مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَإِنَّ مِنۡهُمۡ لَفَرِيقٗا يَلۡوُۥنَ أَلۡسِنَتَهُم بِٱلۡكِتَٰبِ لِتَحۡسَبُوهُ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَمَا هُوَ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنۡ عِندِ ٱللَّهِ وَمَا هُوَ مِنۡ عِندِ ٱللَّهِۖ وَيَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ} (78)

قوله تعالى { وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون } .

اعلم أن هذه الآية تدل على أن الآية المتقدمة نازلة في اليهود بلا شك لأن هذه الآية نازلة في حق اليهود وهي معطوفة على ما قبلها فهذا يقتضي كون تلك الآية المتقدمة نازلة في اليهود أيضا واعلم أن ( اللي ) عبارة عن عطف الشيء ورده عن الاستقامة إلى الاعوجاج ، يقال : لويت يده ، والتوى الشيء إذا انحرف والتوى فلان علي إذا غير أخلاقه عن الاستواء إلى ضده ، ولوى لسانه عن كذا إذا غيره ، ولوى فلانا عن رأيه إذا أماله عنه ، وفي الحديث : « لي الواجد ظلم » وقال تعالى : { وراعنا ليا بألسنتهم وطعنا في الدين } [ النساء : 46 ] .

إذا عرفت هذا الأصل ففي تأويل الآية وجوه الأول : قال القفال رحمه الله قوله { يلوون ألسنتهم } معناه وأن يعمدوا إلى اللفظة فيحرفونها في حركات الإعراب تحريفا يتغير به المعنى ، وهذا كثير في لسان العرب فلا يبعد مثله في العبرانية ، فلما فعلوا مثل ذلك في الآيات الدالة على نبوة محمد عليه الصلاة والسلام من التوراة كان ذلك هو المراد من قوله تعالى : { يلوون ألسنتهم } وهذا تأويل في غاية الحسن الثاني : نقل عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : إن النفر الذين لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم كتبوا كتابا شوشوا فيه نعت محمد صلى الله عليه وسلم وخلطوه بالكتاب الذي كان فيه نعت محمد صلى الله عليه وسلم ثم قالوا { هذا من عند الله } .

إذا عرفت هذا فنقول : إن لي اللسان تثنيه بالتشدق والتنطع والتكلف وذلك مذموم فعبر الله تعالى عن قراءتهم لذلك الكتاب الباطل بلى اللسان ذما لهم وعيبا ولم يعبر عنها بالقراءة ، والعرب تفرق بين ألفاظ المدح والذم في الشيء الواحد ، فيقولون في المدح : خطيب مصقع ، وفي الذم : مكثار ثرثار .

فقوله { وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب } المراد قراءة ذلك الكتاب الباطل ، وهو الذي ذكره الله تعالى في قوله { فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله } [ البقرة : 79 ] ثم قال : { وما هو من الكتاب } أي وما هو الكتاب الحق المنزل من عند الله ، بقي ههنا سؤالان :

السؤال الأول : إلى ما يرجع الضمير في قوله { لتحسبوه } ؟ .

الجواب : إلى ما دل عليه قوله { يلوون ألسنتهم } وهو المحرف .

السؤال الثاني : كيف يمكن إدخال التحريف في التوراة مع شهرتها العظيمة بين الناس ؟ .

الجواب : لعله صدر هذا العمل عن نفر قليل ، يجوز عليهم التواطؤ على التحريف ، ثم إنهم عرضوا ذلك المحرف على بعض العوام وعلى هذا التقدير يكون هذا التحريف ممكنا ، والأصوب عندي في تفسير الآية وجه آخر وهو أن الآيات الدالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم كان يحتاج فيها إلى تدقيق النظر وتأمل القلب ، والقوم كانوا يوردون عليها الأسئلة المشوشة والاعتراضات المظلمة فكانت تصير تلك الدلائل مشتبهة على السامعين ، واليهود كانوا يقولون : مراد الله من هذه الآيات ما ذكرناه لا ما ذكرتم ، فكان هذا هو المراد بالتحريف وبلي الألسنة وهذا مثل ما أن المحق في زماننا إذا استدل بآية من كتاب الله تعالى ، فالمبطل يورد عليه الأسئلة والشبهات ويقول : ليس مراد الله ما ذكرت ، فكذا في هذه الصورة .

