الدر المصون في علم الكتاب المكنون للسمين الحلبي - السمين الحلبي  
{وَقِيلِهِۦ يَٰرَبِّ إِنَّ هَـٰٓؤُلَآءِ قَوۡمٞ لَّا يُؤۡمِنُونَ} (88)

قوله : { وَقِيلِهِ } : قرأ حمزةُ وعاصمٌ بالجرِّ . والباقون بالنصب . فأمَّا الجرُّ فعلى وجهَيْن ، أحدهما : أنَّه عطفٌ على " الساعة " أي : عنده عِلْمُ قيلِه ، أي : قولِ محمدٍ أو عيسى عليهما السلام . والقَوْلُ والقالُ والقِيْلُ بمعنى واحد جاءَتْ المصادرُ على هذه الأوزانِ . والثاني : أنَّ الواوَ للقَسم . والجوابُ : إمَّا محذوفٌ تقديرُه : لتُنْصَرُنَّ أو لأَفْعَلَنَّ بهم ما أريد ، وإمَّا مذكورٌ وهو قولُه : { إِنَّ هَؤُلاَءِ قَوْمٌ لاَّ يُؤْمِنُونَ } ذكره الزمخشريُّ .

وأمَّا قراءةُ النصبِ ففيها ثمانيةُ أوجهٍ ، أحدُها : أنَّه منصوبٌ على محلِّ " الساعة " . كأنَّه قيل : إنه يَعْلَمُ الساعةَ ويعْلَمُ قِيْله كذا . الثاني : أنَّه معطوفٌ على " سِرَّهم ونجواهم " أي : لا نعلم سِرَّهم ونجواهم ولا نعلمُ قِيْلَه . الثالث : عطفٌ على مفعولِ " يكتُبون " المحذوفِ أي : يكتبون ذلك ويكتبون قيلَه كذا أيضاً . الرابع : أنَّه معطوفٌ على مفعولِ " يعلمون " المحذوفِ أي : يَعْلمون ذلك ويعلمون قيلَه . الخامس : أنه مصدرٌ أي : قالَ قيلَه . السادس : أَنْ ينتصِبَ بإضمارِ فعلٍ أي : اللَّهُ يعلمُ قيلَ رسولِه وهو محمدٌ صلَّى الله عليه وسلَّم . السابع : أَنْ ينتصِبَ على محلِّ " بالحق " أي : شَهِدَ بالحقِّ وبِقيْلِه . الثامن : أَنْ ينتصِبَ على حَذْفِ حرفِ القسمِ كقوله :

4012 . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . *** فذاك أمانةَ اللَّهِ الثَّريدُ

وقرأ الأعرجُ وأبو قلابةَ ومجاهدٌ والحسنُ بالرفع ، وفيه أوجه [ أحدها : ] الرفعُ عطفاً على " علمُ الساعةِ " بتقديرِ مضافٍ أي : وعنده عِلْمُ قِيْلِه ، ثم حُذِفَ وأُقيم هذا مُقامَه . الثاني : أنَّه مرفوعٌ بالابتداءِ ، والجملةُ مِنْ قولِه : " يا رب " إلى آخره هي الخبر . الثالث : أنه مبتدأٌ وخبرُه محذوفٌ تقديرِه : وقيلُه كيتَ وكيتَ مَسْموعٌ أو مُتَقَبَّلٌ . الرابع : أنه مبتدأ وأصلُه القسمُ كقولِهم : " ايمُنُ الله " و " لَعَمْرُ الله " فيكونُ خبرُه محذوفاً . والجوابُ كما تقدَّم ، ذَكرَه الزمخشري أيضاً .

واختار القراءةَ بالنصب جماعةٌ . قال النحاس : " القراءةُ البَيِّنَةُ بالنصب من جهتَيْن ، إحداهما : أنَّ التفرقةَ بين المنصوبِ وما عُطِفَ عليه مُغْتَفَرَةٌ بخلافِها بين المخفوضِ وما عُطِفَ عليه . والثانيةُ تفسيرُ أهلِ التأويل بمعنى النصب " . قلت : وكأنَّه يُريدُ ما قال أبو عبيدة قال : " إنما هي في التفسيرِ : أم يَحْسَبون أنَّا لا نَسْمع سِرَّهم ونجواهم ولا نسمعُ قِيْلَه يا رب . ولم يَرْتَضِ الزمخشريُّ من الأوجهِ المتقدمةِ شيئاً ، وإنما اختار أَنْ تكونَ قَسَماً في القراءاتِ الثلاثِ ، وتقدَّم تحقيقُها .

وقرأ أبو قلابة " يا رَبَّ " بفتح الباءِ على قَلْب الياء ألفاً ثم حَذََفَها مُجْتَزِئاً عنها بالفتحة كقولِه :

4013 . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . *** بلَهْفَ ولا بِلَيْتَ . . . . . . . . . . . . . . . . .

والأخفشُ يَطَّرِدُها .