مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{مَا يَأۡتِيهِم مِّن ذِكۡرٖ مِّن رَّبِّهِم مُّحۡدَثٍ إِلَّا ٱسۡتَمَعُوهُ وَهُمۡ يَلۡعَبُونَ} (2)

أما قوله : { ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث } ففيه مسائل :

المسألة الأولى : قرأ ابن أبي عبلة محدث بالرفع صفة للمحل .

المسألة الثانية : إنما ذكر الله تعالى ذلك بيانا لكونهم معرضين ، وذلك لأن الله تعالى يجدد لهم الذكر وقتا فوقتا ويظهر لهم الآية بعد الآية والسورة بعد السورة ليكرر على أسماعهم التنبيه والموعظة لعلهم يتعظون ، فما يزيدهم ذلك إلا لعبا واستسخارا .

المسألة الثالثة : المعتزلة احتجوا على حدوث القرآن بهذه الآية فقالوا : القرآن ذكر والذكر محدث فالقرآن محدث ، بيان أن القرآن ذكر قوله تعالى في صفة القرآن : { إن هو إلا ذكر للعالمين } وقوله : { وإنه لذكر لك ولقومك } وقوله : { ص والقرآن ذي الذكر } وقوله : { إنا نحن نزلنا الذكر } وقوله : { إن هو إلا ذكر وقرآن مبين } وقوله : { وهذا ذكر مبارك أنزلناه } وبيان أن الذكر محدث قوله في هذا الموضع : { ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث } وقوله في سورة الشعراء : { ما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث } ثم قالوا : فصار مجموع هاتين المقدمتين المنصوصتين كالنص في أن القرآن محدث والجواب من وجهين : الأول : أن قوله : { إن هو إلا ذكر للعالمين } وقوله : { وهذا ذكر مبارك } إشارة إلى المركب من الحروف والأصوات فإذا ضممنا إليه قوله : { ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث } لزم حدوث المركب من الحروف والأصوات وذلك مما لا نزاع فيه بل حدوثه معلوم بالضرورة ، وإنما النزاع في قدم كلام الله تعالى بمعنى آخر . الثاني : أن قوله : { ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث } لا يدل على حدوث كل ما كان ذكرا بل على ذكر ما محدث كما أن قول القائل لا يدخل هذه البلدة رجل فاضل إلا يبغضونه ، فإنه لا يدل على أن كل رجل يجب أن يكون فاضلا بل على أن في الرجال من هو فاضل وإذا كان كذلك فالآية لا تدل إلا على أن بعض الذكر محدث فيصير نظم الكلام هكذا القرآن ذكر وبعض الذكر محدث وهذا لا ينتج شيئا كما أن قول القائل : الإنسان حيوان وبعض الحيوان فرس لا ينتج شيئا فظهر أن الذي ظنوه قاطعا لا يفيد ظنا ضعيفا فضلا عن القطع . أما قوله : { إلا استمعوه وهم يلعبون لاهية قلوبهم } ففيه مسائل :

المسألة الأولى : أن ذلك ذم للكفار وزجر لغيرهم عن مثله لأن الانتفاع بما يسمع لا يكون إلا بما يرجع إلى القلب من تدبر وتفكر ، وإذا كانوا عند استماعه لاعبين حصلوا على مجرد الاستماع الذي قد تشارك البهيمة فيه الإنسان

 
تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{مَا يَأۡتِيهِم مِّن ذِكۡرٖ مِّن رَّبِّهِم مُّحۡدَثٍ إِلَّا ٱسۡتَمَعُوهُ وَهُمۡ يَلۡعَبُونَ} (2)

مُحدَث : جديد .

ثم بين الله ما يدل على غفلتهم وإعراضهم بقوله : { مَا يَأْتِيهِمْ مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِمْ مُّحْدَثٍ إِلاَّ استمعوه وَهُمْ يَلْعَبُونَ } .

ما يُنزل الله من قرآن يجدّد لهم فيه الذكر ، ويُحْدِث لهم الآية بعد الآية والسورة بعد السورة ليكرر على أسماعهم التنبيه والموعظةَ لعلّهم يتعظون ، إلا زادهم ذلك لعباً واستهزاء .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{مَا يَأۡتِيهِم مِّن ذِكۡرٖ مِّن رَّبِّهِم مُّحۡدَثٍ إِلَّا ٱسۡتَمَعُوهُ وَهُمۡ يَلۡعَبُونَ} (2)

{ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ } يذكرهم ما ينفعهم ويحثهم عليه وما يضرهم ، ويرهبهم منه { إِلَّا اسْتَمَعُوهُ } سماعا ، تقوم عليهم به الحجة ، { وَهُمْ يَلْعَبُونَ لَاهِيَةً* قُلُوبُهُمْ } أي : قلوبهم غافلة معرضة لاهية بمطالبها الدنيوية ، وأبدانهم لاعبة ، قد اشتغلوا بتناول الشهوات والعمل بالباطل ، والأقوال الردية ، مع أن الذي ينبغي لهم أن يكونوا بغير هذه الصفة ، تقبل قلوبهم على أمر الله ونهيه ، وتستمعه استماعا ، تفقه المراد منه ، وتسعى جوارحهم ، في عبادة ربهم ، التي خلقوا لأجلها ، ويجعلون القيامة والحساب والجزاء منهم على بال ، فبذلك يتم لهم أمرهم ، وتستقيم أحوالهم ، وتزكوا أعمالهم ، وفي معنى قوله : { اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ } قولان : أحدهما أن هذه الأمة هي آخر الأمم ، ورسولها آخر الرسل ، وعلى أمته تقوم الساعة ، فقد قرب الحساب منها بالنسبة لما قبلها من الأمم ، لقوله صلى الله عليه وسلم " بعثت أنا والساعة كهاتين " وقرن بين إصبعيه ، السبابة والتي تليها .

والقول الثاني : أن المراد بقرب الحساب الموت ، وأن من مات ، قامت قيامته ، ودخل في دار الجزاء على الأعمال ، وأن هذا تعجب من كل غافل معرض ، لا يدري متى يفجأه الموت ، صباحا أو مساء ، فهذه حالة الناس كلهم ، إلا من أدركته العناية الربانية ، فاستعد للموت وما بعده .