مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلنُّجُومَ لِتَهۡتَدُواْ بِهَا فِي ظُلُمَٰتِ ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِۗ قَدۡ فَصَّلۡنَا ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَعۡلَمُونَ} (97)

قوله تعالى : { وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر قد فصلنا الآيات لقوم يعلمون }

هذا هو النوع الثالث من الدلائل الدالة على كمال القدرة والرحمة والحكمة ، وهو أنه تعالى خلق هذه النجوم لمنافع العباد وهي من وجوه :

الوجه الأول : أنه تعالى خلقها لتهتدي الخلق بها إلى الطرق والمسالك في ظلمات البر والبحر حيث لا يرون شمسا ولا قمرا لأن عند ذلك يهتدون بها إلى المسالك والطرق التي يريدون المرور فيها .

الوجه الثاني : وهو أن الناس يستدلون بأحوال حركة الشمس على معرفة أوقات الصلاة ، وإنما يستدلون بحركة الشمس في النهار على القبلة ، ويستدلون بأحوال الكواكب في الليالي على معرفة القبلة .

الوجه الثالث : أنه تعالى ذكر في غير هذه السورة كون هذه الكواكب زينة للسماء ، فقال { تبارك الذي جعل في السماء بروجا } وقال تعالى : { إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب } وقال : { والسماء ذات البروج } .

الوجه الرابع : أنه تعالى ذكر في منافعها كونها رجوما للشياطين .

الوجه الخامس : يمكن أن يقال : لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر أي في ظلمات التعطيل والتشبيه ، فإن المعطل ينفي كونه فاعلا مختارا ، والمشبه يثبت كونه تعالى جسما مختصا بالمكان فهو تعالى خلق هذه النجوم ليهتدي بها في هذين النوعين من الظلمات ، أما الاهتداء بها في ظلمات بر التعطيل ، فذلك لأنا نشاهد هذه الكواكب مختلفة في صفات كثيرة فبعضها سيارة وبعضها ثابتة ، والثوابت بعضها في المنطقة وبعضها في القطبين ، وأيضا الثوابت لامعة والسيارة غير لامعة ، وأيضا بعضها كبيرة درية عظيمة الضوء ، وبعضها صغيرة خفية قليلة الضوء ، وأيضا قدروا مقاديرها على سبع مراتب .

إذا عرفت هذا فنقول : قد دللنا على أن الأجسام متماثلة ، وبينا أنه متى كان الأمر كذلك كان اختصاص كل واحد منها بصفة معينة دليلا على أن ذلك ليس إلا بتقدير الفاعل المختار فهذا وجه الاهتداء بها في ظلمات بر التعطيل . وأما وجه الاهتداء بها في ظلمات بحر التشبيه فلأنا نقول إنه لا عيب يقدح في إلهية هذه الكواكب إلا أنها أجسام فتكون مؤلفة من الأجزاء والأبعاض ، وأيضا إنها متناهية ومحدودة ، وأيضا إنها متغيرة ومتحركة ومنتقلة من حال إلى حال فهذه الأشياء إن لم تكن عيوبا في الإلهية امتنع الطعن في إلهيتها ، وإن كانت عيوبا في الإلهية وجب تنزيه الإله عنها بأسرها فوجب الجزم بأن إله العالم والسماء والأرض منزه عن الجسمية والأعضاء والأبعاض والحد والنهاية والمكان والجهة ، فهذا بيان الاهتداء بهذه الكواكب في بر التعطيل وبحر التشبيه ، وهذا وإن كان عدولا عن حقيقة اللفظ إلى مجازه إلا أنه قريب مناسب لعظمة كتاب الله تعالى .