ثم قال تعالى : { ويقولون هو من عند الله } واعلم أن من الناس من قال : إنه لا فرق بين قوله { لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب } وبين قوله { ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله } [ آل عمران : 78 ] وكرر هذا الكلام بلفظين مختلفين لأجل التأكيد ، أما المحققون فقالوا : المغايرة حاصلة ، وذلك لأنه ليس كل ما لم يكن في الكتاب لم يكن من عند الله ، فإن الحكم الشرعي قد ثبت تارة بالكتاب ، وتارة بالسنة ، وتارة بالإجماع ، وتارة بالقياس والكل من عند الله .

فقوله { لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب } هذا نفي خاص ، ثم عطف عليه النفي العام فقال : { ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله } وأيضا يجوز أن يكون المراد من الكتاب التوراة ، ويكون المراد من قولهم : هو من عند الله ، أنه موجود في كتب سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مثل أشعياء ، وأرمياء ، وحيقوق ، وذلك لأن القوم في نسبة التحريف إلى الله كانوا متحيرين ، فإن وجدوا قوما من الأغمار والبله الجاهلين بالتوراة نسبوا ذلك المحرف إلى أنه من التوراة ، وإن وجدوا قوما عقلاء أذكياء زعموا أنه موجود في كتب سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام الذين جاؤوا بعد موسى عليه السلام ، واحتج الجبائي والكعبي به على أن فعل العبد غير مخلوق لله تعالى فقالا : لو كان لي اللسان بالتحريف والكذب خلقا لله تعالى لصدق اليهود في قولهم : إنه من عند الله ولزم الكذب في قوله تعالى : إنه ليس من عند الله ، وذلك لأنهم أضافوا إلى الله ما هو من عنده ، والله ينفي عن نفسه ما هو من عنده ، ثم قال : وكفي خزيا لقوم يجعلون اليهود أولى بالصدق من الله قال : ليس لأحد أن يقول المراد من قولهم { لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب } وبين قوله { ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله } فرق ، وإذا لم يبق الفرق لم يحسن العطف ، وأجاب الكعبي عن هذا السؤال أيضا من وجهين آخرين الأول : أن كون المخلوق من عند الخالق أوكد من كون المأمور به من عند الآمر به ، وحمل الكلام على الوجه الأقوى أولى والثاني : أن قوله { وما هو من عند الله } نفي مطلق لكونه من عند الله وهذا ينفي كونه من عند الله بوجه من الوجوه ، فوجب أن لا يكون من عنده لا بالخلق ولا بالحكم .

والجواب : أما قول الجبائي لو حملنا قوله تعالى : { ويقولون هو من عند الله } على أنه كلام الله لزم التكرار ، فجوابه ما ذكرنا أن قوله { وما هو من الكتاب } معناه أنه غير موجود في الكتاب وهذا لا يمنع من كونه حكما لله تعالى ثابتا بقول الرسول أو بطريق آخر فلما قال : { وما هو من عند الله } ثبت نفي كونه حكما لله تعالى وعلى هذا الوجه زال التكرار .

وأما الوجه الأول : من الوجهين اللذين ذكرهما الكعبي فجوابه ، أن الجواب لا بد وأن يكون منطبقا على السؤال ، والقوم ما كانوا في ادعاء أن ما ذكروه وفعلوه خلق الله تعالى ، بل كانوا يدعون أنه حكم الله ونازل في كتابه .

فوجب أن يكون قوله { وما هو من عند الله } عائدا إلى هذا المعنى لا إلى غيره ، وبهذا الطريق يظهر فساد ما ذكره في الوجه الثاني والله أعلم .

ثم قال تعالى : { ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون } والمعنى أنهم يتعمدون ذلك الكذب مع العلم .

