مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{ذَٰلِكَ ٱلَّذِي يُبَشِّرُ ٱللَّهُ عِبَادَهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَٰتِۗ قُل لَّآ أَسۡـَٔلُكُمۡ عَلَيۡهِ أَجۡرًا إِلَّا ٱلۡمَوَدَّةَ فِي ٱلۡقُرۡبَىٰۗ وَمَن يَقۡتَرِفۡ حَسَنَةٗ نَّزِدۡ لَهُۥ فِيهَا حُسۡنًاۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ شَكُورٌ} (23)

ثم قال : { ذلك الذي يبشر الله عباده الذين ءامنوا وعملوا الصالحات } قال صاحب «الكشاف » قرئ يبشر من بشره ويبشر من أبشره ويبشر من بشره .

واعلم أن هذه الآيات دالة على تعظيم حال الثواب من وجوه ( الأول ) أن الله سبحانه رتب على الإيمان وعمل الصالحات روضات الجنات ، والسلطان الذي هو أعظم الموجودات وأكرمهم إذا رتب على أعمال شاقة جزاء ، دل ذلك على أن ذلك الجزاء قد بلغ إلى حيث لا يعلم كنهه إلا الله تعالى ( الثاني ) أنه تعالى قال : { لهم ما يشاءون عند ربهم } وقوله { لهم ما يشاءون } يدخل في باب غير المتناهي لأنه لا درجة إلا والإنسان يريد ما هو أعلى منه ( الثالث ) أنه تعالى قال : { ذلك هو الفضل الكبير } والذي يحكم بكبره من له الكبرياء والعظمة على الإطلاق كان في غاية الكبر ( الرابع ) أنه تعالى أعاد البشارة على سبيل التعظيم فقال : { الذي يبشر الله عباده } وذلك يدل أيضا على غاية العظمة ، نسأل الله الفوز بها والوصول إليها .

واعلم أنه تعالى لما أوحى إلى محمد صلى الله عليه وسلم هذا الكتاب الشريف العالي وأودع فيه الثلاثة أقسام الدلائل وأصناف التكاليف ، ورتب على الطاعة الثواب ، وعلى المعصية العقاب ، بين أني لا أطلب منكم بسبب هذا التبليغ نفعا عاجلا ومطلوبا حاضرا ، لئلا يتخيل جاهل أن مقصود محمد صلى الله عليه وسلم من هذا التبليغ المال والجاه فقال : { قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى } وفيه مسائل :

المسألة الأولى : ذكر الناس في هذه الآية ثلاثة أقوال :

الأول : قال الشعبي أكثر الناس علينا في هذه الآية ، فكتبنا إلى ابن عباس نسأله عن ذلك فكتب ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان واسط النسب من قريش ليس بطن من بطونهم إلا وقد ولده فقال الله { قل لا أسألكم } على ما أدعوكم إليه { أجرا إلا } أن تودوني لقرابتي منكم ، والمعنى أنكم قومي وأحق من أجابني وأطاعني ، فإذا قد أبيتم ذلك فاحفظوا حق القربى ولا تؤذوني ولا تهيجوا علي .

والقول الثاني : روى الكلبي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال إن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة كانت تعروه نوائب وحقوق وليس في يده سعة ، فقال الأنصار إن هذا الرجل قد هداكم الله على يده وهو ابن أختكم وجاركم في بلدكم ، فاجمعوا له طائفة من أموالكم ففعلوا ثم أتوه به فرده عليهم ، فنزل قوله تعلى : { قل لا أسألكم عليه أجرا } أي على الإيمان إلا أن تودوا أقاربي فحثهم على مودة أقاربه .

