مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{إِنَّ أَصۡحَٰبَ ٱلۡجَنَّةِ ٱلۡيَوۡمَ فِي شُغُلٖ فَٰكِهُونَ} (55)

ثم بين حال المحسن وقال : { إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون ، هم وأزواجهم في ظلال على الأرائك متكئون لهم فيها فاكهة ولهم ما يدعون }

وقوله : { في شغل } يحتمل وجوها : أحدهما : في شغل عن هول اليوم بأخذ ما آتاهم الله من الثواب ، فما عندهم خبر من عذاب ولا حساب ، وقوله : { فاكهون } يكون متمما لبيان سلامتهم فالله لو قال : في شغل جاز أن يقال هم في شغل عظم من التفكر في اليوم وأهواله ، فإن من يصيبه فتنة عظيمة ثم يعرض عليه أمر من أموره ويخبر بخسران وقع في ماله ، يقول أنا مشغول عن هذا بأهم منه ، فقال : { فاكهون } أي شغلوا عنه باللذة والسرور لا بالويل والثبور وثانيها : أن يكون ذلك بيانا لحالهم ولا يريد أنهم شغلوا عن شيء بل يكون معناه هم في عمل ، ثم بين عملهم بأنه ليس بشاق ، بل هو ملذ محبوب وثالثها : في شغل عما توقعوه فإنهم تصوروا في الدنيا أمورا وقالوا نحن إذا دخلنا الجنة لا نطلب إلا كذا وكذا ، فرأوا ما لم يخطر ببالهم فاشتغلوا به ، وفيه وجوه : غير هذه ضعيفة أحدها : قيل افتضاض الأبكار وهذا ما ذكرناه في الوجه الثالث أن الإنسان قد يترجح في نظره الآن مداعبة الكواعب فيقول في الجنة ألتذ بها ، ثم إن الله ربما يأتيه ما يشغله عنها وثانيها قيل في ضرب الأوتار وهو من قبيل ما ذكرناه توهم وثالثها في التزاور ورابعها : في ضيافة الله وهو قريب مما قلنا لأن ضيافة الله تكون بألذ ما يمكن وحينئذ تشغله تلك عما توهمه في دنياه وقوله : { فاكهون } خبر إن ، و { في شغل } بيان ما فكاهتهم فيه يقال زيد على عمله مقبل ، وفي بيته جالس فلا يكون الجار والمجرور خبرا ولو نصبت جالسا لكان الجار والمجرور خبرا . وكذلك لو قال في شغل فاكهين لكان معناه أصحاب الجنة مشغولون فاكهين على الحال وقرئ بالنصب والفاكه{[22]} الملتذ المتنعم به ومنه الفاكهة لأنها لا تكون في السعة إلا للذة فلا تؤكل لدفع ألم الجوع ، وفيه معنى لطيف . وهو أنه أشار بقوله : { في شغل } عن عدمهم الألم فلا ألم عندهم ، ثم بين بقوله : { فاكهون } عن وجدانهم اللذة وعادم الألم قد لا يكون واجدا للذة . فبين أنهم على أتم حال


[22]:في طبعة بولاق "والفاكهة" وهو خطأ واضح والفاكه اسم فاعل من فكه والتفكه التمتع والتعجب والفكاهة المزاح.
 
لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{إِنَّ أَصۡحَٰبَ ٱلۡجَنَّةِ ٱلۡيَوۡمَ فِي شُغُلٖ فَٰكِهُونَ} (55)

قوله جل ذكره : { إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ } .

إنما يضافُ العبدُ إلى ما كان الغالبَ عليه ذِكْرُه بمجامع قلبِه ، فصاحبُ الدنيا مَنْ في أسْرِها ، وأصحابُ الجنة مَنْ هم طُلاّبُها والساعون لها والعاملون لِنَيْلِها ؛ قال تعالى مخبراً عن أقوالهم وأحوالهم : { لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ }

[ الصافات : 61 ] . وهذه الأحوال - وإن جَلَّتْ منهم ولهم - فهي بالإضافة إلى أحوال السادة والأكابر تتقاصر ، قال صلى الله عليه وسلم : " أكثر أهل الجنة البُلْه " ومَنْ كان في الدنيا عن الدنيا حُرَّاً فلا يبعد أن يكون في الجنة عن الجنة حراً ، والله يختص برحمته من يشاء .

وقيل إنما يقول هذا الخطاب لأقوام فارغين ، فيقول لهم : { إنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ } وهم أهل الحضرة والدنو ، لا تشغلهم الجنة عن أُنس القربة ، وراحات الوصلة ، والفراغ للرؤية .

ويقال : لو عَلِمُوا عمَّن شُغِلُوا لَمَا تَهنَّأوا بما شُغِلُوا .

ويقال بل إنما يقول لأهل الجنة : { إنَّ أًَصْحَابَ الْجَنَّةِ } كأنه يخاطبهم مخاطبة المُعاينة إجلالاً لهم كما يقال : الشيخ يفعل كذا ، ويُرَادُ به : أنت تفعل كذا .

ويقال : إنما يقول هذا لأقوام في العرصة أصحاب ذنوب لم يدخلوا النار ، ولم يدخلوا الجنة بَعْدُ لِعِصْيانِهِم ؛ فيقول الحق : عبدي . . أهلُ النار لا يتفرغون إليك لأهوالهم ، وما هم فيه من صعوبة أحوالهم ، وأهل الجنة وأصحابها اليومَ في شُغْلٍ عنك لأنهم في لذَّاتهم ، وما وجدوا من أفضالهم مع أهلهم وأشكالهم ؛ فليس لك اليوم إلا نحن !

وقيل شغلهم تأهبهم لرؤية مولاهم ، وذلك من أتم الأشغال ، وهي أشغالٌ مؤنِسَةٌ مريحةٌ لا مُتْعِبَةٌ موحِشَةٌ .

ويقال : الحقُّ لا يتعلَّق به حقُّ ولا باطل ؛ فلا تَنَافِيَ بين اشتغالهم بأبدانهم مع أهلهم ، وشهودهم مولاهم ، كما أنهم اليومَ مشغولون مستديمون لمعرفته بأي حالةٍ هم ، ولا يَقْدَحُ اشتغالهم - باستيفاء حُظُوظِهم - في معارفهم .

ويقال شَغَلَ نفوسهم بشهواتها حتى يخلص الشهود لأسرارهم على غيبةٍ من إحساس النَّفْس الذي هو أصعب الرُّقباء ، ولا شيء أعلى من رؤية الحبيب مع فَقْدِ الرقيب .