مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{قُلۡ إِن كَانَ لِلرَّحۡمَٰنِ وَلَدٞ فَأَنَا۠ أَوَّلُ ٱلۡعَٰبِدِينَ} (81)

قوله تعالى : { قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين * سبحان رب السماوات والأرض رب العرش عما يصفون * فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون * وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله وهو الحكيم العليم * وتبارك الذي له ملك السماوات والأرض وما بينهما وعنده علم الساعة وإليه ترجعون * ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة إلا من شهد بالحق وهم يعلمون * ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله فأنى يؤفكون * وقيله يا رب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون * فاصفح عنهم وقل سلام فسوف يعلمون } فيه مسائل :

المسألة الأولى : قرأ حمزة والكسائي { ولد } بضم الواو وإسكان اللام والباقون بفتحها { فأنا أول العابدين } قرأ نافع { فإنا } بفتحة طويلة على النون والباقون بلا تطويل .

المسألة الثانية : اعلم أن الناس ظنوا أن قوله { قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين } لو أجريناه على ظاهره فإنه يقتضي وقوع الشك في إثبات ولد لله تعالى ، وذلك محال فلا جرم افتقروا إلى تأويل الآية ، وعندي أنه ليس الأمر كذلك وليس في ظاهر اللفظ ما يوجب العدول عن الظاهر ، وتقريره أن قوله { إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين } قضية شرطية والقضية الشرطية مركبة من قضيتين خبريتين أدخل على إحداهما حرف الشرط وعلى الأخرى حرف الجزاء فحصل بمجموعها قضية واحدة ، ومثاله هذه الآية فإن قوله { إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين } قضية مركبة من قضيتين : ( إحداهما ) قوله { إن كان للرحمن ولد } ، ( والثانية ) قوله { فأنا أول العابدين } ثم أدخل حرف الشرط وهو لفظة إن على القضية الأولى وحرف الجزاء وهو الفاء على القضية الثانية فحصل من مجموعها قضية الأولى واحدة ، وهو القضية الشرطية ، إذ عرفت هذا فنقول القضية الشرطية لا تفيد إلا كون الشرط مستلزما للجزاء ، وليس فيه إشعار بكون الشرط حقا أو باطلا أو بكون الجزاء حقا أو باطلا ، بل نقول القضية الشرطية الحقة قد تكون مركبة من قضيتين حقيتين أو من قضيتين باطلتين أو من شرط باطل وجزاء حق أو من شرط حق وجزاء باطل ، فأما القسم الرابع وهو أن تكون القضية الشرطية الحقة مركبة من شرط حق وجزاء باطل فهذا محال .

ولنبين أمثال هذه الأقسام الأربعة ، فإذا قلنا إن كان الإنسان حيوانا فالإنسان جسم فهذه شرطية حقة وهي مركبة من قضيتين حقيتين ، إحداهما قولنا الإنسان حيوان ، والثانية قولنا الإنسان جسم ، وإذا قلنا إن كانت الخمسة زوجا كانت منقسمة بمتساويين فهذه شرطية حقة لكنها مركبة من قولنا لخمسة زوج ، ومن قولنا لخمسة منقسمة بمتساويين وهما باطلان ، وكونهم باطلين لا يمنع من أن يكون استلزام أحدهما للآخر حقا ، وقد ذكرنا أن القضية الشرطية لا تفيد إلا مجرد الاستلزام وإذا قلنا إن كان الإنسان حجرا فهو جسم ، فهذا جسم ، فهذا أيضا حق لكنها مركبة من شرط باطل وهو قولنا الإنسان حجر ، ومن جزء حق وهو قولنا الإنسان جسم ، وإنما جاز هذا لأن الباطل قد يكون بحيث يلزم من فرض وقوعه وقوع حق ، فإنا فرضنا كون الإنسان حجرا وجب كونه جسما فهذا شرط باطل يستلزم جزءا حقا .