القول الثالث : ما ذكره الحسن فقال : إلا أن تودوا إلى الله فيما يقربكم إليه من التودد إليه بالعمل الصالح ، فالقربى على القول الأول القرابة التي هي بمعنى الرحم وعلى الثاني القرابة التي هي بمعنى الأقارب ، وعلى الثالث هي فعلى من القرب والتقريب ، فإن قيل الآية مشكلة ، ذلك لأن طلب الأجر على تبليغ الوحي لا يجوز ويدل عليه وجوه :

( الأول ) أنه تعالى حكى عن أكثر الأنبياء عليهم السلام أنهم صرحوا بنفي طلب الأجرة ، فذكر في قصة نوح عليه السلام { وما أسئلكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين } وكذا في قصة هود وصالح ، وفي قصة لوط وشعيب عليهم السلام ، ورسولنا أفضل من سائر الأنبياء عليهم السلام فكان بأن لا يطلب الأجر على النبوة والرسالة أولى ( الثاني ) أنه صلى الله عليه وسلم صرح بنفي طلب الأجر في سائر الآيات فقال : { قل ما سألتكم من أجر فهو لكم } وقال : { قل ما أسئلكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين } ( الثالث ) العقل يدل عليه وذلك لأن ذلك التبليغ كان واجبا عليه قال تعالى : { بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته } وطلب الأجر على أداء الواجب لا يليق بأقل الناس فضلا عن أعلم العلماء ( الرابع ) أن النبوة أفضل من الحكمة وقد قال تعالى في صفة الحكمة { ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا } وقال في صفة الدنيا { قل متاع الدنيا قليل } فكيف يحسن في العقل مقابلة أشرف الأشياء بأخس الأشياء ( الخامس ) أن طلب الأجر كان يوجب التهمة ، وذلك ينافي القطع بصحة النبوة ، فثبت بهذه الوجوه أنه لا يجوز من النبي صلى الله عليه وسلم أن يطلب أجرا البتة على التبليغ والرسالة ، وظاهر هذه الآية يقتضي أنه طلب أجرا على التبليغ والرسالة ، وهو المودة في القربى هذا تقرير السؤال ، والجواب عنه : أنه لا نزاع في أنه لا يجوز طلب الأجر على التبليغ والرسالة ، بقي قوله { إلا المودة في القربى } نقول الجواب عنه من وجهين ( الأول ) : أن هذا من باب قوله :

ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم *** بها من قراع الدار عين فلول

المعنى أنا لا أطلب منكم إلا هذا ، وهذا في الحقيقة ليس أجرا لأن حصول المودة بين المسلمين أمر واجب قال تعالى : { والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض } وقال صلى الله عليه وسلم : «المؤمنون كالبنيان يشد بعضهم بعضا » والآيات والأخبار في هذا الباب كثيرة وإذا كان حصول المودة بين جمهور المسلمين واجبا فحصولها في حق أشرف المسلمين وأكابرهم أولى ، وقوله تعلى : { قل لا أسئلكم عليه أجرا إلا المودة في القربى } تقديره والمودة في القربى ليست أجرا ، فرجع الحاصل إلى أنه لا أجر البتة ( الوجه الثاني ) في الجواب أن هذا استثناء منقطع ، وتم الكلام عند قوله { قل لا أسئلكم عليه أجرا } .

ثم قال : { إلا المودة في القربى } أي لكن أذكركم قرابتي منكم وكأنه في اللفظ أجر وليس بأجر .

