الباعث على الرجوع مع الندم والعزم دينياً فلو رجع لمانع آخر من ضعف بدن أو غرم لذلك لم يكن من التوبة في شيء ، وأشار الزمخشري إلى ذلك بكون الرجوع لأن المرجوع عنه قبيح وإخلال بالواجب وخرج عنه ما لو رجع طلباً للثناء أو رياء أو سمعه لأن قبح القبيح معناه كونه مقتضياً للعقاب آجلاً وللذم عاجلاً فلو رجع لما سبق لم يكن رجوعاً لذلك .

وروى جابر أن أعرابياً دخل مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : اللهم إني أستغفرك وأتوب إليك وكبر فلما فرغ من صلاته قال له علي كرم الله وجهه : إن سرعة اللسان بالاستغفار توبة الكذابين وتوبتك تحتاج إلى التوبة فقال يا أمير المؤمنين : ما التوبة ؟ قال : اسم يقع على ستة معان على الماضي من الذنوب الندامة ولتضيع الفرائض الإعادة ورد المظالم وإذابة النفس في الطاعة كما ربيتها في المعصية وإذاقة النفس مرارة الطاعة كما أذقتها حلاوة المعصية والبكاء بدل كل ضحك ضحكته ، وهذا يحتمل أن تكون التوبة مجموع هذه الأمور فالمراد أكمل أفرادها ، ويحتمل أنها اسم لكل واحد منها والأول أظهر . واختلف في التوبة عن بعض المعاصي مع الإصرار على البعض هل هي صحيحة أم لا والذي عليه الأصحاب أنها صحيحة لظواهر الآيات والأحاديث وصدق التعريف عليها ، وأكثر المعتزلة على أنها غير صحيحة قال أبو هاشم منهم : لو تاب عن القبيح لكونه قبيحاً وجب أن يتوب عن كل القبائح وإن تاب عنه لا لمجرد قبحه بل لغرض آخر لم تصح توبته .

وتعقب بأنه يجوز أن يكون الباعث شدة القبح أو أمراً دينياً آخر وأيضاً يجري نظير هذا في فعل الحسن بل يقال : لو فعل الحسن لكونه حسناً وجب عليه أن يفعل كل حسن وإن فعله لغرض آخر لم يقبل وفيه بحث .

واستدل المعتزلة بالآية على أنه يجب عليه تعالى قبول التوبة واستدل أهل السنة بها على عدم الوجوب لمكان التمدح ولا تمدح بالواجب ، وفيه أيضاً بحث والأنفع في هذا المقام أدلة نفي الوجوب مطلقاً عليه عز وجل .

{ وَيَعْفُواْ عَنِ السيئات } صغائرها وكبائرها لمن يشاء من غير اشتراط شيء كالتوبة للكبائر واجتنابها للصغائر .

وقال الطيبي : المعنى من شأنه تعال شأنه قبول التوبة عن عباده إذا تابوا والعفو عن سيآتهم بمحض رحمته أو بشفاعة شافع ، وقال المعتزلة : أي يعفو عن الكبائر إذا تيب عنها وعن الصغائر إذا اجتنبت الكبائر فالعفو عن السيئات عليه أعم من قبول التوبة لشموله الصغائر إذا اجتنبت الكبائر وهو تعميم بعد تخصيص ، والظاهر مع أهل السنة إذ لا دلالة في «النظم الجليل » على تخصيص السيئات نعم المراد بها غير الشرك بالإجماع .

{ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ } بتاء الخطاب عند حفص . والأخوين . وعلقمة . وعبد الله وبياء الغيبة عند الجمهور وعلى الأول ففيه التفات وما موصولة والعائد محذوف أي يعلم الذي تفعلونه كائناً ما كان من خير وشر فيجازى بالثواب والعقاب أو يتجاوز سبحانه بالعفو حسبما تقتضيه مشيئته جل وعلا المبنية على الحكم والمصالح .

/ وقيل : يعلم ذلك فيجازى التائب ويتجاوز عن غيره إذا شاء سبحانه والأول أظهر . وفي «الكشاف » يعلم سبحانه ذلك فيثيب على الحسنات ويعاقب على السيئات . وفي «الكشف » بعد نقله هو أي قوله تعالى : { وَيَعْلَمَ } الخ تذييل للكلام السابق يؤكد ما ذكره من القبول والعفو لأنه تعالى إذا علم العملين والعاملين جازى كلاً بما فعل فأولى أن يجازي هؤلاء المحسنين بأفعالهم ، ثم فيه لطف وحث على لزوم الحذر منه تعالى والإخلاص له سبحانه في إمحاض التوبة ، ونحن أيضاً لا ننكر أنه تذييل فيه تأكيد كما لا يخفي .

ومما قاله أرباب الإشارات في بعض الآيات : { وَهُوَ الذى يَقْبَلُ التوبة عَنْ عِبَادِهِ } [ الشورى : 25 ] لمزيد كرمه جل شأنه فمتى وفق عبداً للتوبة قبلها جوداً وكرماً وعن بعضهم أنه قال لبعض المشايخ : إن تبت فهل يقبلني الله تعالى ؟ فقال : إن يقبلك الله تعالى تتب إليه سبحانه فقبول الله تعالى سابق على التوبة