مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{إِنَّمَا قَوۡلُنَا لِشَيۡءٍ إِذَآ أَرَدۡنَٰهُ أَن نَّقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ} (40)

ثم قال تعالى : { إنما قولنا لشيء إذآ أردناه أن نقول له كن فيكون } وفيه مسائل :

المسألة الأولى : لقائل أن يقول : قوله : { كن } إن كان خطابا مع المعدوم فهو محال ، وإن كان خطابا مع الموجود كان هذا أمرا بتحصيل الحاصل وهو محال .

والجواب : أن هذا تمثيل لنفي الكلام والمعاياة وخطاب مع الخلق بما يعقلون ، وليس خطابا للمعدوم ، لأن ما أراده الله تعالى فهو كائن على كل حال وعلى ما أراده من الإسراع ، ولو أراد خلق الدنيا والآخرة بما فيهما من السموات والأرض في قدر لمح البصر لقدر على ذلك ، ولكن العباد خوطبوا بذلك على قدر عقولهم .

المسألة الثانية : قوله تعالى : { قولنا } مبتدأ و { أن نقول } خبره و { كن فيكون } من كان التامة التي بمعنى الحدوث والوجود أي إذا أردنا حدوث شيء فليس إلا أن نقول له أحدث فيحدث عقيب ذلك من غير توقف .

المسألة الثالثة : قرأ ابن عامر والكسائي { فيكون } بنصب النون ، والباقون بالرفع قال الفراء : القراءة بالرفع وجهها أن يجعل قوله : { أن نقول له } كلاما تاما ثم يخبر عنه بأنه سيكون كما يقال : إن زيدا يكفيه إن أمر فيفعل ، فترفع قولك فيفعل على أن تجعله كلاما مبتدأ ، وأما القراءة بالنصب فوجهه أن تجعله عطفا على أن نقول ، والمعنى : أن نقول كن فيكون هذا قول جميع النحويين ، قال الزجاج : ويجوز أن يكون نصبا على جواب { كن } قال أبو علي لفظة «كن » وإن كانت على لفظة الأمر فليس القصد بها ههنا الأمر إنما هو والله أعلم الإخبار عن كون الشيء وحدوثه ، وإذا كان الأمر كذلك فحينئذ يبطل قوله إنه نصب على جواب { كن } ، والله أعلم .

المسألة الرابعة : احتج بعض أصحابنا بهذه الآية على قدم القرآن فقالوا قوله تعالى : { إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون } يدل على أنه تعالى إذا أراد إحداث شيء قال له كن فيكون ، فلو كان قوله { كن } حادثا لافتقر إحداثه إلى أن يقول له كن . وذلك يوجب التسلسل ، وهو محال فثبت أن كلام الله قديم .

واعلم أن هذا الدليل عندي ليس في غاية القوة ، وبيانه من وجوه :

الوجه الأول : أن كلمة { إذا } لا تفيد التكرار ، والدليل عليه أن الرجل إذا قال لامرأته إذا دخلت الدار فأنت طالق فدخلت الدار مرة طلقت طلقة واحدة فلو دخلت ثانيا لم تطلق طلقة ثانية فعلمنا أن كلمة إذا لا تفيد التكرار ، وإذا كان كذلك ثبت أنه لا يلزم في كل ما يحدثه الله تعالى أن يقول له كن فلم يلزم التسلسل .

والوجه الثاني : أن هذا الدليل إن صح لزم القول بقدم لفظة «كن » وهذا معلوم البطلان بالضرورة ، لأن لفظة : كن ، مركبة من الكاف والنون ، وعند حضور الكاف لم تكن النون حاضرة وعند مجيء النون تتولى الكاف ، وذلك يدل على أن كلمة كن ، يمتنع كونها قديمة ، وإنما الذي يدعي أصحابنا كونه قديما صفة مغايرة للفظة كن ، فالذي تدل عليه الآية لا يقول به أصحابنا ، والذي يقولون به لا تدل عليه الآية فسقط التمسك به .

