مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَوَصَّيۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ بِوَٰلِدَيۡهِ إِحۡسَٰنًاۖ حَمَلَتۡهُ أُمُّهُۥ كُرۡهٗا وَوَضَعَتۡهُ كُرۡهٗاۖ وَحَمۡلُهُۥ وَفِصَٰلُهُۥ ثَلَٰثُونَ شَهۡرًاۚ حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُۥ وَبَلَغَ أَرۡبَعِينَ سَنَةٗ قَالَ رَبِّ أَوۡزِعۡنِيٓ أَنۡ أَشۡكُرَ نِعۡمَتَكَ ٱلَّتِيٓ أَنۡعَمۡتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَٰلِدَيَّ وَأَنۡ أَعۡمَلَ صَٰلِحٗا تَرۡضَىٰهُ وَأَصۡلِحۡ لِي فِي ذُرِّيَّتِيٓۖ إِنِّي تُبۡتُ إِلَيۡكَ وَإِنِّي مِنَ ٱلۡمُسۡلِمِينَ} (15)

( وخامسها ) كون العبد مستحقا على الله تعالى ، وأعظم أنواع هذا النوع الإحسان إلى الوالدين ، لا جرم أردفه بهذا المعنى ، فقال تعالى : { ووصينا الإنسان بوالديه حسنا } وقد تقدم الكلام في نظير هذه الآية في سورة العنكبوت ، وفي سورة لقمان ، وفيه مسائل :

المسألة الأولى : قرأ عاصم وحمزة والكسائي { بوالديه إحسانا } والباقون { حسنا } .

واعلم أن الإحسان خلاف الإساءة والحسن خلاف القبيح ، فمن قرأ { إحسانا } فحجته قوله تعالى في سورة بني إسرائيل { وبالوالدين إحسانا } والمعنى أمرناه بأن يوصل إليهما إحسانا ، وحجة القراءة الثانية قوله تعالى في العنكبوت { ووصينا الإنسان بوالديه حسنا } ولم يختلفوا فيه ، والمراد أيضا أنا أمرناه بأن يوصل إليهما فعلا حسنا ، إلا أنه سمى ذلك الفعل الحسن بالحسن على سبيل المبالغة ، كما يقال : هذا الرجل علم وكرم ، وانتصب حسنا على المصدر ، لأن معنى { ووصينا الإنسان بوالديه } أمرناه أن يحسن إليهما إحسانا .

ثم قال تعالى : { حملته أمه كرها ووضعته كرها } وفيه مسائل :

المسألة الأولى : قرأ ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي { كرها } بضم الكاف ، والباقون بفتحها ، قيل هما لغتان : مثل الضعف والضعف ، والفقر والفقر ، ومن غير المصادر : الدف والدف ، والشهد والشهد ، قال الواحدي : الكره مصدر من كرهت الشيء أكرهه ، والكره الاسم كأنه الشيء المكروه قال تعالى : { كتب عليكم القتال وهو كره لكم } فهذا بالضم ، وقال : { أن ترثوا النساء كرها } فهذا في موضع الحال ، ولم يقرأ الثانية بغير الفتح ، فما كان مصدرا أو في موضع الحال فالفتح فيه أحسن ، وما كان اسما نحو ذهبت به على كره كان الضم فيه أحسن .

المسألة الثانية : قال المفسرون : حملته أمه على مشقة ووضعته في مشقة ، وليس يريد ابتداء الحمل ، فإن ذلك لا يكون مشقة ، وقد قال تعالى : { فلما تغشاها حملت حملا خفيفا } يريد ابتداء الحمل ، فإن ذلك لا يكون مشقة ، فالحمل نطفة وعلقة ومضغة ، فإذا أثقلت فحينئذ { حملته كرها ووضعته كرها } يريد شدة الطلق .

المسألة الثالثة : دلت الآية على أن حق الأم أعظم ، لأنه تعالى قال أولا : { ووصينا الإنسان بوالديه حسنا } فذكرهما معا ، ثم خص الأم بالذكر ، فقال : { حملته أمه كرها ووضعته كرها } وذلك يدل على أن حقها أعظم ، وأن وصول المشاق إليها بسبب الولد أكثر ، والأخبار مذكورة في هذا الباب .

ثم قال تعالى : { وحمله وفصاله ثلاثون شهرا } وفيه مسائل :

المسألة الأولى : هذا من باب حذف المضاف ، والتقدير ومدة حمله وفصاله ثلاثون شهرا والفصال الفطام وهو فصله عن اللبن ، فإن قيل المراد بيان مدة الرضاعة لا الفطام ، فكيف عبر عنه بالفصال ؟ قلنا : لما كان الرضاع يليه الفصال ويلائمه ، لأنه ينتهي ويتم به سمي فصالا .