المسألة الثالثة : نقل صاحب «الكشاف » : عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : «من مات على حب آل محمد مات شهيدا ألا ومن مات على حب آل محمد مات مغفورا له ، ألا ومن مات على حب آل محمد مات تائبا ، ألا ومن مات على حب آل محمد مات مؤمنا مستكمل الإيمان ، ألا ومن مات على حب آل محمد بشره ملك الموت بالجنة ثم منكر ونكير ، ألا ومن مات على حب آل محمد يزف إلى الجنة كما تزف العروس إلى بيت زوجها ، ألا ومن مات على حب آل محمد فتح له في قبره بابان إلى الجنة ، ألا ومن مات على حب آل محمد جعل الله قبره مزار ملائكة الرحمة ، ألا ومن مات على حب آل محمد مات على السنة والجماعة ، ألا ومن مات على بغض آل محمد جاء يوم القيامة مكتوبا بين عينيه آيس من رحمة الله ، ألا ومن مات على بغض آل محمد مات كافرا ، ألا ومن مات على بغض آل محمد لم يشم رائحة الجنة » . هذا هو الذي رواه صاحب «الكشاف » ، وأنا أقول : آل محمد صلى الله عليه وسلم هم الذين يؤول أمرهم إليه فكل من كان أمرهم إليه أشد وأكمل كانوا هم الآل ، ولا شك أن فاطمة وعليا والحسن والحسين كان التعلق بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد التعلقات وهذا كالمعلوم بالنقل المتواتر فوجب أن يكونوا هم الآل ، وأيضا اختلف الناس في الآل فقيل هم الأقارب وقيل هم أمته ، فإن حملناه على القرابة فهم الآل ، وإن حملناه على الأمة الذين قبلوا دعوته فهم أيضا آل فثبت أن على جميع التقديرات هم الآل ، وأما غيرهم فهل يدخلون تحت لفظ الآل ؟ فمختلف فيه . وروى صاحب «الكشاف » أنه لما نزلت هذه الآية قيل يا رسول الله من قرابتك هؤلاء الذين وجبت علينا مودتهم ؟ فقال علي وفاطمة وابناهما ، فثبت أن هؤلاء الأربعة أقارب النبي صلى الله عليه وسلم وإذا ثبت هذا وجب أن يكونوا مخصوصين بمزيد التعظيم ويدل عليه وجوه : ( الأول ) : قوله تعالى : { إلا المودة في القربى } ووجه الاستدلال به ما سبق ( الثاني ) لا شك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحب فاطمة عليها السلام قال صلى الله عليه وسلم : «فاطمة بضعة مني يؤذيني ما يؤذيها » وثبت بالنقل المتواتر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يحب عليا والحسن والحسين وإذا ثبت ذلك وجب على كل الأمة مثله لقوله { واتبعوه لعلكم تهتدون } ولقوله تعالى : { فليحذر الذين يخالفون عن أمره } ولقوله { قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله } ولقوله سبحانه { لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة } ( الثالث ) أن الدعاء للآل منصب عظيم ولذلك جعل هذا الدعاء خاتمة التشهد في الصلاة وهو قوله اللهم صل على محمد وعلى آل محمد وارحم محمدا وآل محمد ، وهذا التعظيم لم يوجد في حق غير الآل ، فكل ذلك يدل على أن حب آل محمد واجب ، وقال الشافعي رضي الله عنه :

يا راكبا قف بالمحصب من منى *** واهتف بساكن خيفها والناهض

سحرا إذا فاض الحجيج إلى منى *** فيضا كما نظم الفرات الفائض

إن كان رفضا حب آل محمد *** فليشهد الثقلان أنى رافضي

المسألة الثانية : قوله { إلا المودة في القربى } فيه منصب عظيم للصحابة لأنه تعالى قال : { والسابقون السابقون أولئك المقربون } فكل من أطاع الله كان مقربا عند الله تعالى فدخل تحت قوله { إلا المودة في القربى } والحاصل أن هذه الآية تدل على وجوب حب آل رسول الله صلى الله عليه وسلم وحب أصحابه ، وهذا المنصب لا يسلم إلا على قول أصحابنا أهل السنة والجماعة الذين جمعوا بين حب العترة والصحابة ، وسمعت بعض المذكرين قال إنه صلى الله عليه وسلم قال : «مثل أهل بيتي كمثل سفينة نوح من ركب فيها نجا » وقال صلى الله عليه وسلم : «أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم » ونحن الآن في بحر التكليف وتضربنا أمواج الشبهات والشهوات وراكب البحر يحتاج إلى أمرين ( أحدهما ) السفينة الخالية عن العيوب والثقب ( والثاني ) الكواكب الظاهرة الطالعة النيرة ، فإذا ركب تلك السفينة ووقع نظره على تلك الكواكب الظاهرة كان رجاء السلامة غالبا ، فكذلك ركب أصحابنا أهل السنة سفينة حب آل محمد ووضعوا أبصارهم على نجوم الصحابة فرجوا من الله تعالى أن يفوزوا بالسلامة والسعادة في الدنيا والآخرة .

ولنرجع إلى التفسير : أورد صاحب «الكشاف » على نفسه سؤالا فقال : هلا قيل إلا مودة القربى ، أو إلا مودة للقربى ، وما معنى قوله { إلا المودة في القربى } ؟ وأجاب عنه بأن قال جعلوا مكانا للمودة ومقرا لها كقوله لي في آل فلان مودة ولي فيهم هوى وحب شديد ، تريد أحبهم وهم مكان حبي ومحله .