والوجه الثالث : أن الرجل إذا قال إن فلانا لا يقدم على قول ، ولا على فعل إلا ويستعين فيه بالله تعالى فإن عاقلا لا يقول : إن استعانته بالله فعل من أفعاله فيلزم أن يكون كل استعانة مسبوقة باستعانة أخرى إلى غير النهاية لأن هذا الكلام بحسب العرف باطل فكذلك ما قالوه .

والوجه الرابع : أن هذه الآية مشعرة بحدوث الكلام من وجوه :

الوجه الأول : أن قوله تعالى : { إنما قولنا لشيء إذا أردناه } يقتضي كون القول واقعا بالإرادة ، وما كان كذلك فهو محدث .

والوجه الثاني : أنه علق القول بكلمة إذا ، ولا شك أن لفظة «إذا » تدخل للاستقبال .

والوجه الثالث : أن قوله : { أن نقول له } لا خلاف أن ذلك ينبئ عن الاستقبال .

والوجه الرابع : أن قوله : { كن فيكون } يدل على أن حدوث الكون حاصل عقيب قوله : { كن } فتكون كلمة { كن } متقدمة على حدوث الكون بزمان واحد ، والمتقدم على المحدث بزمان واحد يجب أن يكون محدثا .

والوجه الخامس : أنه معارض بقوله تعالى : { وكان أمر الله مفعولا } ، { وكان أمر الله قدرا مقدورا } . { الله نزل أحسن الحديث } . { فليأتوا بحديث مثله } ، { ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة } .

فإن قيل : فهب أن هذه الآية لا تدل على قدم الكلام ، ولكنكم ذكرتم أنها تدل على حدوث الكلام فما الجواب عنه ؟ .

قلنا : نصرف هذه الدلائل إلى الكلام المسموع الذي هو مركب من الحروف والأصوات ، ونحن نقول بكونه محدثا مخلوقا . والله أعلم .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{إِنَّمَا قَوۡلُنَا لِشَيۡءٍ إِذَآ أَرَدۡنَٰهُ أَن نَّقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ} (40)

22

والأمر بعد ذلك هين : ( إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له : كن . فيكون ) . .

والبعث شيء من هذه الأشياء يتم حالما تتوجه إليه الإرادة دون إبطاء .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{إِنَّمَا قَوۡلُنَا لِشَيۡءٍ إِذَآ أَرَدۡنَٰهُ أَن نَّقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ} (40)

{ إِنَّمَا قَوْلُنَا } استئناف لبيان التكوين على الإطلاق ابتداء أو إعادة بعد التنبيه على أنية البعث ومنه يعلم كيفيته فما كافة و { قَوْلُنَا } مبتدأ ، وقوله تعالى : { لشيء } متعلق به واللام للتبليغ كما في قولك : قلت لزيد قم فقام ، وقال الزجاج : هي لام السبب أي لأجل إيجاد شيء ، وتعقب بأنه ليس بواضح والمتبادر من الشيء هنا المعدوم وهو أحد إطلاقاته ، وقد برهن الشيخ إبراهيم الكوراني عليه الرحمة على أن إطلاق الشيء على المعدوم حقيقة كإطلاقه على الموجود وألف ذلك رسالة جليلة سماها جلاء الفهوم ، ويعلم منها أن القول بذلك الإطلاق ليس خاصاً بالمعتزلة كما هو المشهور ، ولهذا أول هنا من لم يقف على التحقيق من الجماعة فقال : إن التعبير عنه بذلك باعتبار وجوده عند تعلق مشيئته تعالى به لا أنه كان شيئاً قبل ذلك .