المسألة الثانية : دلت الآية على أن أقل مدة الحمل ستة أشهر ، لأنه لما كان مجموع مدة الحمل والرضاع ثلاثون شهرا ، قال : { والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين } فإذا أسقطت الحولين الكاملين وهي أربعة وعشرون شهرا من الثلاثين ، بقي أقل مدة الحمل ستة أشهر . روي عن عمر أن امرأة رفعت إليه ، وكانت قد ولدت لستة أشهر ، فأمر برجمها ، فقال علي : لا رجم عليها ، وذكر الطريق الذي ذكرناه ، وعن عثمان أنه هم بذلك ، فقرأ ابن عباس عليه ذلك .

واعلم أن العقل والتجربة يدلان أيضا على أن الأمر كذلك ، قال أصحاب التجارب : إن لتكوين الجنين زمانا مقدرا ، فإذا تضاعف ذلك الزمان تحرك الجنين ، فإذا انضاف إلى ذلك المجموع مثلاه انفصل الجنين عن الأم ، فلنفرض أنه يتم خلقه في ثلاثين يوما ، فإذا تضاعف ذلك الزمان حتى صار ستين تحرك الجنين ، فإذا تضاعف إلى هذا المجموع مثلاه وهو مائة وعشرون حتى صار المجموع مائة وثمانين وهو ستة أشهر ، فحينئذ ينفصل الجنين ، فلنفرض أنه يتم خلقه في خمسة وثلاثين يوما فيتحرك في سبعين يوما ، فإذا انضاف إليه مثلاه وهو مائة وأربعون يوما صار المجموع مائة وثمانين وعشرة أيام ، وهو سبعة أشهر انفصل الولد ، ولنفرض أنه يتم خلقه في أربعين يوما ، فيتحرك في ثمانين يوما ، فينفصل عند مائتين وأربعين يوما ، وهو ثمانية أشهر ، ولنفرض أنه تمت الخلقة في خمسة وأربعين يوما ، فيتحرك في تسعين يوما ، فينفصل عند مائتين وسبعين يوما ، وهو تسعة أشهر ، فهذا هو الضبط الذي ذكره أصحاب التجارب . قال جالينوس : إني كنت شديد التفحص عن مقادير أزمنة الحمل ، فرأيت امرأة ولدت في المائة والأربع والثمانين ليلة ، وزعم أبو علي بن سينا أنه شاهد ذلك ، فقد صار أقل مدة الحمل بحسب نص القرآن ، وبحسب التجارب الطبية شيئا واحدا ، وهو ستة أشهر ، وأما أكثر مدة الحمل ، فليس في القرآن ما يدل عليه ، قال أبو علي بن سينا : في الفصل السادس من المقالة التاسعة من عنوان الشفاء ، بلغني من حيث وثقت به كل الثقة ، أن امرأة وضعت بعد الرابع من سني الحمل ولدا قد نبتت أسنانه وعاش . وحكي عن أرسطاطاليس أنه قال : أزمنة الولادة ، وحبل الحيوان مضبوطة سوى الإنسان ، فربما وضعت الحبلى لسبعة أشهر ، وربما وضعت في الثامن ، وقلما يعيش المولود في الثامن إلا في بلاد معينة مثل مصر ، والغالب هو الولادة بعد التاسع . قال أهل التجارب : والذي قلناه من أنه إذا تضاعف زمان التكوين تحرك الجنين ، وإذا انضم إلى المجموع مثلاه انفصل الجنين ، إنما قلناه بحسب التقريب لا بحسب التحديد ، فإنه ربما زاد أو نقص بحسب الأيام ، لأنه لم يقم على هذا الضبط برهان ، إنما هو تقريب ذكروه بحسب التجربة ، والله أعلم .

ثم قال المدة التي فيها تتم خلقة الجنين تنقسم إلى أقسام ( فأولها ) أن الرحم إذا اشتملت على المني ولم تقذفه إلى الخارج استدار المني على نفسه منحصرا إلى ذاته وصار كالكرة ، ولما كان من شأن المني أن يفسده الحركات ، لا جرم يثخن في هذا الوقت وبالحري أن خلق المني من مادة تجف بالحر إذا كان الغرض منه تكون الحيوان واستحصاف أجزائه ويصير المني زبدا في اليوم السادس ( وثانيها ) ظهور النقط الثلاثة الدموية فيه ( إحداها ) في الوسط وهو الموضع الذي إذا تمت خلقته كان قلبا ( والثاني ) فوق وهو الدماغ ( والثالث ) على اليمين وهو الكبد ، ثم إن تلك النقط تتباعد ويظهر فيما بينها خيوط حمر ، وذلك يحصل بعد ثلاثة أيام أخرى فيكون المجموع تسعة أيام ( وثالثها ) أن تنفذ الدموية في الجميع فيصير علقة وذلك بعد ستة أيام أخرى حتى يصير المجموع خمسة عشر يوما ( ورابعها ) أن يصير لحما وقد تميزت الأعضاء الثلاثة ، وامتدت رطوبة النخاع ، وذلك إنما يتم باثني عشر يوما فيكون المجموع سبعة وعشرين يوما ( وخامسها ) أن ينفصل الرأس عن المنكبين والأطراف عن الضلوع والبطن يميز الحس في بعض ويخفى في بعض وذلك يتم في تسعة أيام أخرى فيكون المجموع ستة وثلاثين يوما ( وسادسها ) أن يتم انفصال هذه الأعضاء بعضها عن بعض ويصير بحيث يظهر ذلك الحس ظهورا بينا ، وذلك يتم في أربعة أيام أخرى فيكون المجموع أربعين يوما وقد يتأخر إلى خمسة وأربعين يوما قال والأقل هو الثلاثون ، فصارت هذه التجارب الطبية مطابقة لما أخبر عنه الصادق المصدوق في قوله صلى الله عليه وسلم : «يجمع خلق أحدكم في بطن أمه أربعين يوما » قال أصحاب التجارب إن السقط بعد الأربعين إذا شق عنه السلالة ووضع في الماء البارد ظهر شيء صغير متميز الأطراف .