ثم قال تعالى : { ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا } قيل نزلت هذه الآية في أبي بكر رضي الله عنه ، والظاهر العموم في أي حسنة كانت ، إلا أنها لما ذكرت عقيب ذكر المودة في القربى دل ذلك على أن المقصود التأكيد في تلك المودة .

ثم قال تعالى : { إن الله غفور شكور } والشكور في حق الله تعالى مجاز والمعنى أنه تعالى يحسن إلى المطيعين في إيصال الثواب إليهم وفي أن يزيد عليه أنواعا كثيرة من التفضيل .

 
تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{ذَٰلِكَ ٱلَّذِي يُبَشِّرُ ٱللَّهُ عِبَادَهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَٰتِۗ قُل لَّآ أَسۡـَٔلُكُمۡ عَلَيۡهِ أَجۡرًا إِلَّا ٱلۡمَوَدَّةَ فِي ٱلۡقُرۡبَىٰۗ وَمَن يَقۡتَرِفۡ حَسَنَةٗ نَّزِدۡ لَهُۥ فِيهَا حُسۡنًاۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ شَكُورٌ} (23)

في القربى : في القرابة التي بيني وبينكم ، أو في قرابتي من أهل بيتي .

يقترف : يفعل ، يكتسب .

بعد أن ذكر الله في الآيات السالفة ما أعدَّ للمؤمنين في أطيبِ أماكنِ الجنّات - بين هنا أن ذلك الفضلَ الكبير هو الذي يبشّر به عبادَه المؤمنين . فقل لهم أيها الرسول : أنا لا أطلب منكم أجراً على تبليغ الرسالة ، وكل ما أطلبه منكم أن توادّوني مراعاةً للقرابة التي بيني وبينكم . ويدخل في ذلك مودّة النبي صلى الله عليه وسلم ومودّة قرابته من أهل بيته . ومن يعمل عملا صالحا يضاعف الله له جزاءه ، إن الله واسع المغفرة للمذنبين .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{ذَٰلِكَ ٱلَّذِي يُبَشِّرُ ٱللَّهُ عِبَادَهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَٰتِۗ قُل لَّآ أَسۡـَٔلُكُمۡ عَلَيۡهِ أَجۡرًا إِلَّا ٱلۡمَوَدَّةَ فِي ٱلۡقُرۡبَىٰۗ وَمَن يَقۡتَرِفۡ حَسَنَةٗ نَّزِدۡ لَهُۥ فِيهَا حُسۡنًاۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ شَكُورٌ} (23)

{ ذلك } الفضل الكبير أو الثواب المفهوم من السياق هو { الذي يُبَشّرُ الله عِبَادَهُ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات } أي يبشر به فحذف الجار ثم العائد إلى الموصول كما هو عادتهم في التدريج في الحذف ، ولا مانع كما قال الشهاب من حذفهما دفعة ، وجوز كون ذلك إشارة إلى التبشير المفهوم من { يُبَشّرُ } بعد والإشارة قد تكون لما يفهم بعد كما قرروه في قوله تعالى : { وكذلك جعلناكم أُمَّةً وَسَطًا } [ البقرة : 143 ] ونحوه ، والعائد إلى الموصول ضمير منصوب بيبشر على أنه مفعول مطلق له لأنه ضمير المصدر أي ذلك التبشير يبشره الله عباده ؛ وزعم أبو حيان أنه لا يظهر جعل الإشارة إلى التبشير لعدم تقدم لفظ البشرى ولا ما يدل عليها وهو ناشئ عن الغفلة عما سمعت فلا حاجة في الجواب عنه أن كون ما تقدم تبشيراً للمؤمنين كاف في صحة ذلك ، ثم قال : ومن النحويين من جعل الذي مصدرية حكاه ابن مالك عن يونس وتأول عليه هذه الآية أي ذلك تبشير الله تعالى عباده ، وليس بشيء لأنه إثبات للاشتراك بين مختلفين الحد بغير دليل وقد ثبتت اسمية الذي فلا يعدل عن ذلك بشيء لا يقوم به دليل ولا شبهة .