واعلم أنه إن كان المراد من التحريف تغيير ألفاظ التوراة ، وإعراب ألفاظها ، فالمقدمون عليه يجب أن يكونوا طائفة يسيرة يجوز التواطؤ منهم على الكذب ، وإن كان المراد منه تشويش دلالة تلك الآيات على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم بسبب إلقاء الشكوك والشبهات في وجوه الاستدلالات لم يبعد إطباق الخلق الكثير عليه ، والله أعلم .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَإِنَّ مِنۡهُمۡ لَفَرِيقٗا يَلۡوُۥنَ أَلۡسِنَتَهُم بِٱلۡكِتَٰبِ لِتَحۡسَبُوهُ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَمَا هُوَ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنۡ عِندِ ٱللَّهِ وَمَا هُوَ مِنۡ عِندِ ٱللَّهِۖ وَيَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ} (78)

65

ثم يمضي في عرض نماذج من أهل الكتاب ؛ فيعرض نموذج المضللين ، الذي يتخذون من كتاب الله مادة للتضليل ، يلوون السنتهم به عن مواضعه ، ويؤولون نصوصه لتوافق أهواء معينة ، ويشترون بهذا كله ثمنا قليلا . . عرضا من عرض هذه الحياة الدنيا : ومن بين ما يلوون السنتهم به ويحرفونه ويؤولونه ما يختص بمعتقداتهم التي ابتدعوها عن المسيح عيسى بن مريم ، مما اقتضته أهواء الكنيسة وأهواء الحكام سواء :

وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب ، ويقولون : هو من عند الله وما هو من عند الله ، ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون . ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ، ثم يقول للناس . كونوا عبادا لي من دون الله . ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون . ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا . أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون ؟ . .

وآفة رجال الدين حين يفسدون ، أن يصبحوا أداة طيعة لتزييف الحقائق باسم أنهم رجال الدين . وهذهالحال التي يذكرها القرآن عن هذا الفريق من أهل الكتاب ، نعرفها نحن جيدا في زماننا هذا . فهم كانوا يؤولون نصوص كتابهم ، ويلوونها ليا ، ليصلوا منها إلى مقررات معينة ، يزعمون أنها مدلول هذه النصوص ، وإنها تمثل ما أراده الله منها . بينما هذه المقررات تصادم حقيقة دين الله في أساسها . معتمدين على أن كثرة السامعين لا تستطيع التفرقة بين حقيقة الدين ومدلولات هذه النصوص الحقيقية ، وبين تلك المقررات المفتعلة المكذوبة التي يلجئون إليها النصوص إلجاء .

ونحن اليوم نعرف هذا النموذج جيدا في بعض الرجال الذين ينسبون إلى الدين ظلما ! الذين يحترفون الدين ، ويسخرونه في تلبية الأهواء كلها ؛ ويحملون النصوص ويجرون بها وراء هذه الأهواء حيثما لاح لهم أن هناك مصلحة تتحقق ، وأن هناك عرضا من أعراض هذه الحياة الدنيا يحصل ! يحملون هذه النصوص ويلهثون بها وراء تلك الأهواء ، ويلوون اعناق هذه النصوص ليا لتوافق هذه الأهواء السائدة ؛ ويحرفون الكلم عن مواضعه ليوافقوا بينه وبين اتجاهات تصادم هذا الدين وحقائقه الأساسية . ويبذلون جهدا لاهثا في التمحل وتصيد أدنى ملابسة لفظية ليوافقوا بين مدلول آية قرآنية وهوى من الأهواء السائدة التي يهمهم تمليقها . . ( ويقولون هو من عند الله . وما هو من عند الله . ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون ) . . كما يحكي القرآن عن هذا الفريق من أهل الكتاب سواء . فهي آفة لا يختص بها أهل الكتاب وحدهم . إنما تبتلى بها كل أمة يرخص دين الله فيها على من ينتسبون إليه حتى ما يساوي إرضاء هوى من الأهواء التي يعود تمليقها بعرض من أعراض هذه الأرض ! وتفسد الذمة حتى ما يتحرج القلب من الكذب على الله ، تحريف كلماته عن مواضعها لتمليق عبيد الله ، ومجاراة أهوائهم المنحرفة ، التي تصادم دين الله . . وكأنما كان الله - سبحانه - يحذر الجماعة المسلمة من هذا المزلق الوبيء ، الذي انتهى بنزع أمانة القيادة من بني إسرائيل .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَإِنَّ مِنۡهُمۡ لَفَرِيقٗا يَلۡوُۥنَ أَلۡسِنَتَهُم بِٱلۡكِتَٰبِ لِتَحۡسَبُوهُ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَمَا هُوَ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنۡ عِندِ ٱللَّهِ وَمَا هُوَ مِنۡ عِندِ ٱللَّهِۖ وَيَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ} (78)

{ وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا } أي إن من أهل الكتاب الخائنين لجماعة { يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بالكتاب } أي يحرفونه قاله مجاهد وقيل : أصل الليّ الفتل من قولك : لويت يده إذا فتلتها ، ومنه لويت الغريم إذا مطلته/ حقه قال الشاعر :

تطيلين لياني وأنت ( ملية ) *** وأحسن يا ذات الوشاح التقاضيا

وفي الخبر «ليّ الواجد ظلم » فالمعنى يفتلون ألسنتهم في القراءة بالتحريف في الحركات ونحوها تغييراً يتغير به المعنى ويرجع هذا في الآخرة إلى ما قاله مجاهد ، وقريب منه ما قيل : إن المراد يميلون الألسنة بمشابه الكتاب ، و الألسنة جمع لسان ، وذكر ابن الشحنة أنه يذكر ويؤنث . ونقل عن أبي عمرو بن العلاء أن من أنثه جمعه على ألسن ، ومن ذكره جمعه على ألسنة ، وعن الفراء أنه قال : اللسان بعينه لم أسمعه من العرب إلا مذكراً ولا يخفى أن المثبت مقدم على النافي ؛ والباء صلة أو للآلة أو للظرفية أو للملابسة ، والجار والمجرور حال من الألسنة أي ملتبسة بالكتاب ، وقرأ أهل المدينة يلوون بالتشديد فهو على حد { لَوَّوْاْ رُءوسَهُمْ } [ المنافقون : 5 ] وعن مجاهد وابن كثير يلون على قلب الواو المضمومة همزة ثم تخفيفها بحذفها وإلقاء حركتها على الساكن قبلها كذا قيل ، واعترض عليه بأنه لو نقلت ضمة الواو لما قبلها فحذفت لالتقاء الساكنين كفى في التوجيه ، فأي حاجة إلى قلب الواو همزة ، ورد بأنه فعل ذلك ليكون على القاعدة التصريفية بخلاف نقل حركة الواو ثم حذفها على ما عرف في التصريف ، ونظر فيه بعض المحققين بأن الواو المضمومة إنما تبدل همزة إذا كانت ضمتها أصلية فهو مخالف للقياس أيضاً . نعم قرىء يلؤون بالهمز في الشواذ وهو يؤيده ، وعلى كل ففيه اجتماع إعلالين ومثله كثير ، وأما جعله من الولي بمعنى القرب أي يقربون ألسنتهم بميلها إلى المحرف فبعيد من الصحيح ، قريب إلى المحرف .

{ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الكتاب } أي لتظنوا أيها المسلمون أن المحرف المدلول عليه باللي أو المشابه من كتاب الله تعالى المنزل على بعض أنبيائه عليهم الصلاة والسلام ، وقرىء ( ليحسبوه ) بالياء والضمير أيضاً للمسلمين . { وَمَا هُوَ مِنَ الكتاب } ولكنه من قبل أنفسهم { وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ } أي ويزعمون صريحاً غير مكتفين بالتورية والتعريض أن المحرف أو المشابه نازل من عند الله { وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ الله } أي وليس هو نازلاً من عند الله تعالى ، و الواو للحال والجملة حال من ضمير المبتدأ في الخبر ، وفي جملة { وَيَقُولُونَ } الخ تأكيد للنفي الذي قبلها وليس الغرض التأكيد فقط وإلا لما توجه العطف بل التشنيع أيضاً بأنهم لم يكتفوا بذلك التعريض حتى ارتكبوا هذا التصريح وبهذا حصلت المغايرة المقتضية للعطف ، والإظهار في موضع الإضمار لتهويل ما قدموا عليه ، واستدل الجبائي والكعبي بالآية على أن فعل العبد ليس بخلق الله تعالى وإلا صدق أولئك المحرفون بقولهم { هُوَ مِنْ عِندِ الله } تعالى لكن الله ردّ بأن القوم ما ادعوا أن التحريف من عند الله وبخلقه وإنما ادعوا أن المحرف منزل من عند الله ، أو حكم من أحكامه فتوجه تكذيب الله تعالى إياهم إلى هذا الذي زعموا .