المسألة الثالثة : هذه الآية دلت على أقل الحمل وعلى أكثر مدة الرضاع ، أما أنها تدل على أقل مدة الحمل فقد بيناه ، وأما أنها تدل على أكثر مدة الرضاع فلقوله تعالى : { والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة } والفقهاء ربطوا بهذين الضابطين أحكاما كثيرة في الفقه ، وأيضا فإذا ثبت أن أقل مدة الحمل هو الأشهر الستة ، فبتقدير أن تأتي المرأة بالولد في هذه الأشهر يبقى جانبها مصونا عن تهمة الزنا والفاحشة وبتقدير أن يكون أكثر مدة الرضاع ما ذكرناه ، فإذا حصل الرضاع بعد هذه المدة لا يترتب عليها أحكام الرضاع فتبقى المرأة مستورة عن الأجانب ، وعند هذا يظهر أن المقصود من تقدير أقل الحمل ستة أشهر وتقدير أكثر الرضاع حولين كاملين السعي في دفع المضار والفواحش وأنواع التهمة عن المرأة ، فسبحان من له تحت كل كلمة من هذا الكتاب الكريم أسرار عجيبة ونفائس لطيفة ، تعجز العقول عن الإحاطة بكمالها .

وروى الواحدي في «البسيط » عن عكرمة أنه قال إذا حملت تسعة أشهر أرضعته أحدا وعشرين شهرا ، وإذا حملت ستة أشهر أرضعته أربعة وعشرين شهرا ، والصحيح ما قدمناه .

ثم قال تعالى : { حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة قال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي } وفيه مسائل :

المسألة الأولى : اختلف المفسرون في تفسير الأشد ، قال ابن عباس في رواية عطاء يريد ثماني عشرة سنة والأكثرون من المفسرين على أنه ثلاثة وثلاثون سنة ، واحتج الفراء عليه بأن قال أن الأربعين أقرب في النسق إلى ثلاث وثلاثين منها إلى ثمانية عشر ، ألا ترى أنك تقول أخذت عامة المال أو كله ، فيكون أحسن من قولك أخذت أقل المال أو كله ، ومثله قوله تعالى : { إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه } فبعض هذه الأقسام قريب من بعض فكذا هاهنا ، وقال الزجاج الأولى حمله على ثلاث وثلاثين سنة لأن هذا الوقت الذي يكمل فيه بدن الإنسان ، وأقول تحقيق الكلام في هذا الباب أن يقال إن مراتب سن الحيوان ثلاثة ، وذلك لأن بدن الحيوان لا يتكون إلا برطوبة غريزية وحرارة غريزية ، ولا شك أن الرطوبة الغريزية غالبة في أول العمر وناقصة في آخر العمر ، والانتقال من الزيادة إلى النقصان لا يعقل حصوله إلا إذا حصل الاستواء في وسط هاتين المدتين ، فثبت أن مدة العمر منقسمة إلى ثلاثة أقسام ( أولها ) أن تكون الرطوبة الغريزية زائدة على الحرارة الغريزية وحينئذ تكون الأعضاء قابلة للتمدد في دواتها وللزيادة بحسب الطول والعرض والعمق وهذا هو سن النشوء والنماء .

والمرتبة الثانية : وهي المرتبة المتوسطة أن تكون الرطوبة الغريزية وافية بحفظ الحرارة الغريزية من غير زيادة ولا نقصان وهذا هو سن الوقوف وهو سن الشباب .