وفي «البحر » نقلاً عن ابن عطية أن في قوله تعالى : { لشيء } وجهين : أحدهما : أنه لما كان وجوده حتماً جاز أن يسمى شيئاً وهو في حال العدم ، والثاني : أن ذلك تنبيه على الأمثلة التي ينظر فيها وأن ما كان منها موجوداً كان مراداً وقيل له كن فكان فصار مثالاً لما يتأخر من الأمور بما تقدم ، وفي هذا مخلص من تسمية المعدوم شيئاً اه ، وفيه من الخفاء ما فيه ، وأياً ما كان فالتنوين للتنكير أي لشيء أي شيء كان مما عز وهان { إِذَا } ظرف لقولنا أي وقت تعلق إرادتنا بإيجاده { أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ } في تأويل مصدر خبر للمبتدأ ، والسلام في { لَهُ } كاللام في { لشيء } { فَيَكُونُ } إما عطف على مقدر يفصح عنه الفاء وينسحب عليه الكلام أي فنقول ذلك فيكون ، وإما جواب لشرط محذوف أي فإذا قلنا ذلك فهو يكون ، وقيل : إنه بعد تقدير هو تكون الجملة خبراً لمبتدأ محذوف أي ما أردناه فهو يكون ، وكان في الموضعين تامة ، والذي ذهب إليه أكثر المحققين وذكره مقتصراً عليه شيخ الإسلام أنه ليس هناك قول ولا مقول له ولا أمر ولا مأمور حتى يقال : إنه يلزم أحد المحالين أما خطاب المعدوم أو تحصيل الحاصل ؛ أو يقال : { إِنَّمَا } مستدعية انحصار قوله تعالى في قوله تعالى : { كُنَّ } وليس يلزم منه انحصار أسباب التكوين فيه كما يفيده قوله سبحانه : { إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ } [ يس : 82 ] فإن المراد بالأمر الشأن الشامل للقول والفعل ومن ضرورة انحصاره في كلمة كن انحصار أسبابه على الإطلاق في ذلك بل إنما هو تمثيل لسهولة تأتي المقدورات حسب تعلق مشيئته تعالى وتصوير لسرعة حدوثها بما هو علم في ذلك من طاعة المأمور المطيع لأمر الآمر المطاع ، فالمعنى إنما إيجادنا لشيء عند تعلق مشيئتنا به أن نوجده في أسرع ما يكون ، ولما عبر عنه بالأمر الذي هو قول مخصوص وجب أن يعبر عن مطلق الإيجاد بالقول المطلق .

وقيل : إن الكلام على حقيقته وبذلك جرت العادة الإلهية ونسب إلى السلف ، وأجيب لهم عن حديث لزوم أحد المحذورين تارة بأن الخطاب تكويني ولا ضير في توجهه إلى المعدوم ، وتعقب بأنه قول بالتمثيل وتارة بأن المعدوم ثابت في العلم ويكفي في صحة خطابه ذلك حتى أن بعضهم قال بأنه مرئي له تعالى في حال عدمه ، وتعقب بما يطول ، وأما حديث الانحصار فقالوا إن الأمر فيه هين ، وقد مر بعض الكلام في هذا المقام .

واحتج بعض أهل السنة بالآية بناء على الحقيقة على قدم القرآن قال : إنها تدل على أنه تعالى إذا أراد إحداث شيء قال له كن فلو كان كن حادثاً لزم التسلسل وهو محال فيكون قديماً ومتى قيل بقدم البعض فليقل بقدم الكل ، وتعقب بأن كلمة إذا لا تفيد التكرار ولذا إذا قال لامرأته : إذا دخلت الدار فأنت طالق فدخلت مرات لا تطلق إلا طلقة واحدة فلا يلزم أن يكون كل محدث محدثاً بكلمة كن فلا يلزم التسلسل على أن القول بقدم { كُنَّ } ضروري البطلان لما فيه من ترتب الحروف ، وكذا يقال في سائر الكلام اللفظي .

