مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{ذَٰلِكَۖ وَمَن يُعَظِّمۡ شَعَـٰٓئِرَ ٱللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقۡوَى ٱلۡقُلُوبِ} (32)

ثم إنه سبحانه أكد ما تقدم فقال { ذلك ومن يعظم شعائر الله } واختلفوا فقال بعضهم يدخل فيه كل عبادة وقال بعضهم بل المناسك في الحج وقال بعضهم بل المراد الهدي خاصة والأصل في الشعائر الأعلام التي بها يعرف الشيء فإذا فسرنا الشعائر بالهدايا فتعظيمها على وجهين : أحدهما : أن يختارها عظام الأجسام حسانا جساما سمانا غالية الأثمان ويترك المكاس في شرائها ، فقد كانوا يتغالون في ثلاثة ويكرهون المكاس فيهن الهدي والأضحية والرقبة . روي عن ابن عمر رضي الله عنهما عن أبيه «أنه أهدى نجيبة طلبت منه بثلثمائة دينار فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبيعها ويشتري بثمنها بدنا فنهاه عن ذلك ، وقال بل أهدها » «وأهدى رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة بدنة فيها جمل لأبي جهل في أنفه برة من ذهب » . والوجه الثاني : في تعظيم شعائر الله تعالى أن يعتقد أن طاعة الله تعالى في التقرب بها وإهدائها إلى بيته المعظم أمر عظيم لابد وأن يحتفل به ويتسارع فيه { فإنها من تقوى القلوب } أي إن تعظيمها من أفعال ذوي تقوى القلوب فحذفت هذه المضافات ، ولا يستقيم المعنى إلا بتقديرها لأنه لابد من راجع من الجزاء إلى من ارتبط به وإنما ذكرت القلوب لأن المنافق قد يظهر التقوى من نفسه . ولكن لما كان قلبه خاليا عنها لا جرم لا يكون مجدا في أداء الطاعات ، أما المخلص الذي تكون التقوى متمكنة في قلبه فإنه يبالغ في أداء الطاعات على سبيل الإخلاص .

 
لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{ذَٰلِكَۖ وَمَن يُعَظِّمۡ شَعَـٰٓئِرَ ٱللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقۡوَى ٱلۡقُلُوبِ} (32)

يقف المؤمنُ على تعيين شعائر الله وتفصيلها بشهادة العلم جهراً ، وبخواطر الإلهام سِرَّاً . وكما لا تجوز مخالفةُ شهادة الشرع لا تجوز مخالفة شهادة خواطر الحق فإِنّ خاطر الحقِّ لا يكذِبُ ، عزيزٌ مَنْ له عليه وقوف . وكما أَنّ النَّفْسَ لا تصدق فالقلب لا يكذب ، وإذا خولف القلبُ عَمِيَ في المستقبل ، وانقطعت عنه تعريفاتُ الحقيقة ، والعبارة والشرح يتقاصران عن ذكر هذا التعيين والتفسير . ويقوي القلبُ بتحقيق المنازلة ؛ فإذا خرست النفوسُ ، وزالت هواجسها ، فالقلوب تنِطق بما تُكاشَفُ به من الأمور .

ومنَ الفَرْقِ بين ما يكون طريقه العلم وما طريقه من الحق أن الذي طريقه العلم يعلم صاحبُه أولاً ثم يعمل مختاراً ، وما كان من الحق يجري ويحصل ثم بعده يعلم مَنْ جرى عليه ذلك معناه ، ولا يكون الذي يجْرِي عليه ما يُجْرَى مضطراً إلى ما يُجْرَى . وليس يمكن أن يقال إنه ليس له اختيار ، بل يكون مختاراً ولكنَّ سببَه عليه مشكلٌ ، والعجب من هذا أن العبارة عنه كالبعيد .