والمرتبة الثالثة : وهي المرتبة الأخيرة أن تكون الرطوبة الغريزية ناقصة عن الوفاء بحفظ الحرارة الغريزية ثم هذا النقصان على قسمين ( فالأول ) هو النقصان الخفي وهو سن الكهولة ( والثاني ) هو النقصان الظاهر وهو سن الشيخوخة ، فهذا ضبط معلوم . ثم هاهنا مقدمة أخرى وهي أن دور القمر إنما يكمل في مدة ثمانية وعشرين يوما وشيء ، فإذا قسمنا هذه المدة بأربعة أقسام كان كل قسم منها سبعة فلهذا السبب قدروا الشهر بالأسابيع الأربعة ، ولهذه الأسابيع تأثيرات عظيمة في اختلاف أحوال هذا العالم ، إذا عرفت هذا فنقول إن المحققين من أصحاب التجارب قسموا مدة سن النماء والنشوء إلى أربعة أسابيع ويحصل للآدمي بحسب انتهاء كل سابوع من هذه السوابيع الأربعة نوع من التغير يؤدي إلى كماله أما عند تمام السابوع الأول من العمر فتصلب أعضاءه بعض الصلابة ، وتقوى أفعاله أيضا بعض القوة ، وتتبدل أسنانه الضعيفة الواهية بأسنان قوية وتكون قوة الشهوة في هذا السابوع أقوى في الهضم مما كان قبل ذلك ، وأما في نهاية السابوع الثاني فتقوى الحرارة وتقل الرطوبات وتتسع المجاري وتقوى قوة الهضم وتقوى الأعضاء وتصلب قوة وصلابة كافية ويتولد فيه مادة الزرع ، وعند هذا يحكم الشرع عليه بالبلوغ على قول الشافعي رضي الله عنه ، وهذا هو الحق الذي لا محيد عنه ، لأن هذا الوقت لما قويت الحرارة الغريزية قلت الرطوبات واعتدل الدماغ فتكمل القوى النفسانية التي هي الفكر والذكر ، فلا جرم يحكم عليه بكمال العقل ، فلا جرم حكمت الشريعة بالبلوغ وتوجه التكاليف الشرعية فما أحسن قول من ضبط البلوغ الشرعي بخمس عشرة سنة .

واعلم أنه يتفرع على حصول هذه الحالة أحوال في ظاهر البدن ( أحدها ) انفراق طرف الأرنبة لأن الرطوبة الغريزية التي هناك تنتقص فيظهر الانفراق ( وثانيها ) نتوء الحنجرة وغلظ الصوت لأن الحرارة التي تنهض في ذلك الوقت توسع الحنجرة فتنتؤ ويغلظ الصوت ( وثالثها ) تغير ريح الإبط وهي الفضلة العفنية التي يدفعها القلب إلى ذلك الموضع وذلك لأن القلب لما قويت حرارته ، لا جرم قويت على إنضاج المادة ، ودفعها إلى اللحم الغددي الرخو الذي في الإبط ( ورابعها ) نبات الشعر وحصول الاحتلام ، وكل ذلك لأن الحرارة قويت فقدرت على توليد الأبخرة المولدة للشعر وعلى توليد مادة الزرع ، وفي هذا الوقت تتحرك الشهوة في الصبايا وينهد ثديهن وينزل حيضهن وكل ذلك بسبب أن الحرارة الغريزية التي فيهن قويت في آخر هذا السابوع ، وأما في السابوع الثالث فيدخل في حد الكمال وينبت للذكر اللحية ويزداد حسنه وكماله ، وأما في السابوع الرابع فلا تزال هذه الأحوال فيه متكاملة متزايدة ، وعند انتهاء السابوع الرابع نهاية أن لا يظهر الازدياد ، أما مدة سن الشباب وهي مدة الوقوف السابوع واحد فيكون المجموع خمسة وثلاثين سنة . ولما كانت هذه المدة إما قد تزداد ، وإما قد تنقص بحسب الأمزجة جعل الغاية فيه مدة أربعين سنة . وهذا هو السن الذي يحصل فيه الكمال اللائق بالإنسان شرعا وطبا ، فإن في هذا الوقت تسكن أفعال القوى الطبيعية بعض السكون وتنتهي له أفعال القوة الحيوانية غايتها ، وتبتدئ أفعال القوة النفسانية بالقوة والكمال ، وإذا عرفت هذه المقدمة ظهر لك أن بلوغ الإنسان وقت الأشد شيء وبلوغه إلى الأربعين شيء آخر ، فإن بلوغه إلى وقت الأشد عبارة عن الوصول إلى آخر سن النشوء والنماء ، وأن بلوغه إلى الأربعين عبارة عن الوصول إلى آخر مدة الشباب ، ومن ذلك الوقت تأخذ القوى الطبيعية والحيوانية في الانتقاص ، وتأخذ القوة العقلية والنطقية في الاستكمال وهذا أحد ما يدل على أن النفس غير البدن ، فإن البدن عند الأربعين يأخذ في الانتقاص ، والنفس من وقت الأربعين تأخذ في الاستكمال ، ولو كانت النفس عين البدن لحصل للشيء الواحد في الوقت الواحد الكمال والنقصان وذلك محال ، وهذا الكلام الذي ذكرناه ولخصناه مذكور في صريح لفظ القرآن ، لأنا بينا أن عند الأربعين تنتهي الكمالات الحاصلة بسبب القوى الطبيعية والحيوانية ، وأما الكمالات الحاصلة بحسب القوى النطقية والعقلية فإنها تبتدئ بالاستكمال ، والدليل عليه قوله تعالى : { حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة قال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي } فهذا يدل على أن توجه الإنسان إلى عالم العبودية والاشتغال بطاعة الله إنما يحصل من هذا الوقت ، وهذا تصريح بأن القوة النفسانية العقلية النطقية إنما تبتدئ بالاستكمال من هذا الوقت فسبحان من أودع في هذا الكتاب الكريم هذه الأسرار الشريفة المقدسة ، قال المفسرون لم يبعث نبي قط إلا بعد أربعين سنة ، وأقول هذا مشكل بعيسى عليه السلام فإن الله جعله نبيا من أول عمره إلا أنه يجب أن يقال الأغلب أنه ما جاءه الوحي إلا بعد الأربعين ، وهكذا كان الأمر في حق رسولنا صلى الله عليه وسلم ويروى أن عمر بن عبد العزيز لما بلغ أربعين سنة كان يقول : اللهم أوزعني أن أشكر نعمتك إلي تمام الدعاء ، وروي أنه جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : «يؤمر الحافظان أن ارفقا بعبدي من حداثة سنه ، حتى إذا بلغ الأربعين قيل احفظا وحققا » فكان راوي هذا الحديث إذا ذكر هذا الحديث بكى حتى تبتل لحيته رواه القاضي في «التفسير » .

