قوله تعالى : { وقيله يارب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون } وفيه مباحث :
الأول : قرأ الأكثرون { وقيله } بفتح اللام وقرأ عاصم وحمزة بكسر اللام ، قال الواحدي وقرأ أناس من غير السبعة بالرفع ، أما الذين قرؤوا بالنصب فذكر الأخفش والفراء فيه قولين ( أحدهما ) أنه نصب على المصدر بتقدير وقال قيله وشكا شكواه إلى ربه يعني النبي صلى الله عليه وسلم فانتصب قيله بإضمار قال ( والثاني ) أنه عطف على ما تقدم من قوله { أنا لا نسمع سرهم ونجواهم . . . وقيله } وذكر الزجاج فيه وجها ( ثالثا ) فقال إنه نصب على موضع الساعة لأن قوله { وعنده علم الساعة } معناه أنه علم الساعة ، والتقدير علم الساعة ، وقيله ، ونظيره قولك عجبت من ضرب زيد وعمرا ، وأما القراءة بالجر فقال الأخفش والفراء والزجاج إنه معطوف على الساعة ، أي عنده علم الساعة ، وعلم قيله يا رب ، قال المبرد العطف على المنصوب حسن وإن تباعد المعطوف من المعطوف عليه لأنه يجوز أن يفصل بين المنصوب وعامله والمجرور يجوز ذلك فيه على قبح ، وأما القراءة بالرفع ففيها وجهان ( الأول ) أن يكون { وقيله } مبتدأ وخبره ما بعده ( والثاني ) أن يكون معطوفا على علم الساعة على تقدير حذف المضاف معناه وعنده علم الساعة وعلم قيله ، قال صاحب «الكشاف » : هذه الوجوه ليست قوية في المعنى لاسيما وقوع الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه بما لا يحسن اعتراضا ، ثم ذكر وجها آخر وزعم أنه أقوى مما سبق ، وهو أن يكون النصب والجر على إضمار حرف القسم وحذفه والرفع على قولهم أيمن الله وأمانة الله ويمين الله ، يكون قوله { إن هؤلاء قوم لا يؤمنون } جواب القسم كأنه قيل وأقسم بقيله يا رب أو وقيله يا رب قسمي ، وأقوله هذا الذي ذكره صاحب «الكشاف » متكلف أيضا وهاهنا إضمار امتلأ القرآن منه وهو إضمار اذكر ، والتقدير واذكر قيله يا رب ، وأما القراءة بالجر ، فالتقدير واذكر وقت قيله يا رب ، وإذا وجب التزام الإضمار فلأن يضمر شيئا جرت العادة في القرآن بالتزام إضمار أولى من غيره ، وعن ابن عباس أنه قال في تفسير قوله { وقيله يا رب } المراد وقيل يا رب والهاء زيادة .
البحث الثاني : القيل مصدر كالقول ، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم : «نهى عن قيل وقال » قال الليث تقول العرب كثر فيه القيل والقال ، وروى شمر عن أبي زيد يقال ما أحسن قيلك وقولك وقالك ومقالتك خمسة أوجه .
البحث الثالث : الضمير في قيله لرسول الله صلى الله عليه وسلم .
البحث الرابع : أن النبي صلى الله عليه وسلم لما ضجر منهم وعرف إصرارهم أخبر عنهم أنهم قوم لا يؤمنون وهو قريب مما حكى الله عن نوح أنه قال : { رب إنهم عصوني واتبعوا من لم يزده ماله وولده إلا خسارا } .
{ وَقِيلِهِ يارب إِنَّ هَؤُلاَء قَوْمٌ لاَّ يُؤْمِنُونَ } بجر { قيله } وهي قراءة عاصم . وحمزة . والسلمي . وابن وثاب : والأعمش .
وقرأ الأعرج . وأبو قلابة . ومجاهد . والحسن . وقتادة . ومسلم بن جندب برفعه وهي قراءة شاذة .