وأما القسم الرابع : وهو تركيب قضية شرطية حقة من شرط حق وجزاء باطل ، فهذا محال ، لأن هذا التركيب يلزم منه كون الحق مستلزما للباطل وذلك محال بخلاف القسم الثالث فإنه يلزم منه كون الباطل مستلزما للحق وذلك ليس بمحال ، إذا عرفت هذا الأصل فلنرجع إلى الآية فنقول قوله { إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين } قضية شرطية حقة من شرط باطل ومن جزاء باطل لأن قولنا كان للرحمن ولد باطل ، وقولنا { أنا أول العابدين } لذلك الولد باطل أيضا إلا أنا بينا أن كون كل واحد منهما باطلا لا يمنع من أن يكون استلزام أحدهما للآخر حقا كما ضربنا من المثال في قولنا إن كانت الخمسة زوجا كانت منقسمة بمتساويين ، فثبت أن هذا لكلام لا امتناع في إجرائه على ظاهره ، ويكون المراد منه أنه إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين لذلك الولد ، فإن السلطان إذا كان له ولد فكما يجب على عبده أن يخدمه فكذلك يجب عليه أن يخدم ولده ، وقد بينا أن هذا التركيب لا يدل على الاعتراف بإثبات ولد أم لا .

ومما يقرب من هذا الباب قوله { لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا } فهذا الكلام قضية شرطية والشرط هو قولنا { فيهما آلهة } والجزاء هو قولنا { فسدتا } فالشرط في نفسه باطل والجزاء أيضا باطل لأن الحق أنه ليس فيهما آلهة ، وكلمة لو تفيد انتفاء الشيء بانتفاء غيره لأنهما ما فسدتا ثم مع كون الشرط باطلا وكون الجزاء باطلا كان استلزام ذلك الشرط لهذا الجزء حقا فكذا هاهنا ، فإن قالوا الفرق أن هاهنا ذكر الله تعالى هذه الشرطية بصيغة لو فقال : { لو كان فيهما آلهة } وكلمة لو تفيد انتفاء الشيء لانتفاء غيره ، وأما في الآية التي نحن في تفسيرها إنما ذكر الله تعالى كلمة إن وهذه الكلمة لا تفيد انتفاء الشيء لانتفاء غيره ، بل هذه الكلمة تفيد الشك في أنه هل حصل الشرط أم لا ، وحصول هذا الشك للرسول غير ممكن ، قلنا القرف الذي ذكرتم صحيح إلا أن مقصودنا بيان أنه لا يلزم من كون الشرطية صادقة كون جزئيها صادقتين أو كاذبتين على ما قررناه أما قوله إن لفظة أن تفيد حصول الشرط هل حصل أم لا ، قلنا هذا ممنوع فإن حرف إن حرف الشرط وحرف الشرط لا يفيد كون الشرط مستلزما للجزاء ، وأما بيان أن ذلك الشرط معلوم الوقوع أو مشكوك الوقوع ، فاللفظ لا دلالة فيه عليه البتة ، فظهر من المباحث التي لخصناها أن الكلام هاهنا ممكن الإجراء على ظاهره من جميع الوجوه وأنه لا حاجة فيه البتة إلى التأويل ، والمعنى أنه تعالى قال : { قل } يا محمد { إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين } لذلك الولد وأنا أول الخادمين له ، والمقصود من هذا الكلام بيان أني لا أنكر ولده لأجل العناد والمنازعة فإن بتقدير أن يقوم الدليل على ثبوت هذا الولد كنت مقرا به معترفا بوجوب خدمته إلا أنه لم يوجد هذا الولد ولم يقم الدليل على ثبوته البتة ، فكيف أقول به ؟ بل الدليل القاطع قائم على عدمه فكيف أقول به وكيف أعترف بوجوده ؟ وهذا الكلام ظاهر كامل لا حاجة به البتة إلى التأويل والعدول عن الظاهر ، فهذا ما عندي في هذا الموضع ونقل عن السدي من المفسرين أنه كان يقول حمل هذه الآية على ظاهرها ممكن ولا حاجة إلى لتأويل ، والتقرير الذي ذكرناه يدل على أن الذي قاله هو الحق ، أما القائلون بأنه لا بد من التأويل فقد ذكروا وجوها ( الأول ) قال الواحدي كثرت الوجوه في تفسير هذه الآية ، والأقوى أن يقال المعنى { إن كان للرحمن ولد } في زعمكم { فأنا أول العابدين } أي الموحدين لله المكذبين لقولكم بإضافة الولد إليه ، ولقائل أن يقول إما أن يكون تقدير الكلام : إن يثبت للرحمن ولد في نفس الأمر فأنا أول المنكرين له أو يكون التقدير إن يثبت لكم ادعاء أن للرحمن ولدا فأنا أول المنكرين له ، والأول باطل لأن ثبوت الشيء في نفسه لا يقتضي كون الرسول منكرا له ، لأن قوله إن كان الشيء إثباتا في نفسه فأنا أول المنكرين يقتضي إصراره على الكذب والجهل وذلك لا يليق بالرسول ، ( والثاني ) أيضا باطل لأنهم سواء أثبتوا لله ولدا أو لم يثبتوه له فالرسول منكر لذلك الولد ، فلم يكن لزعمهم تأثير في كون الرسول منكرا لذلك الولد فلم يصلح جعل زعمهم إثبات الولد مؤثرا في كون الرسول منكرا للولد .

