ثم قال : { وأمطرنا عليهم مطرا } يقال : مطرت السماء وأمطرت ، والأول أفصح ، وأمطرهم ، مطرا وعذابا ، وكذلك أمطر عليهم ، والمراد أنه تعالى أمطر عليهم حجارة من السماء بدليل أنه تعالى قال في آية أخرى : { وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل } .
ثم قال : { فانظر كيف كان عاقبة المجرمين } وفيه مسألتان :
المسألة الأولى : ظاهر هذا اللفظ وإن كان مخصوصا بالرسول عليه السلام إلا أن المراد سائر المكلفين ليعتبروا بذلك فينزجروا .
فإن قيل : كيف يعتبرون بذلك ، وقد آمنوا من عذاب الاستئصال ؟
قلنا : إن عذاب الآخرة أعظم وأدون من ذلك ، فعند سماع هذه القصة يذكرون عذاب الآخرة مؤنبة على عذاب الاستئصال ، ويكون ذلك زجرا وتحذيرا .
المسألة الثانية : مذهب الشافعي رضي الله عنه : أن اللواطة توجب الحد . وقال أبو حنيفة : لا توجبه . وللشافعي رحمه الله : أن يحتج بهذه الآية من وجوه : الأول : أنه ثبت في شريعة لوط عليه السلام رجم اللوطي ، والأصل في الثابت البقاء ، إلا أن يظهر طريان الناسخ ، ولم يظهر في شرع محمد عليه الصلاة والسلام ناسخ هذا الحكم ، فوجب القول ببقائه . الثاني : قوله تعالى : { أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده } قد بينا في تفسير هذه الآية أنها تدل على أن شرع من قبلنا حجة علينا . والثالث : أنه تعالى قال : { فانظر كيف كان عاقبة المجرمين } والظاهر أن المراد من هذه العاقبة ما سبق ذكره وهو إنزال الحجر عليهم ومن المجرمين ، الذين يعملون عمل قوم لوط ، لأن ذلك هو المذكور السابق فينصرف إليه ، فصار تقدير الآية : فانظر كيف أمطر الله الحجارة على من يعمل ذلك العمل المخصوص ، وذكر الحكم عقيب الوصف المناسب ، يدل على كون ذلك الوصف علة لذلك الحكم ، فهذه الآية تقتضي كون هذا الجرم المخصوص علة لحصول هذا الزاجر المخصوص ، وإذا ظهرت العلة ، وجب أن يحصل هذا الحكم أينما حصلت هذه العلة .
ثم أمطرنا عليهم حجارةً مدمّرة ، ومادَت الأرض بالزلازل من تحتِهم ، فانظُر أيها المعتبِر كيف كانت عاقبة المجرمين .
قال الإمام ابنُ القيّم في زاد المعاد : هذا لم تكن تعرفُه العرب ، ولم يُرفع إليه حديث صحيح في ذلك . لكنه ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : «اقتُلوا الفاعل والمفعول به » .
رواه أهل السنن الأربعة بإسناد صحيح وقال الترمذي : حسنٌ صحيح ، وحكم به أبو بكر الصدّيق ، وكتب به إلى خالد بن الوليد ، بعد مشاورة الصحابة . وكان عليُّ كرّم الله وجهه أشدَّهم في ذلك .
وقد طعن ابن حَجَر في هذه الأحاديث وقال : إنها ضعيفة . ولذلك يجب على الحاكم أن يتحرّى جيدا ، فإن عقوبة القتلِ أعظمُ الحدود ، فلا يؤخَذُ فيها إلا بالصحيح القاطع من كتابٍ أو سُنّة متواتِرةٍ أو إجماع .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.