المسألة الثانية : اعلم أن قوله { حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة } يدل على أن الإنسان كالمحتاج إلى مراعاة الوالدين له إلى قريب من هذه المدة ، وذلك لأن العقل كالناقص ، فلا بد له من رعاية الأبوين على رعاية المصالح ودفع الآفات ، وفيه تنبيه على أن نعم الوالدين على الولد بعد دخوله في الوجود تمتد إلى هذه المدة الطويلة ، وذلك يدل على أن نعم الوالدين كأنه يخرج عن وسع الإنسان مكافأتهما إلا بالدعاء والذكر الجميل .

المسألة الثالثة : حكى الواحدي عن ابن عباس وقوم كثير من متأخري المفسرين ومتقدميهم أن هذه الآية نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه ، قالوا والدليل عليه أن الله تعالى قد وقت الحمل والفصال هاهنا بمقدار يعلم أنه قد ينقص وقد يزيد عنه بسبب اختلاف الناس في هذه الأحوال فوجب أن يكون المقصود منه شخصا واحدا حتى يقال إن هذا التقدير إخبار عن حاله فيمكن أن يكون أبو بكر كان حمله وفصاله هذا القدر .

ثم قال تعالى في صفة ذلك الإنسان { حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة قال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي } ومعلوم أنه ليس كل إنسان يقول هذا القول ، فوجب أن يكون المراد من هذه الآية إنسانا معينا قال هذا القول ، وأما أبو بكر فقد قال هذا القول في قريب من هذا السن ، لأنه كان أقل سنا من النبي صلى الله عليه وسلم بسنتين وشيء ، والنبي صلى الله عليه وسلم بعث عند الأربعين وكان أبو بكر قريبا من الأربعين وهو قد صدق النبي صلى الله عليه وسلم وآمن به ، فثبت بما ذكرناه أن هذه الآيات صالحة لأن يكون المراد منها أبو بكر ، وإذا ثبت القول بهذه الصلاحية فنقول : ندعي أنه هو المراد من هذه الآية .

ويدل عليه أنه تعالى قال في آخر هذه الآية { أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم في أصحاب الجنة } وهذا يدل على أن المراد من هذه الآية أفضل الخلق لأن الذي يتقبل الله عنه أحسن أعماله ويتجاوز عن كل سيئاته يجب أن يكون من أفاضل الخلق وأكابرهم ، وأجمعت الأمة على أن أفضل الخلق بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم إما أبو بكر وإما علي ، ولا يجوز أن يكون المراد من هذه الآية علي بن أبي طالب رضي الله عنه لأن هذه الآية إنما تليق بمن أتى بهذه الكلمة عند بلوغ الأشد وعند القرب من الأربعين ، وعلي بن أبي طالب ما كان كذلك لأنه إنما آمن في زمان الصبا أو عند القرب من الصبا ، فثبت أن المراد من هذه الآية هو أبو بكر ، والله أعلم .

المسألة الرابعة : قوله تعالى : { أوزعني } قال ابن عباس معناه ألهمني ، قال صاحب «الصحاح » أوزعته بالشيء أغريته به فأوزع به فهو موزع به أي مغرى به ، واستوزعت الله شكره ، فأوزعني أي استلهمته فألهمني .