الوجه السادس : في منافع هذه الكواكب ما ذكره الله تعالى في قوله : { ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا } فنبه على سبيل الإجمال على أن في وجود كل واحد منها حكمة عالية ومنفعة شريفة ، وليس كل ما لا يحيط عقلنا به على التفصيل وجب نفيه فمن أراد أن يقدر حكمة الله تعالى في ملكه وملكوته بمكيال خياله ومقياس قياسه فقد ضل ضلالا مبينا ، ثم إنه تعالى لما ذكر الاستدلال بأحوال هذه النجوم . قال : { قد فصلنا الآيات لقوم يعلمون } وفيه وجوه : الأول : المراد أن هذه النجوم كما يمكن أن يستدل بها على الطرقات في ظلمات البر والبحر ، فكذلك يمكن أن يستدل بها على معرفة الصانع الحكيم ، وكمال قدرته وعلمه . الثاني : أن يكون المراد من العلم ههنا العقل فقوله : { قد فصلنا الآيات لقوم يعلمون } نظير قوله تعالى في سورة البقرة : { إن في خلق السماوات والأرض } إلى قوله : { لآيات لقوم يعقلون } وفي آل عمران في قوله : { إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب } والثالث : أن يكون المراد من قوله : { لقوم يعلمون } لقوم يتفكرون ويتأملون ويستدلون بالمحسوس على المعقول وينتقلون من الشاهد إلى الغائب .

 
تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلنُّجُومَ لِتَهۡتَدُواْ بِهَا فِي ظُلُمَٰتِ ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِۗ قَدۡ فَصَّلۡنَا ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَعۡلَمُونَ} (97)

جعل : خلق .

النجوم : جمع نجم وهي الأجرام السماوية التي نرى كثيرا منها بالعين المجردة .

الطلمات : المراد بالظلمات ظلمة الليل ، في أسفارنا برا وبحرا .

إن الله هو الذي خلق لكم النجوم أيها الناس ، تستدلّون بها على الطريق فتسلكونها وتنجون من الأخطار في البر والبحر . فالله سبحانه وتعالى يذكّرنا ببعض فضله علينا في تسخير هذه النيرات التي نراها صغيرة ، لبعدها عنا ، بعد أن سبق وذكَرنا ببعض فضله في الشمس والقمر اللّذين يبدوان كبيرين في أعين الناس لقربهما .

وأقرب كوكب منا هو القمر ، يبعد عن الأرض بنحو مائتين وأربعين ألف ميل ، وهو يدور حول الأرض ويكمل دورته في تسعة وعشرين يوما ونصف يوم . وتبعد أرضنا عن الشمس ثلاثة وتسعين مليون ميل ، وهي تدور حول محورها بسرعة ألف ميل في الساعة ، وتدور حول الشمس في دائرة مساحتها مائة وتسعون مليون ميل ، وتستكمل دورتها في هذه الدائرة مرة واحد في سنة كاملة . وتوجد تسعة كواكب مع الأرض هي : عطارد والزهرة والمّريخ وزحَل والمشتري واورانوس ونبتون وبلوتو ، وكلها تدور حول الشمس بسرعة فائقة ، وبعضها يكمل دورة كاملة في ثمانية وثمانين يوماً وهو عطارد ، أقرب الكواكب إلى الشمس ؛ وبعضها يكمل دورة كاملة في مدة مائتين وثمان وأربعين سنة وهو بلوتو ، أبعد الكواكب من الشمس . وهو يدور في دائرة مساحتُها سبعةُ بلايين وخمسمائة مليون ميل . وحول هذه الكواكب يدور واحد وثلاثون قمراً أخرى . وتوجد غير هذه الكواكب حلقة من ثلاثين ألفا من «النجيمات » وآلاف المذنبات ، وشهب لا حصر لها وكلها تدور حول ذلك السيّار العملاق الذي نسميه الشمس ، التي يبلغ قطرها : ثمانمائة وخمسة وستين ألف ميل . وهي أكبر من الأرض بمليون وربع مليون مرة .

ولا تشكّل هذه الشمس وما حولها من الكواكب المذكورة ، والأقمار ، والنجيمات ، والشهب التي تشغل هذا المجال الواسع ، ذرةً صغيرة في هذا الكون الواسع الذي لا يدركه عقل ولا بصر . ثم إن هذه الشمس ليست بثابتة أو واقفة في مكان ما ، وإنما هي بدورها ، ومع كل هذه الأجرام التي ذكرناها- تدور في النظام الرائع البديع بسرعة 600 ، 000 ألف ميل في الساعة وفي هذا الكون الفسيح العجيب آلاف الأنظمة غير نظامنا الشمسي يتكون منها ذلكم النظام الذي نسمّيه «المجرّات » أو مجاميع النجوم ، وكأنها جميعها طبق عظيم تدور عليه النجوم والكواكب منفردة ومجتمعة ، كما يدور الخذروف «البلبل » حين يلعب الأطفال .