وقال الإمام : إن الآية مشعرة بحدوث الكلام من وجوه : الأول : أن قوله تعالى : { إِنَّمَا قَوْلُنَا لشيء إِذَا أَرَدْنَاهُ } يقتضي كون القول واقعاً بالإرادة وما كان كذلك فهو محدث ، والثاني : أنه علق القول بكلمة { إِذَا } ولا شك أنها تدخل للاستقبال ، والثالث : أن قوله تعالى : { أن نَّقُولُ } لا خلاف في أنه يبنىء عن الاستقبال . والرابع : أن قوله سبحانه : { كُنْ فَيَكُونُ } كن فيه مقدمة على حدوث المكون ولو بزمان واحد والمقدم على المحدث كذلك محدث فلا بد من القول بحدوث الكلام . نعم إنها تشعر بحدوث الكلام اللفظي الذي يقول به الحنابلة ومن وافقهم ولا تشعر بحدوث الكلام النفسي . والأشاعرة في المشهور عنهم لا يدعون إلا قدم النفسي وينكرون قدم اللفظي ، وهو بحث أطالوا الكلام فيه فليراجع ، وما ذكر من دلالة { إِذَا } و { نَّقُولُ } على الاستقبال هو ما ذكره غير واحد ، لكن نقل أبو حيان عن ابن عطية أنه قال : ما في ألفاظ هذه الآية من معنى الاستقبال والاستئناف إنما هو راجع إلى المراد لا إلى الإرادة ، وذلك أن الأشياء المرادة المكونة في وجودها استئناف واستقبال لا في إرادة ذلك ولا في الأمر به لأن ذينك قديمان فمن أجل المراد عبر بإذا ونقول . وأنت تعلم أنه لا كلام في قدم الإرادة لكنهم اختلفوا في أنها هل لها تعلق حادث أم لا ؛ فقال بعضهم بالأول ، وقال آخرون : ليس لها إلا تعلق أزلي لكن بوجود الممكنات فيما لا يزال كل في وقته المقدر له .

فالله تعالى تعلقت إرادته في الأزل بوجود زيد مثلاً في يوم كذا وبوجود عمرو في يوم كذا وهكذا ، ولا حاجة إلى تعلق حادث في ذلك اليوم ، وأما الأمر فالنفسي منه قديم واللفظي حادث عن القائلين بحدوث الكلام اللفظي ، وأما الزمان فكثيراً ما لا يلاحظ في الأفعال المستندة إليه تعالى ، واعتبر كان الله تعالى ولا شيء معه وخلق الله تعالى العالم ونحو ذلك ولا أرى هذا الحكم مخصوصاً فيما إذا فسر الزمان بما ذهب إليه الفلاسفة بل يطر في ذلك وفيما إذا فسر بما ذهب إليه المتكلمون فتأمل والله تعالى الهادي .

وجعل غير واحد الآية لبيان إمكان البعث ، وتقريره أن تكوين الله تعالى بمحض قدرته ومشيئته لا توقف له على سبق المواد والمدد وإلا لزم التسلسل ، وكما أمكن له تكوين الأشياء ابتداء بلا سبق مادة ومثال أمكن له تكوينها إعادة بعده ، وظاهره أنه قول بإعادة المعدوم ، وظواهر كثير من النصوص أن البعث بجمع الأجزاء المتفرقة ، وسيأتي تحقيق ذلك كما وعدناك آنفاً إن شاء الله تعالى .

وقرأ ابن عامر . والكسائي ههنا وفي يس ( 82 ) { فَيَكُونُ } بالنصب ، وخرجه الزجاج على العطف على { نَّقُولُ } أي فإن يكون أو على أن يكون جواب { كُنَّ } ، وقد رد هذا الرضي وغيره بأن النصب في جواب الأمر مشروط بسببية مصدر الأول للثاني وهو لا يمكن هنا لاتحادهما فلا يستقيم ذاك ، ووجه بأن مراده أنه نصب لأنه مشابه لجواب الأمر لمجيئه بعده وليس بجواب له من حيث المعنى لأنه لا معنى لقولك : قلت لزيد اضرب تضرب .

وتعقب بأنه لا يخفى ضعفه وأنه يقتضي إلغاء الشرط المذكور ، ثم قيل : والظاهر أن يوجه بأنه إذا صدر مثله عن البليغ على قصد التمثيل لسرعة التأثير بسرة مبادرة المأمور إلى الامتثال يكون المعنى إن أقل لك اضرب تسرع إلى الامتثال فيكون المصدر المسبب عنه مسبوكاً من الهيئة لا من المادة ، ومصدر الثاني من المادة أو محصل المعنى وبه يحصل التغاير بين المصدرين ويتضح السببية والمسببية ، وقال بعضهم : إن مراد من قال إن النصب للمشابهة لجواب الأمر أن { فَيَكُونُ } كما في قراءة الرفع معطوف على ما ينسحب عليه الكلام أو هو بتقدير فهو يكون خبر لمبتدأ محذوف إلا أنه نصب لهذه المشابهة ، وفيه ما فيه .