المسألة الخامسة : اعلم أنه تعالى حكى عن هذا الداعي أنه طلب من الله تعالى ثلاثة أشياء : ( أحدها ) أن يوفقه الله للشكر على نعمه ( والثاني ) أن يوفقه للإتيان بالطاعة المرضية عند الله ( الثالث ) أن يصلح له في ذريته ، وفي ترتيب هذه الأشياء الثلاثة على الوجه المذكور وجهان : ( الأول ) أنا بينا أن مراتب السعادات ثلاثة أكملها النفسانية وأوسطها البدنية وأدونها الخارجية والسعادات النفسانية هي اشتغال القلب بشكر آلاء الله ونعمائه ، والسعادات البدنية هي اشتغال البدن بالطاعة والخدمة ، والسعادات الخارجية هي سعادة الأهل والولد ، فلما كانت المراتب محصورة في هذه الثلاثة لا جرم رتبها الله تعالى على هذا الوجه .

والسبب الثاني : لرعاية هذا الترتيب أنه تعالى قدم الشكر على العمل ، لأن الشكر من أعمال القلوب ، والعمل من أعمال الجوارح ، وعمل القلب أشرف من عمل الجارحة ، وأيضا المقصود من الأعمال الظاهرة أحوال القلب قال تعالى : { وأقم الصلاة لذكري } بين أن الصلاة مطلوبة لأجل أنها تفيد الذكر ، فثبت أن أعمال القلوب أشرف من أعمال الجوارح ، والأشرف يجب تقديمه في الذكر ، وأيضا الاشتغال بالشكر اشتغال بقضاء حقوق النعم الماضية ، والاشتغال بالطاعة الظاهرة اشتغال بطلب النعم المستقبلة ، وقضاء الحقوق الماضية يجري مجرى قضاء الدين ، وطلب المنافع المستقبلة طلب للزوائد . ومعلوم أن قضاء الدين مقدم على سائر المهمات ، فلهذا السبب قدم الشكر على سائر الطاعات ، وأيضا أنه قدم طلب التوفيق على الشكر ، وطلب التوفيق على الطاعة على طلب أن يصلح له ذريته ، وذلك لأن المطلوبين الأولين اشتغال بالتعظيم لأمر الله ، والمطلوب الثالث اشتغال بالشفقة على خلق الله ، ومعلوم أن التعظيم لأمر الله يجب تقديمه على الشفقة على خلق الله .

المسألة السادسة : قال أصحابنا إن العبد طلب من الله تعالى أن يلهمه الشكر على نعم الله ، وهذا يدل على أنه لا يتم شيء من الطاعات والأعمال إلا بإعانة الله تعالى ، ولو كان العبد مستقلا بأفعاله لكان هذا الطلب عبثا ، وأيضا المفسرون قالوا المراد من قوله { أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي } هو الإيمان أو الإيمان يكون داخلا فيه ، والدليل عليه قوله تعالى : { اهدنا الصراط المستقيم * صراط الذين أنعمت عليهم } والمراد صراط الذين أنعمت عليهم بنعمة الإيمان وإذا ثبت هذا فنقول العبد يشكر الله على نعمة الإيمان ، فلو كان الإيمان من العبد لا من الله لكان ذلك شكرا لله تعالى على فعله لا على فعل غيره ، وذلك قبيح لقوله تعالى : { ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا } فإن قيل : فهب أن يشكر الله على ما أنعم به عليه فكيف يشكره على النعم التي أنعم بها على والديه ؟ وإنما يجب على الرجل أن يشكر ربه على ما يصل إليه من النعم ، قلنا كل نعمة وصلت من الله تعالى إلى والديه ، فقد وصل منها أثر إليه فلذلك وصاه الله تعالى على أن يشكر ربه على الأمرين .

وأما المطلوب الثاني : من المطالب المذكورة في هذا الدعاء ، فهو قوله { وأن أعمل صالحا ترضاه } .

واعلم أن الشيء الذي يعتقد أن الإنسان فيه كونه صالحا على قسمين : ( أحدهما ) الذي يكون صالحا عنده ويكون صالحا أيضا عند الله تعالى ( والثاني ) الذي يظنه صالحا ولكنه لا يكون صالحا عند الله تعالى ، فلما قسم الصالح في ظنه إلى هذين القسمين طلب من الله أن يوفقه لأن يأتي بعمل صالح يكون صالحا عند الله ويكون مرضيا عند الله .

والمطلوب الثالث : من المطالب المذكورة في هذه الآية قوله تعالى : { وأصلح لي في ذريتي } لأن ذلك من أجل نعم الله على الوالد ، كما قال إبراهيم عليه السلام : { واجنبني وبني أن نعبد الأصنام } فإن قيل ما معنى { في } في قوله { وأصلح لي في ذريتي } ؟ قلنا تقدير الكلام هب لي الصلاح في ذريتي وأوقعه فيهم .

