مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{فَأَخۡرَجَ لَهُمۡ عِجۡلٗا جَسَدٗا لَّهُۥ خُوَارٞ فَقَالُواْ هَٰذَآ إِلَٰهُكُمۡ وَإِلَٰهُ مُوسَىٰ فَنَسِيَ} (88)

أما قوله : { فأخرج لهم عجلا جسدا له خوار } فاختلفوا في أنه هل كان ذلك الجسد حيا أم لا ؟ فالقول الأول : لا لأنه لا يجوز إظهار خرق العادة على يد الضال بل السامري صور صورة على شكل العجل وجعل فيها منافذ ومخارق بحيث تدخل فيها الرياح فيخرج صوت يشبه صوت العجل .

والقول الثاني : أنه صار حيا وخار كما يخور العجل واحتجوا عليه بوجوه : أحدها : قوله : { فقبضت قبضة من أثر الرسول } ولو لم يصر حيا لما بقي لهذا الكلام فائدة . وثانيها : أنه تعالى سماه عجلا والعجل حقيقة في الحيوان وسماه جسدا وهو إنما يتناول الحي . وثالثها : أثبت له الخوار وأجابوا عن حجة الأولين بأن ظهور خوارق العادة على يد مدعي الإلهية جائز لأنه لا يحصل الالتباس وههنا كذلك فوجب أن لا يمتنع ، وروى عكرمة عن ابن عباس أن هارون عليه السلام مر بالسامري وهو يصنع العجل فقال : ما تصنع ؟ فقال : أصنع ما ينفع ولا يضر فادع لي فقال : اللهم أعطه ما سأل فلما مضى هارون قال السامري : اللهم إني أسألك أن يخور فخار وعلى هذا التقدير يكون ذلك معجزا للنبي ، أما قوله : { فقالوا هذا إلهكم وإله موسى } ففيه إشكال وهو أن القوم إن كانوا في الجهالة بحيث اعتقدوا أن ذلك العجل المعمول في تلك الساعة هو الخالق للسماوات والأرض فهم مجانين وليسوا بمكلفين ولأن مثل هذا الجنون على مثل ذلك الجمع العظيم محال وإن لم يعتقدوا ذلك فكيف قالوا : هذا إلهكم وإله موسى ، وجوابه : لعلهم كانوا من الحلولية فجوزوا حلول الإله أو حلول صفة من صفاته في ذلك الجسم ، وإن كان ذلك أيضا في غاية البعد لأن ظهور الخوار لا يناسب الإلهية ، ولكن لعل القوم كانوا في نهاية البلادة والجلافة ، وأما قوله : فنسي ففيه وجوه . الأول : أنه كلام الله تعالى كأنه أخبر عن السامري أنه نسي الاستدلال على حدوث الأجسام وأن الإله لا يحل في شيء ولا يحل فيه شيء

 
لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{فَأَخۡرَجَ لَهُمۡ عِجۡلٗا جَسَدٗا لَّهُۥ خُوَارٞ فَقَالُواْ هَٰذَآ إِلَٰهُكُمۡ وَإِلَٰهُ مُوسَىٰ فَنَسِيَ} (88)

يقال إنهم لمَّا مَرُّوا على قوم يعبدون أصناماً لهم قالوا لموسى : اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة ، وكان ذلك الصنم على صورة العجل فكان مَيْلُهم إلى عبادته مُسْتَكِنَّاً في قلوبهم ، فصاغ السامريُّ العجل على تلك الصورة . وفي هذه إشارة إلى أن خفايا الهوى إذا استكنَّت في القلب فَمَا لم يُنْقَش ذلك الشرك بمنقاش المنازلة يُخْشَى أن يَلْقَى صاحبه ( . . . ) .

ويقال إن موسى - عليه السلام - خرج من بين أمته أربعين يوماً فرَضِيَ قومهُ بعبادة العجل ، ونبيُّنا - عليه السلام - خرج من بين أمته وأتت سنون كثيرة ولو ذَكَرَ واحدٌ عند مَنْ أخلص مِنْ أمته في التوحيدِ حديثاً في التشبيه لعدوا ذلك منه كبيرةً ليس له منها مَخْلَصٌ .

كذلك فإنهم استحفظوا كتابهم فبدَّلوه تبديلاً ، بينما ضَمَنَ الحقُّ - سبحانه - إعزازَ هذا الكتاب بقوله : { إِنًّا نَحْنُ نَزًّلْنَا الذِّكْرَ وأِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ } [ الحجر :9 ] .

وقال : { لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ } [ الفتح : 28 ] .