الوجه الثاني : قالوا معناه : إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين الآنفين من أن يكون له ولد من عبد يعبد إذا اشتدت أنفته فهو عبد وعابد ، وقرأ بعضهم «عبدين » .

واعلم أن السؤال المذكور قائم هاهنا لأنه إن كان المراد إن كان للرحمن ولد في نفس الأمر فأنا أول الآنفين من الإقرار به ، فهذا يقتضي الإصرار على الجهل والكذب ، وإن كان المرد إن كان للرحمن ولد في زعمكم واعتقادكم فأنا أول الآنفين ، فهذا التعليق فاسد لأن هذه الأنفة حاصلة سواء حصل ذلك الزعم والاعتقاد أو لم يحصل ، وإذا كان الأمر كذلك لم يكن هذا التعليق جائزا .

والوجه الثالث : قال بعضهم إن كلمة إن هاهنا هي النافية والتقدير ما كان للرحمن ولد فأنا أول الموحدين من أهل مكة أن لا ولد له .

واعلم أن التزام هذه الوجوه البعيدة إنما يكون للضرورة ، وقد بينا أنه لا ضرورة البتة فلم يجز المصير إليها والله أعلم .

 
تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{قُلۡ إِن كَانَ لِلرَّحۡمَٰنِ وَلَدٞ فَأَنَا۠ أَوَّلُ ٱلۡعَٰبِدِينَ} (81)

قل أيها الرسول للمشركين : إن صحّ الدليل القاطع أن للرحمن ولداً فأنا أولُ من يعبدُ هذا الولد ، لكنه لم يصحّ ذلك ولن يصحّ .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{قُلۡ إِن كَانَ لِلرَّحۡمَٰنِ وَلَدٞ فَأَنَا۠ أَوَّلُ ٱلۡعَٰبِدِينَ} (81)

{ قُلْ } أي للكفرة تحقيقاً للحق وتنبيهاً لهم على أن مخالفتك لهم بعدم عبادتك ما يعبدون من الملائكة عليهم السلام ليس لبغضك وعداوتك لهم أو لمعبوديهم بل إنما هو لجزمك باستحالة ما نسبوا إليهم وبنوا عليه عبادتهم من كونهم بنات الله سبحانه وتعالى { إِن كَانَ للرحمن وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ العابدين } أي لذلك الولد وكان بمعنى صح كما يقال ما كان لك أن تفعل كذا وهو أحد استعمالاتها ، و { أَوَّلُ } أفعل تفضيل والمفضل عليه المقول لهم ، وجوز اعتبار ذلك مطلقاً ، والمراد إظهار الرغبة والمسارعة ، والمنساق إلى الذهن الأول .

ووجه الملازمة أنه عليه الصلاة والسلام أعلم الناس بشؤنه تعالى وبما يجوز عليه وبما لا يجوز وأحرصهم على مراعاة حقوقه وما توجبه من تعظيم ولده سبحانه فإن حق الوالد على شخص يوجب عليه تعظيم ولده لما أن تعظيم الولد تعظيم الوالد ، فالمعنى إن كان للرحمن ولد وصح ذلك وثبت ببرهان صحيح توردونه وحجة واضحة تدلون بها فإنا أول من يعظم ذلك الولد وأسبقكم إلى طاعته والانقياد له كما يعظم الرجل ولد الملك لعظم أبيه ، وهذا نفي لكينونة ولد له سبحانه على أبلغ وجه وهو الطريق البرهاني والمذهب الكلامي ، فإنه في الحقيقة قياس استثنائي استدل فيه بنفي اللازم البين انتفاؤه وهو عبادته صلى الله عليه وسلم للولد على نفي الملزوم وهو كينونة الولد له سبحانه ، وذلك نظير قوله تعالى : { لَوْ كَانَ فِيهِمَا الِهَةٌ إِلاَّ الله لَفَسَدَتَا } [ الأنبياء : 22 ] لكنه جيء بأن دون لو لجعل ما في حيزها بمنزلة ما لا قطع بعدمه على طريق المساهلة وإرخاء العنان للتبكيت والإفحام .