واعلم أنه تعالى لما حكى عن ذلك الداعي ، أنه طلب هذه الأشياء الثلاثة ، قال بعد ذلك { إني تبت إليك وإني من المسلمين } والمراد أن الدعاء لا يصح إلا مع التوبة ، وإلا مع كونه من المسلمين فتبين أني إنما أقدمت على هذا الدعاء بعد أن تبت إليك من الكفر ومن كل قبيح ، وبعد أن دخلت في الإسلام والانقياد لأمر الله تعالى ولقضائه .

واعلم أن الذين قالوا إن هذه الآية نزلت في أبي بكر ، قالوا إن أبا بكر أسلم والداه ، ولم يتفق لأحد من الصحابة والمهاجرين إسلام الأبوين إلا له ، فأبوه أبو قحافة عثمان بن عمرو وأمه أم الخير بنت صخر بن عمرو ، وقوله { وأن أعمل صالحا ترضاه } قال ابن عباس فأجابه الله إليه فأعتق تسعة من المؤمنين يعذبون في الله منهم بلال وعامر بن فهيرة ولم يترك شيئا من الخير إلا أعانه الله عليه ، وقوله تعالى : { وأصلح لي في ذريتي } قال ابن عباس لم يبق لأبي بكر ولد من الذكور والإناث إلا وقد آمنوا ، ولم يتفق لأحد من الصحابة أن أسلم أبواه وجميع أولاده الذكور والإناث إلا لأبي بكر .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَوَصَّيۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ بِوَٰلِدَيۡهِ إِحۡسَٰنًاۖ حَمَلَتۡهُ أُمُّهُۥ كُرۡهٗا وَوَضَعَتۡهُ كُرۡهٗاۖ وَحَمۡلُهُۥ وَفِصَٰلُهُۥ ثَلَٰثُونَ شَهۡرًاۚ حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُۥ وَبَلَغَ أَرۡبَعِينَ سَنَةٗ قَالَ رَبِّ أَوۡزِعۡنِيٓ أَنۡ أَشۡكُرَ نِعۡمَتَكَ ٱلَّتِيٓ أَنۡعَمۡتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَٰلِدَيَّ وَأَنۡ أَعۡمَلَ صَٰلِحٗا تَرۡضَىٰهُ وَأَصۡلِحۡ لِي فِي ذُرِّيَّتِيٓۖ إِنِّي تُبۡتُ إِلَيۡكَ وَإِنِّي مِنَ ٱلۡمُسۡلِمِينَ} (15)

15

ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا . .

فهي وصية لجنس الإنسان كله ، قائمة على أساس إنسانيته ، بدون حاجة إلى أية صفة أخرى وراء كونه إنسانا . وهي وصية بالإحسان مطلقة من كل شرط ومن كل قيد . فصفة الوالدية تقتضي هذا الإحسان بذاتها ، بدون حاجة إلى أية صفة أخرى كذلك . وهي وصية صادرة من خالق الإنسان ، وربما كانت خاصة بهذا الجنس أيضا . فما يعرف في عالم الطير أو الحيوان أو الحشرات وما إليها أن صغارها مكلفة برعاية كبارها . والمشاهد الملحوظ هو فقط تكليف فطرة هذه الخلائق أن ترعى كبارها صغارها في بعض الأجناس . فهي وصية ربما كانت خاصة بجنس الإنسان .

وتتكرر في القرآن الكريم وفي حديث الرسول [ صلى الله عليه وسلم ] الوصية بالإحسان إلى الوالدين . ولا ترد وصية الوالدين بالأولاد إلا نادرة ، ولمناسبة حالات معينة . ذلك أن الفطرة وحدها تتكفل برعاية الوالدين للأولاد ، رعاية تلقائية مندفعة بذاتها لا تحتاج إلى مثير . وبالتضحية النبيلة الكاملة العجيبة التي كثيرا ما تصل إلى حد الموت - فضلا على الألم - بدون تردد ، ودون انتظار عوض ، ودون من ولا رغبة حتى في الشكران ! أما الجيل الناشيء فقلما يتلفت إلى الخلف . قلما يتلفت إلى الجيل المضحي الواهب الفاني . لأنه بدوره مندفع إلى الأمام ، يطلب جيلا ناشئا منه يضحي له بدوره ويرعاه ! وهكذا تمضي الحياة !