وقرأ عبد الله بن يعمر ، وابن أبي إسحق . والجحدري . والأعمش . وطلحة في رواية . والكسائي . وحمزة { يُبَشّرُ } ثلاثياً . ومجاهد . وحميد بن قيس بضم الياء وتخفيف الشين من أبشر وهو معدي بالهمزة من بشر اللازم المكسور الين وإما بشر بفتحها فمتعد وبشر بالتشديد للتكثير لا للتعدية لأن المعدي إلى واحد وهو مخفف لا يعدي بالتضعيف إليه فالتضعيف فيه للتكثير لا للتعدية { قُل لاَّ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ } أي على ما اتعاطاه لكم من التبليغ والبشارة وغيرهما { أَجْراً } أي نفعاً ما ، ويختص في العرف بالمال { إِلاَّ المودة } أي إلا مودتكم أياي { في القربى } أي لقرابتي منكم ففي للسببية مثلها في «إن امرأة دخلت النار في هرة » فهي بمعنى اللام لتقارب السبب والعلة ، وإلى هذا المعنى ذهب مجاهد . وقتادة . وجماعة . والخطاب إما لقريش على ما قيل : إنهم جمعوا له مالاً وأرادوا أن يرشوه على أن يمسك عن سب آلهتهم فلم يفعل ونزلت ، وله عليه الصلاة والسلام في جميعهم قرابة . أخرج أحمد والشيخان . والترمذي . وغيرهم عن ابن عباس أنه سئل عن قوله تعالى : { إِلاَّ المودة في القربى } فقال سعيد بن جبير : قربى آل محمد صلى الله عليه وسلم فقال ابن عباس : عجلت أن النبي عليه الصلاة والسلام لم يكن بطن من قريش إلا كان له فيهم قرابة أو للأنصار بنا على ما قيل : إنهم أتوه بمال ليستعين به على ما ينوبه فنزلت فرده ، وله عليه الصلاة والسلام قرابة منهم لأنهم أخواله فإن أم عبد المطلب وهي سلمى بنت زيد النجارية منهم وكذا أخوال آمنة أمه عليه الصلاة والسلام كانوا على ما في بعض التواريخ من الأنصار أيضاً أو لجميع العرب لقرابته عليه الصلاة والسلام منهم جميعاً في الجملة كيف لا وهم إما عدنانيون وقريش منهم وإما قحطانيون والأنصار منهم ، وقرابته عليه الصلاة والسلام من كل قد علمت وذلك يستلزم قرابته من جميع العرب ، وقضاعة من قحطان لا قسم برأسه على ما عليه معظم النسابين ، والمعنى أن لم تعرفوا حقي لنبوتي وكوني رحمة عامة ونعمة تامة فلا أقل من مودتي لأجل حق القرابة وصلة الرحم التي تعتنون بحفظها ورعايتها .

وحاصله لا أطلب منكم إلا مودتي ورعاية حقوقي لقرابتي منكم وذلك أمر لازم عليكم ، وروى نحو هذا في الصحيحين عن ابن عباس بل جاء ذلك عنه رضي الله تعالى عنه في روايات كثيرة وظاهرها أن الخطاب لقريش منها ما أخرجه سعيد بن منصور . وابن سعد . وعبد بن حميد . والحاكم . وصححه . وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن الشعبي قال : أكثر الناس علينا في هذه الآية { قُل لاَّ أسألكم } الخ فكتبنا إلى ابن عباس نسأله فكتب رضي الله تعالى عنه إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان وسط النسب في قريش ليس بطن من بطونهم إلا وقد ولدوه قال الله تعالى : { قُل لاَّ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً } على ما أدعوكم عليه { إِلاَّ المودة في القربى } تودوني لقرابني منكم وتحفظوني بها . ومنها ما أخرجه ابن جرير . وابن المنذر . وابن أبي حاتم . والطبراني عنه قال : كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم قرابة من جميع قريش فلما كذبوه وأبوا أن يتابعوه قال : يا قوم إذا أبيتم أن تتابعوني فاحفظوا قرابتي فيكم ولا يكون غيركم من العرب أولى بحفظي ونصرتي منكم ، والظاهر من هذه الأخبار أن الآية مكية والقول بأنها في الأنصار يقتضي كونها مدنية ، والاستثناء متصل بناء على ما سمعت من تعميم الأجر .

