قوله تعالى : { إن الله يدافع عن الذين آمنوا إن الله لا يحب كل خوان كفور أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ولولا دفع الله بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور } .
اعلم أنه تعالى لما بين ما يلزم الحج ومناسكه وما فيه من منافع الدنيا والآخرة ، وقد ذكرنا من قبل أن الكفار صدوهم أتبع ذلك ببيان ما يزيل الصد ويؤمن معه التمكن من الحج فقال : { إن الله يدافع عن الذين آمنوا } وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قرأ أبو جعفر وشيبة ونافع بالألف ومثله { ولولا دفع الله } وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بغير ألف فيهما . وقرأ حمزة والكسائي وعاصم { إن الله يدافع } بالألف { ولولا دفع } بغير ألف ، فمن قرأ يدافع فمعناه يبالغ في الدفع عنهم ، وقال الخليل يقال دفع الله المكروه عنك دفعا ودافع عنك دفاعا والدفاع أحسنهما .
المسألة الثانية : ذكر { إن الله يدافع عن الذين آمنوا } ولم يذكر ما يدفعه حتى يكون أفخم وأعظم وأعم ، وإن كان في الحقيقة أنه يدافع بأس المشركين . فلذلك قال بعده { إن الله لا يحب كل خوان كفور } فنبه بذلك على أنه يدفع عن المؤمنين كيد من هذا صفته .
المسألة الثالثة : قال مقاتل : إن الله يدافع كفار مكة عن الذين آمنوا بمكة ، هذا حين أمر المؤمنين بالكف عن كفار مكة قبل الهجرة حين آذوهم فاستأذنوا النبي صلى الله عليه وسلم في قتلهم سرا فنهاهم .
المسألة الرابعة : هذه الآية بشارة للمؤمنين بإعلائهم على الكفار وكف بوائقهم عنهم وهي كقوله : { لن يضروكم إلا أذى } وقوله : { إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا } وقال : { إنهم لهم المنصورون } { وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب } .
أما قوله تعالى : { إن الله لا يحب كل خوان كفور } فالمعنى أنه سبحانه جعل العلة في أنه يدافع عن الذين آمنوا أن الله لا يحب صدهم ، وهو الخوان الكفور أي خوان في أمانة الله كفور لنعمته ونظيره قوله : { لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم } قال مقاتل أقروا بالصانع وعبدوا غيره فأي خيانة أعظم من هذه ؟
يدفع عن صدورهم نزغاتِ الشيطان ، وعن قلوبِهم خطراتِ العصيان ، وعن أرواحهم طوارقَ النسيان .
والخيانةُ على أقسام : خيانةٌ في الأموال تفصيلها في المسائل الشرعية ، وخيانة في الأعمال ، وخيانة في الأحوال ؛ فخيانة الأعمال بالرياء والتصنع ، وخيانة الأحوال بالملاحظة والإعجاب والمساكنة ، وشرُّها الإعجابُ ، ثم المساكنةُ وأخفاها الملاحظة .
ويقال خيانة الزاهدين عزوفهم عن الدنيا على طلب الأعواض ليجدوا في الآخرة حُسْنَ المآل . . . وهذا إخلاص الصالحين . ولكنه عند خواص الزهاد خيانة ؛ لأنهم تركوا دنياهم لا لله ولكن لوجود العِوَض على تركهم ذلك مِنْ قِبَلِ الله .
وخيانةُ العابدين أن يَدَعُوا شهواتِهم ثم يرجعون إلى الرُّخَص ، فلو صدقوا في مرماهم لَمَا انحطُّوا إلى الرخص بعد ترقيهم عنها .
وخيانة العارفين جنوحهم إلى وجود مقام ، وتطلعهم لمنال منزلة وإكرام من الحق ونوع تقريب .
وخيانة المحبين روم فرحة مما يمسهم من برحاء المواجيد ، وابتغاء خرجه مما يَشْتَدُّ عليهم من استيلاء صَدِّ ، أو غلبات شوقٍ ، أو تمادي أيامِ هَجْرٍ .
وخيانة أربابِ التوحيد أن يتحرك لهم للاختيارِ عِرْقٌ ، وروجوعُهم - بعد امتحائِهم عنهم - إلى شظية من أحكام الفَرْقِ ، اللهم إلا أن يكونَ ذلك منهم موجوداً ، وهم عنه مفقودون .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.