والحاصل أن المقصود بالنفي كما أشرنا إليه نزوله من عنده سبحانه وهو أخص من كونه من فعله وخلقه ، ونفي الخاص لا يستلزم نفي العام فلا يدل على مذهب المعتزلة القائلين بأن أفعال العباد مخلوقة لهم لا لله تعالى :

{ وَيَقُولُونَ عَلَى الله الكذب } أي في نسبتهم ذلك إلى الله تعالى تعريضاً وتصريحاً { وَهُمْ يَعْلَمُونَ } أنهم كاذبون عليه سبحانه وهو تسجيل عليهم بأن ما افتروه عن عمد لا خطأ ، وقيل : يعلمون ما عليهم في ذلك من العقاب ، روى الضحاك عن ابن عباس أن الآية نزلت في اليهود والنصارى جميعاً وذلك أنهم حرفوا التوراة والإنجيل وألحقوا بكتاب الله تعالى ما ليس منه ، وروى غير واحد أنها في طائفة من اليهود ، وهم كعب بن الأشرف/ ومالك وحيي بن أخطب وأبو ياسر وشعبة بن عمرو الشاعر غيروا ما هو حجة عليهم من التوراة .

واختلف الناس في أن المحرف هل كان يكتب في التوراة أم لا ؟ فذهب جمع إلى أنه ليس في التوراة سوى كلام الله تعالى وأن تحريف اليهود لم يكن إلا تغييراً وقت القراءة أو تأويلاً باطلاً للنصوص ، وأما أنهم يكتبون ما يرومون في التوراة على تعدد نسخها فلا ، واحتجوا لذلك بما أخرجه ابن المنذر وابن أبي حاتم عن وهب بن منبه أنه قال : إن التوراة والإنجيل كما أنزلهما الله تعالى لم يغير منهما حرف ولكنهم يضلون بالتحريف والتأويل وكتب كانوا يكتبونها من عند أنفسهم ويقولون : إن ذلك من عند الله وما هو من عند الله ، فأما كتب الله تعالى فإنها محفوظة لا تحول وبأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول لليهود إلزاماً لهم : { فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين } [ آل عمران : 93 ] وهم يمتنعون عن ذلك فلو كانت مغيرة إلى ما يوافق مرامهم ما امتنعوا ، بل وما كان يقول لهم ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه يعود على مطلبه الشريف بالإبطال . وذهب آخرون إلى أنهم بدلوا وكتبوا ذلك في نفس كتابهم واحتجوا على ذلك بكثير من الظواهر ولا يمنع من ذلك تعدد النسخ إما لاحتمال الطواطؤ أو فعل ذلك في البعض دون البعض وكذا لا يمنع منه قول الرسول لهم ذلك لاحتمال علمه صلى الله عليه وسلم ببقاء بعض ما يفي بغرضه سالماً عن التغيير إما لجهلهم بوجه دلالته ، أو لصرف الله تعالى إياهم عن تغييره ، وأما ما روي عن وهب فهو على تقدير ثبوته عنه ، يحتمل أن يكون قولاً عن اجتهاد ، أو ناشئاً عن عدم استقراء تام ، ومما يؤيد وقوع التغيير في كتب الله تعالى وأنها لم تبق كيوم نزلت ، وقوع التناقض في الأناجيل وتعارضها وتكاذبها وتهافتها ومصادمتها بعضها ببعض ، فإنها أربعة أناجيل : الأول : «إنجيل متى » وهو من الاثني عشر الحواريين وإنجيله باللغة السريانية كتبه بأرض فلسطين بعد رفع المسيح إلى السماء بثماني سنين وعدة إصحاحاته ثمانية وستون إصحاحاً ، والثاني : «إنجيل مرقس » وهو