وقيل : لا حاجة إلى التعميم . وكون المودة المذكورة من أفراد الأجر إدعاء كاف لاتصال الاستثناء ، وقيل : هو منقطع اما بناء على أن المودة له عليه الصلاة والسلام ليست أجراً أصلاً بالنسبة إليه صلى الله عليه وسلم أو لأنها لازمة لهم ليمدحوا بصلة الرحم فنفعها عائد عليهم والانقطاع اقطع لتوهم المنافاة بين هذه الآية والآيات المتضمنة لنفي سؤال الأجر مطلقاً ؛ وذهب جماعة إلى أن المعنى لا أطلب منكم أجراً إلا محبتكم أهل بيتي وقرابتي . وفي «البحر » أنه قول ابن جبير . والسدي . وعمرو بن شعيب ، و { في } عليه للظرفية المجازية و { القربى } بمعنى الأقرباء ، والجار والمجرور في موضع الحال أي إلا المودة ثابتة في أقربائي متمكنة فيهم ، ولمكانة هذا المعنى لم يقل : إلا مودة القربى ، وذكر أنه على الأول كذلك وأمر اتصال الاستثناء وانقطاعه على ما سبق ، والمراد بقرابته عليه الصلاة والسلام في هذا القول قيل : ولد عبد المطلب ، وقيل علي .

وفاطمة . وولدها رضي الله تعالى عنه مرفوعاً ، أخرج ابن المنذر . وابن أبي حاتم . والطبراني . وابن مردويه من طريق ابن جبير عن ابن عباس قال : " لما نزلت هذه الآية { قُل لاَّ أَسْئَلُكُمْ } الخ قالوا : يا رسول الله من قرابتك الذين وجبت مودتهم ؟ قال علي . وفاطمة . وولدها صلى الله عليه وسلم على النبي وعليهم "

وسند هذا الخبر على ما قال السيوطي في «الدر المنثور » ضعيف ، ونص على ضعفه في تخريج أحاديث الكشاف ابن حجر ، وأيضاً لو صح لم يقل ابن عباس ما حكى عنه في «الصحيحين » وغيرهما وقد تقدم إلا أنه روى عن جماعة من أهل البيت ما يؤيد ذلك ، أخرج ابن جرير عن أبي الديلم قال : لما جيء بعلي بن الحسين رضي الله تعالى عنهما أسيراً فأقيم على درج دمشق قام رجل من أهل الشام فقال : الحمد لله الذي قتلكم واستأصلكم فقال له علي رضي الله تعالى عنه : أقرأت القرآن ؟ قال : نعم قال : أقرأت آل حم ؟ قال : نعم قال : ما قرأت { قُل لاَّ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ المودة في القربى } قال : فإنكم لأنتم هم ؟ قال : نعم . وروى ذاذان عن علي كرم الله تعالى وجهه قال : فينافي آل حم آية لا يحفظ مودتنا إلا مؤمن ثم قرأ هذه الآية ، وإلى هذا أشار الكميت في قوله :

وجدنا لكم في آل حم آية *** تأولها منا تقي ومعرب

ولله تعالى در السيد عمر الهيتي أحد الأقارب المعاصرين حيث يقول :

بأية آية يأتي يزيد *** غداة صحائف الأعمال تتلى

وقام رسول رب العرش يتلو *** وقد صمت جميع الخلق قل لا

والخطاب على هذا القول لجميع الأمة لا للأنصار فقد وإن ورد ما يوهم ذلك فإنهم كلهم مكلفون بمودة أهل البيت . فقد أخرج مسلم . والترمذي . والنسائي عن زيد بن أرقم «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " اذكركم الله تعالى في أهل بيتي " وأخرج الترمذي . وحسنه . والطبراني . والحاكم . والبيهقي في «الشعب » عن ابن عباس قال : قال عليه الصلاة والسلام : " أحبوا الله تعالى لما يغذوكم به من نعمة وأحبوني لحب الله تعالى وأحبوا أهل بيتي لحبي " وأخرج ابن حبان . والحاكم . عن أبي سعيد قال : " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم والذي نفسي بيده لا يبغضنا أهل البيت رجل إلا أدخله الله تعالى النار " إلى غير ذلك مما لا يحصى كثرة من الأخبار ، وفي بعضها ما يدل على عموم القربى وشمولها لبني عبد المطلب .