/ وفي الكشف أن في الآية مبالغة من حيث أنه جعل الممكن في نفسه أعني عبادته عليه الصلاة والسلام لما يدعونه ولداً محالاً فهو نفي لعبادة الولد على أبلغ وجه حيث جعل مسبباً عن محال ثم نفي للولد كذلك من طريق آخر وهو أنه لما لم يعبد صلى الله عليه وسلم الولد مع كونه أولى بعبادته لو كان دل على نفيه ، ونحوها ذكر في الآية مروياً عن قتادة . والسدى . والطبري .

وأخرج عبد الرزاق . وعبد بن حميد . وابن جرير عن مجاهد أن المعنى قل إن كان للرحمن ولد في زعمكم فأنا أول من عبد الله تعالى وحده وكذبكم بما تقولون فالمراد من كونه عليه الصلاة والسلام أول العابدين كونه صلى الله عليه وسلم من ينكر ذلك عليهم ، والملازمة في الشرطية باعتبار أن نسبتهم الولد له تعالى تقتضي أن يكذبهم النبي صلى الله عليه وسلم وأن يكون أول من ينكره لأنه صاحب الدعوة إلى التوحيد ، وقد خفى ذلك على الإمام فنفى صحة هذا الوجه ، وتكلف بعضهم فقال : إن تسبب الجزاء عن الشرط عليه باعتبار الأولية في العبادة والتوحيد من بينهم فإنهم إذا أطبقوا على ذلك الزعم يكون النبي صلى الله عليه وسلم أولهم في عبادة الله تعالى وحده لا محالة ، وقيل : إن السببية باعتبار الأخبار والذكر نحو أن تضربني فأنا لا أضربك وهو أولى مما قبله ، والإنصاف أن الارتباط خفي لا يظهر إلا لمجاهد ، وحكى أبو حاتم عن جماعة ولم يسم أحداً منهم أن { العابدين } من عبد يعبد كفرح يفرح إذا أنف من الشيء ، ومنه قوله :

وأعبد أن اهجو كليباً بدارم *** وقول الآخر :

متى ما يشأ ذو الود يصرم خليله *** ويعبد عليه لا محالة ظالماً

أي أن كان للرحمن ولد فأنا أول الآنفين من الولد أو من كونه لله سبحانه ونسبته له عز وجل . وروي نحو هذا عن ابن عباس أخرج الطستي عنه أن نافع بن الأزرق قال له : أخبرني عن قوله تعالى : { فَأَنَاْ أَوَّلُ العابدين } فقال : أنا أول من ينفر عن أن يكون لله تعالى ولد ، وأيد ذلك بقراءة السلمي .

واليماني { العابدين } جمع عبد كحذر وحذرين وهو المعروف في معنى أنف وقلما يقال فيه فابد ، ومن هنا ضعف ابن عرفة هذا الوجه لما فيه من استعمال ما قل استعماله في كلامهم ، وذكر الخليل في كتاب «العين » أنه قرىء { العابدين } بسكون الباء تخفيف العبدين بكسرها ، وقال أبو حاتم : العبد بكسر الباء الشديد الغضب ، وقال أبو عبيدة : العرب تقول عبدني حقي أي جحدني ، وروي عن الحسن . وابن زيد . وزهير بن محمد وهو رواية عن ابن عباس . وقتادة . والسدى أيضاً أن { ءانٍ } نافية أي ما كان للرحمن ولد فأنا أول من قال ذلك وعبد ووحد ، و { كَانَ } عليه للاستمرار والمقصود استمرار النفي لا نفي الاستمرار والفاء للسببية . وتعقب بأنه خلاف الظاهر مع خفاء وجه السببية أو حسنها ، وزعم مكي أنه لا يجوز لا يهامه نفي الولد فيما مضى وهو كما ترى .

وقرأ عبد الله . وابن وثاب . وطلحة . والأعمش . وحمزة . والكسائي كما قال القاضي { وَلَدَ } بضم الواو وسكون اللام جمع ولد بفتحهما .