وقرأ الجمهور بنصبه ، واختلف في التخريج فقيل الجر على عطفه على لفظ الساعة في قوله تعالى : { وَعِندَهُ عِلْمُ الساعة } [ الزخرف : 85 ] أي عنده علم قيله ، والنصب على عطفه على محلها لأنها في محل نصب بعلم المضاف إليها فإنه كما قدمنا مصدر مضاف لمفعوله فكأنه قيل : يعلم الساعة ويعلم قيله ، والرفع على عطفه على { عِلْمُ الساعة } على حذف مضاف والأصل وعلم قيله فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه ونسب الوجه الأول لأبي علي والثالث لابن جنى وجميع الأوجه للزجاج وضمير { قيله } عليها للرسول صلى الله عليه وسلم المفهوم من قوله تعالى : { وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ } [ الزخرف : 87 ] والقيل والقال والقول مصادر جاءت بمعنى واحد ، والمنادي وما في حيزه مقول القول ، والكلام خارج مخرج التحسر والتحزن والتشكي من عدم إيمان أولئك القوم ، وفي الإشارة إليهم بهؤلاء دون قوله قومي ونحوه تحقير لهم وبتر منهم لسوء حالهم ، والمراد من أخباره تعالى بعلمه ذلك وعيده سبحانه إياهم ، وقيل : الجر على إضمار حرف القسم والنصب على حذفه وإيصال فعله إليه محذوفاً والرفع على نحو لعمرك لأفعلن وإليه ذهب الزمخشري وجعل المقول يا رب وقوله سبحانه : { إِنَّ هَؤُلآء } الخ جواب القسم على الأوجه الثلاثة وضمير { قيله } كما سبق ، والكلام اخبار منه تعالى أنهم لا يؤمنون وإقسامه سبحانه عليه بقوله صلى الله عليه وسلم : يا رب لرفع شأنه عليه الصلاة والسلام وتعظيم دعائه والتجائه إليه تعالى ، والواو عنده للعطف أعني عطف الجملة القسمية على الجملة الشرطية لكن لما كان القسم بمنزلة الجملة الاعتراضية صارت الواو كالمضمحل عنها معنى العطف ، وفيه أن الحذف الذي تضمنه تخريجه من ألفاظ شاع استعمالها في القسم كعمرك وايمن الله واضح الوجه على الأوجه اللثلاثة ، وأما في غيرها كالقيل هنا فلا حكاه في البحر وهو كما ترى ، وقيل : النصب على العطف على مفعول يكتبون المحذوف أي يكتبون أقوالهم وأفعالهم وقيله يا رب الخ وليس بشيء ، وقيل : هو على العطف على مفعول { يعلمون } [ الزخرف : 86 ] أعني الحق أي يعلمون الحق وقيل الخ ، وهو قول لا يكاد يعقل ، وعن الأخفش أنه على العطف على { سِرَّهُمْ ونجواهم } [ الزخرف : 80 ] ورد بأنه ليس بقوى في المعنى مع وقوع الفصل بما لا يحسن اعتراضاً ومع تنافر النظم . وتعقب أن ما ذكر من الفصل ظاهر وأما ضعف المعنى وتنافر النظم فغير مسلم لأن تقديره أم يحسبون أنه لا نسمع سرهم ونجواهم وانا لا نسمع قيله الخ وهو منتظم أتم انتظام ، وعنه أيضاً أنه على اضمار فعل من القيل ناصب له على المصدرية والتقدير قال قيله ويؤيده قراءة ابن مسعود { وقال الرسول } والجملة معطوفة على ما قبلها .
ورد بأنه لا يظهر فيه ما يحسن عطفه على الجملة قبله وليس التأكيد بالمصدر في موقعه ولا ارتباط لقوله تعالى : { فاصفح } [ الزخرف : 89 ] به ، وقال العلامة الطيبي : في توجيهه إن قوله تعالى : { وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ } [ الزخرف : 87 ] تقديره وقلنا لك : ولئن سألتهم الخ وقلت : يا رب يأسا من إيمانهم وإنما جعل غائباً على طريق الالتفات لأنه كأنه صلى الله عليه وسلم فاقد نفسه للتحزن عليهم حيث لم ينفع فيهم سعيه واحتشاده ، وقيل : الواو على هذا الوجه للحال وقال بتقدير قد والجملة حالية أي فاني يؤفكون وقد قال الرسول يا رب الخ ، وحاصله فإني يؤفكون وقد شكا الرسول عليه الصلاة والسلام اصرارهم على الكفر وهو خلاف الظاهر ، وقيل : الرفع على الابتداء والخبر يا رب إلى لا يؤمنون أو هو محذوف أي مسمون أو متقبل فملة النداء وما بعده في موضع نصب بقيله والجملة حال أو معطوفة ، ولا يخفى ما في ذلك ، والأوجه عندي ما نسب إلى الزجاج ، والاعتراض عليه بالفصل هين ، وبضعف المعنى والتنافر غير مسلم ، ففي الكشف بعد ذكر تخريج الزجاج الجر أن الفاصل أعني من قوله تعالى : { وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ إلى يُؤْفَكُونَ } [ الزخرف : 85 87 ] يصلح اعتراضاً لأن قوله سبحانه { وَعِندَهُ عِلْمُ الساعة } [ الزخرف : 85 ] مرتبط بقوله تعالى : { حتى يلاقوا يَوْمَهُمُ الذى يُوعَدُونَ } [ الزخرف : 83 ] على ما لا يخفى ، والكلام مسوق للوعيد البالغ بقوله تعالى : { وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } إلى قوله عز وجل : { وَهُمْ يَعْلَمُونَ } [ الزخرف : 85 ، 68 ] متصل بقوله تعالى : { وَعِندَهُ عِلْمُ الساعة } [ الزخرف : 85 ] اتصال العصا بلحاها ، وقوله تعالى : { وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ } خطاب لمن يتأنى منه السؤال تتميم لذلك الكلام باستحقاقهم ما أوعدوه لعنادهم البالغ ، ومنه يظهر وقوع التعجب في قوله سبحانه : { فَإِنّي يُؤْفَكُونَ } وعلى هذا ظهر ارتباط وعلم قيله بقوله تعالى : { وَعِندَهُ عِلْمُ الساعة } وأن الفاصل متصل بهما اتصالاً يجل موقعه ، ومن هذا التقرير يلوح أن ما ذهب إليه الزجاج في الأوجه الثلاثة حسن ، ولك أن ترجحه على ما ذهب إليه الأخفش بتوافق القراءتين ، وأن حمل { وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ } على الخطاب المتروك إلى غير معين أوفق بالمقام من حمله على خطابه عليه الصلاة والسلام وسلامته من اضمار القول قبل قوله تعالى : { وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ } مع أن السياق غير ظاهر الدلالة عليه اه ، وهو أحسن ما رأيته للمفسرين في هذا المقام . وقرأ أبو قلابة { قَالَتْ رَبّ } بفتح الباء ووجه ظاهر .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.