أخرج أحمد . والترمذي وصححه . والنسائي عن المطلب بن ربيعة قال : دخل العباس على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إنا لنخرج فنرى قريشاً تحدث فإذا رأونا سكتوا فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم ودر عرق بين عينيه ثم قال : والله لا يدخل قلب امرئ مسلم إيمان حتى يحبكم لله تعالى ولقرابتي ، وهذا ظاهر إن خص القربى بالمؤمنين منهم وإلا فقيل : إن الحكم منسوخ ، وفيه نظر ، والحق وجوب محبة قرابته عليه الصلاة والسلام من حيث أنهم قرابته صلى الله عليه وسلم كيف كانوا ، وما أحسن ما قيل :

داريت أهلك في هواك وهم عدا *** ولأجل عين ألف عين تكرم

وكلما كانت جهة القرابة أقوى كان طلب المودة أشد ، فمودة العلويين الفاطميين الزم من محبة العباسيين على القول بعموم { القربى } وهي على القول بالخصوص قد تتفاوت أيضاً باعتبار تفاوت الجهات والاعتبارات وآثار تلك المودة التعظيم والاحترام والقيام بأداء الحقوق أتم قيام ، وقد تهاون كثير من الناس بذلك حتى عدوا من الرفض السلوك في هاتيك المسالك . وأنا أقول قول الشافعي الشافي العي :

يا راكباً قف بالمحصب من منى *** واهتف بساكن خيفها والناهض

سحراً إذا فاض الحجيج إلى منى *** فيضاً كملتطم الفرات الفائض

إن كان رفضاً حب آل محمد *** فليشهد الثقلان إني رافضي

ومع هذا لا أعد الخروج عما يعتقده أكابر أهل السنة في الصحابة رضي الله تعالى عنهم ديناً وأرى حبهم فرضاً على مبيناً فقد أوجبه أيضاً الشارع وقامت على ذلك البراهين السواطع . ومن الظرائف ما حكاه الإمام عن بعض المذكورين قال : إنه عليه الصلاة والسلام قال : «مثل أهل بيني كسفينة نوح من ركب فيها نجا ومن تخلف عنها هلك » وقال صلى الله عليه وسلم : «أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم » ونحن الآن في بحر التكليف وتضربنا أمواج الشبهات والشهوات وراكب البحر يحتاج إلى أمرين . أحدهما : السفينة الخالية عن العيوب ، والثاني : الكواكب الطالعة النيرة ، فإذا ركب تلك السفينة ووضع بصره على تلك الكواكب كان رجاء السلامة غالباً ، فلذلك ركب أصحابنا أهل السنة سفينة حب آل محمد صلى الله عليه وسلم ووضعوا أبصارهم على نجوم الصحابة يرجون أن يفوزوا بالسلامة والسعادة في الدنيا والآخرة انتهى ، والكثير من الناس في حق كل من الآل والأصحاب في طرفي التفريط والإفراط وما بينهما هو الصراط المستقيم ، ثبتنا الله تعالى على ذلك الصراط .

وقال عبد الله بن القاسم : المعنى لا أسألكم عليه أجراً إلا أن يود بعضكم بعضاً وتصلوا قراباتكم ، وأمر { في } والاستثناء لا يخفي .

وأخرج عبد بن حميد عن الحسن أن المعنى لا أسألكم عليه أجراً إلا التقرب إلى الله تعالى بالعمل الصالح فالقربى بمعنى القرابة وليس المراد قرابة النسب ؛ قيل : ويجري في الاستثناء الاتصال والانقطاع ، واستظهر الخفاجي أنه منقطع وأنه على نهج قوله :

ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم *** البيت ، وأراه على القول قبله كذلك .

وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما { إِلا مَّوَدَّةَ في القربى } هذا ومن الشيعة من أورد الآية في مقام الاستدلال على إمامة علي كرم الله تعالى وجهه قال : علي كرم الله تعالى وجهه واجب المحبة وكل واجب المحبة واجب الطاعة وكل واجب الطاعة صاحب الإمامة ينتج على رضي الله تعالى عنه صاحب الإمامة وجعلوا الآية دليل الصغرى ، ولا يخفي ما في كلامهم هذا من البحث ، أما أولاً : فلأن الاستدلال بالآية على الصغرى لا يتم إلا على القول بأن معناها لا أسألكم عليه أجراً إلا أن تودوا قرابتي وتحبوا أهل بيتي وقد ذهب الجمهور إلى المعنى الأول ، وقيل في هذا المعنى : إنه لا يناسب شأن النبوة لما فيه من التهمة فإن أكثر طلبة الدنيا يفعلون شيئاً ويسألون عليه ما يكون فيه نفع لأولادهم وقراباتهم ، وأيضاً فيه منافاة ما لقوله تعالى : { وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ } [ يوسف : 104 ] وأما ثانياً : فلأنا لا نسلم أن كل واجب المحبة واجب الطاعة فقد ذكر ابن بابويه في كتاب الاعتقادات أن الإمامية أجمعوا على وجوب محبة العلوية مع أنه لا يجب طاعة كل منهم ، وأما ثالثاً : فلأنا لا نسلم أن كل واجب الطاعة صاحب الإمامة أي الزعامة الكبرى وإلا لكان كل نبي في زمنه صاحب ذلك ونص { إِنَّ الله قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا } [ البقرة : 247 ] يأبى ذلك ، وأما رابعاً : فلأن الآية تقتضي أن تكون الصغرى أهل البيت وأجبو الطاعة ومتى كانت هذه صغرى قياسهم لا ينتج النتيجة التي ذكروها ولو سلمت جميع مقدماته بل ينتج أهل البيت صاحبو الإمامة وهم لا يقولون بعمومه إلى غير ذلك من الأبحاث فتأمل ولا تغفل .

{ وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً } أي يكتسب أي حسنة كانت ، والكلام تذييل ، وقيل المراد بالحسنة المودة في قربى الرسول صلى الله عليه وسلم وروي ذلك عن ابن عباس . والسدي ، وأن الآية نزلت في أبي بكر رضي الله تعالى عنه لشدة محبته لأهل البيت ، وقصة فدك . والعوالي لا تأبى ذلك عند من له قلب سليم ، والكلام عليه تتميم ، ولعل الأول أولى ، وحب آل الرسول عليه الصلاة والسلام من أعظم الحسنات وتدخل في الحسنة هنا دخولاً أولياً { نَّزِدْ لَهُ فِيهَا } أي في الحسنة { حَسَنًا } بمضاعفة الثواب عليها فإنها يزاد بها حسن الحسنة ، ففي للظرفية و { حَسَنًا } مفعول به أو تمييز ، وقرأ زيد بن علي . وعبد الوارث عن أبي عمرو . وأحمد بن جبير عن الكسائي { يزد } بالياء أي يزد الله تعالى . وقرأ عبد الوارث عن أبي عمرو { حسنى } بغير تنوين وهو مصدر كبشرى أو صفة لموصوف مقدر أي صفة أو خصلة حسنى { واعلموا أَنَّ الله غَفُورٌ } ساتر ذنوب عباده { شَكُورٍ } مجاز من أطاع منهم بتوفية الثواب والتفضل عليه بالزيادة ، وقال السدي : غفور لذنوب آل محمد صلى الله عليه وسلم شكور لحسناتهم .

ومما قاله أرباب الإشارات في بعض الآيات : { قُل لاَّ أسألكم عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ المودة في القربى } [ الشورى : 23 ] وهم أقاربه صلى الله عليه وسلم الذين خلقوا من عنصره الشريف وتحلوا بحلاه المنيف كأئمة أهل البيت ومودتهم يعود نفعها إلى من يودهم لأنها سبب للفيض وهم رضي الله تعالى عنهم أبوابه وفي قوله صلى الله عليه وسلم : «أنا مدنية العلم وعلي بابها » رمز إلى ذلك فافهم الإشارة