ومجرّات النجوم هذه تتحرك بدورها أيضا ، فالجرّة التي يقع فيها نظامنا الشمسي تدور حول محورها بحيث تكمل دورةً واحدة كل مائتي بليون سنة ضوئية 200 ، 000 ، 000 ، 000 وهذا شيء مذهل ومحيِّر لا تتصوره العقول .

ويقدّر علماء الفلك أن هذا الكون يتألف من خمسمائة مليون من المجرات ، في كل منها «مائة مليار » من النجوم ، أو أكثر أو أقل .

ويقدّرون أن أقرب مجموعة من النجوم ، وهي التي نراها في الليل كخيوط بيضاء دقيقة والتي نسميها درب التبّانة ، تضم حَيّزاً مداه ألف سنة ضوئية . وسرعة الضوء 300 ، 000 ألف كيلو متر في الثانية . وبمعرفة هذه الحقيقة يتبين لنا اتساع السنة الضوئية ومقدار زمنها ، وكم تكون مسافة ألف سنة ضوئية . إنها شيء مذهل حقا ، فوق تفكير البشر وطاقته .

ونبعد نحن سكان الأرض عن مركز هذه المجموعة بمقدار ثلاثين ألف سنة ضوئية ، وهذه المجموعة جزء من مجموعة كبيرة تتألف من سبع عشرة مجرة . وقطرة هذه المجموعة الكبيرة ( ذات السبع عشرة ) مليونان من السنين الضوئية .

والحديث في هذا الموضوع طويل جدا ، ومحيّر ومذهل . وحين ينظر العقل إلى هذا النظام العجيب ، والتنظيم الدقيق الغريب المدهش لا يلبث أن يحكم باستحالة أن يكون هذا كله قائما بنفسه ، بل إن هنالك طاقة غير عادية هي التي تقيم هذا النظام العظيم ، وتهيمن عليه .

ولما في عالم السماوات وهذا الكون الذي بينا لمحة موجزة عنه- من بديع الصنع والنظام- ختم سبحانه وتعالى الآية بقوله :

{ قَدْ فَصَّلْنَا الآيات لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } .

أي : أنّا قد بينّا دلائل رحمتنا وقدرتنا لقوم ينتفعون بالعلم . فهو يوجّهنا إلى هذا الكون ، وما فيه من حقائق مذهلة ، تدفعنا إلى التدبر والتذكّر . اللهم اجعلنا ممن ينتفعون بالعلم والمعرفة ، وثّبت قلوبنا بالإيمان الصادق .

وبعد أن بيّن لنا تعالى بعض آياته في هذا الكون العجيب ليذكّرنا بذلك ، وينبّه الناس من غفلتهم ، عطف الحديث ليذكّرنا بآياته العجيبة في أنفسنا . ذلك لأن الإنسان هو أعظم شيء في الوجود .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلنُّجُومَ لِتَهۡتَدُواْ بِهَا فِي ظُلُمَٰتِ ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِۗ قَدۡ فَصَّلۡنَا ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَعۡلَمُونَ} (97)

{ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ } حين تشتبه عليكم المسالك ، ويتحير في سيره السالك ، فجعل الله النجوم هداية للخلق إلى السبل ، التي يحتاجون إلى سلوكها لمصالحهم ، وتجاراتهم ، وأسفارهم .

منها : نجوم لا تزال ترى ، ولا تسير عن محلها ، ومنها : ما هو مستمر السير ، يعرف سيرَه أهل المعرفة بذلك ، ويعرفون به الجهات والأوقات .

ودلت هذه الآية ونحوها ، على مشروعية تعلم سير الكواكب ومحالّها الذي يسمى علم التسيير ، فإنه لا تتم الهداية ولا تمكن إلا بذلك .

{ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ } أي بيناها ، ووضحناها ، وميزنا كل جنس ونوع منها عن الآخر ، بحيث صارت آيات الله بادية ظاهرة { لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } أي : لأهل العلم والمعرفة ، فإنهم الذين يوجه إليهم الخطاب ، ويطلب منهم الجواب ، بخلاف أهل الجهل والجفاء ، المعرضين عن آيات الله ، وعن العلم الذي جاءت به الرسل ، فإن البيان لا يفيدهم شيئا ، والتفصيل لا يزيل عنهم ملتبسا ، والإيضاح لا يكشف لهم مشكلا .