من السبعين وكتب إنجيله باللغة الفرنجية بمدينة رومية بعد رفع المسيح باثنتي عشرة سنة وعدة إصحاحاته ثمانية وأربعون إصحاحاً ، والثالث : «إنجيل لوقا » وهو من السبعين أيضاً كتب إنجيله باللغة اليونانية بمدينة الإسكندرية بعد ذلك ، وعدة إصحاحاته ثلاثة وثمانون إصحاحاً ، والرابع : «إنجيل يوحنا » وهو حبيب المسيح كتب إنجيله بمدينة إقسس من بلاد رومية بعد رفع المسيح بثلاثين سنة وعدة إصحاحاته في النسخ القبطية ، ثلاثة وثلاثون إصحاحاً ، وقد تضمن كل إنجيل من الحكايات والقصص ما أغفله الآخر ، واشتمل على أمور وأشياء قد اشتمل الآخر على نقيضها أو ما يخالفها ، وفيها ما تحكم الضرورة بأنه ليس من كلام الله تعالى أصلاً ، فمن ذلك أن متى ذكر أن المسيح صلب ، وصلب معه لصان : أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله وأنهما جميعاً كانا يهزءان بالمسيح مع اليهود ويعيرانه ، وذكر لوقا خلاف ذلك فقال : إن أحدهما كان يهزأ به ، والآخر يقول له : أما تتقي الله تعالى أما نحن فقد جوزينا ، وأما هذا فلم يعمل قبيحاً ثم قال للمسيح : يا سيدي اذكرني في ملكوتك فقال : حقاً إنك تكون معي اليوم في الفردوس ولا يخفى أن هذا يؤول إلى التناقض فإن اللصين عند متى ، كافران وعند لوقا أحدهما مؤمن والآخر كافر ، وأغفل هذه القصة مرقس ويوحنا ، ومنه أن لوقا ذكر أنه قال يسوع : إن ابن الإنسان لم يأت ليهلك نفوس الناس ولكن ليحيى وخالفه أصحابه وقالوا بل قال : إن ابن الإنسان لم يأت ليلقي على الأرض سلامة لكن سيفاً ويضرم فيها ناراً ، ولا شك أن هذا تناقض ، أحدهما : يقول جاء رحمة للعالمين ، والآخر يقول : جاء نقمة على الخلائق أجمعين ، ومن ذلك أن متى قال : قال يسوع للتلاميذ الإثني عشر : أنتم الذين تكونون في الزمن الآتي جلوساً على إثني عشر/ كرسياً تدينون إثني عشر سبط إسرائيل فشهد للكل بالفوز والبر عامة في القيامة ثم نقض ذلك متى وغيره وقال : مضى واحد من التلاميذ الإثني عشر وهو يهوذا صاحب صندوق الصدقة فارتشى على يسوع بثلاثين درهماً وجاء بالشرطي فسلم إليهم يسوع فقال يسوع : الويل له خير له أن لا يولد ، ومنه أن متى أيضاً ذكر أنه لما حمل يسوع إلى فيلاطس القائد قال : أي شر فعل هذا فصرخ اليهود وقالوا : يصلب يصلب ، فلما رأى عزمهم وأنه لا ينفع فيهم أخذ ماءاً وغسل يديه وقال : أنا برىء من دم هذا الصديق وأنتم أبصر ، وأكذب يوحنا ذلك فقال : لما حمل يسوع إليه قال لليهود : ما تريدون ؟ قالوا : يصلب فضرب يسوع ثم سلمه إليهم إلى غير ذلك مما يطول ، فإذا وقع هذا التغيير والتحريف في أصول القوم ومتقدميهم فما ظنك في فروعهم ومتأخريهم .

وإذا كان في الأنابيب حيف *** وقع الطيش في صدور الصعاد

ويا ليت شعري هل تنبه ابن منبه لهذا أم لم يتنبه فقال : إن التوراة والإنجيل كما أنزلهما الله تعالى سبحان الله هذا من العجب العجاب ؟ا .