والإسلام يجعل الأسرة هي اللبنة الأولى في بنائه ؛ والمحضن الذي تدرج فيه الفراخ الخضر وتكبر ؛ وتتلقى رصيدها من الحب والتعاون والتكافل والبناء . والطفل الذي يحرم من محضن الأسرة ينشأ شاذا غير طبيعي في كثير من جوانب حياته - مهما توفرت له وسائل الراحة والتربية في غير محيط الأسرة - وأول ما يفقده في أي محضن آخر غير محضن الأسرة ، هو شعور الحب . فقد ثبت أن الطفل بفطرته يحب أن يستأثر وحده بأمه فترة العامين الأولين من حياته . ولا يطيق أن يشاركه فيها أحد . وفي المحاضن الصناعية لا يمكن أن يتوفر هذا . إذ تقوم الحاضنة بحضانة عدة أطفال ، يتحاقدون فيما بينهم ، على الأم الصناعية المشتركة ، وتبذر في قلوبهم بذرة الحقد فلا تنمو بذرة الحب أبدا . كذلك يحتاج الطفل إلى سلطة واحدة ثابتة تشرف عليه فترة من حياته كي يتحقق له ثبات الشخصية . وهذا ما لا يتيسر إلا في محضن الأسرة الطبيعي . فأما في المحاضن الصناعية فلا تتوفر السلطة الشخصية الثابتة لتغير الحاضنات بالمناوبة على الأطفال . فتنشأ شخصياتهم مخلخلة ، ويحرمون ثبات الشخصية . . والتجارب في المحاضن تكشف في كل يوم عن حكمة أصيلة في جعل الأسرة هي اللبنة الأولى في بناء المجتمع السليم ، الذي يستهدف الإسلام إنشاءه على أساس الفطرة السليم .

ويصور القرآن هنا تلك التضحية النبيلة الكريمة الواهبة التي تتقدم بها الأمومة ، والتي لا يجزيها أبدا إحسان من الأولاد مهما أحسنوا القيام بوصية الله في الوالدين :

( حملته أمه كرها ، ووضعته كرها ، وحمله وفصاله ثلاثون شهرا ) . .

وتركيب الألفاظ وجرسها يكاد يجسم العناء والجهد والضنى والكلال : ( حملته أمه كرها . ووضعته كرها ) . . لكأنها آهة مجهد مكروب ينوء بعبء ويتنفس بجهد ، ويلهث بالأنفاس ! إنها صورة الحمل وبخاصة في أواخر أيامه ، وصورة الوضع وطلقه وآلامه !

ويتقدم علم الأجنة فإذا به يكشف لنا في عملية الحمل عن جسامة التضحية ونبلها في صورة حسية مؤثرة . .

إن البويضة بمجرد تلقيحها بالخلية المنوية تسعى للالتصاق بجدار الرحم . وهي مزودة بخاصية أكالة . تمزق جدار الرحم الذي تلتصق به وتأكله ؛ فيتوارد دم الأم إلى موضعها ، حيث تسبح هذه البويضة الملقحة دائما في بركة من دم الأم الغني بكل ما في جسمها من خلاصات ؛ وتمتصه لتحيا به وتنمو . وهي دائمة الأكلان لجدار الرحم . دائمة الامتصاص لمادة الحياة . والأم المسكينة تأكل وتشرب وتهضم وتمتص ، لتصب هذا كله دما نقيا غنيا لهذه البويضة الشرهة النهمة الأكول ! وفي فترة تكوين عظام الجنين يشتد امتصاصه للجير من دم الأم فتفتقر إلى الجير . ذلك أنها تعطي محلول عظامها في الدم ليقوم به هيكل هذا الصغير ! وهذا كله قليل من كثير !

ثم الوضع ، وهو عملية شاقة ، ممزقة ، ولكن آلامها الهائلة كلها لا تقف في وجه الفطرة ولا تنسي الأم حلاوة الثمرة . ثمرة التلبية للفطرة ، ومنح الحياة نبتة جديدة تعيش ، وتمتد . . بينما هي تذوي وتموت !

ثم الرضاع والرعاية . حيث تعطي الأم عصارة لحمها وعظمها في اللبن ، وعصارة قلبها وأعصابها في الرعاية . وهي مع هذا وذلك فرحة سعيدة رحيمة ودود . لا تمل أبدا ولا تكره تعب هذا الوليد . وأكبر ما تتطلع إليه من جزاء أن تراه يسلم وينمو . فهذا هو جزاؤها الحبيب الوحيد !

فأنى يبلغ الإنسان في جزاء هذه التضحية ، مهما يفعل . وهو لا يفعل إلا القليل الزهيد ?

وصدق رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وقد جاءه رجل كان في الطواف حاملا أمه يطوف بها ، فسأل رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] هل أديت حقها ? فأجابه : " لا ، ولا بزفرة واحدة " .

ويخلص من هذه الوقفة أمام الوصية بالوالدين ، واستجاشة الضمائر بصورة التضحية النبيلة ممثلة في الأم ، إلى مرحلة النضج والرشد ، مع استقامة الفطرة ، واهتداء القلب :

( حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة قال : رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي ، وأن أعمل صالحا ترضاه ، وأصلح لي في ذريتي ، إني تبت إليك ، وإني من المسلمين ) . .

وبلوغ الأشد يتراوح بين الثلاثين والأربعين . والأربعون هي غاية النضج والرشد ، وفيها تكتمل جميع القوى والطاقات ، ويتهيأ الإنسان للتدبر والتفكر في اكتمال وهدوء . وفي هذه السن تتجه الفطرة المستقيمة السليمة إلى ما وراء الحياة وما بعد الحياة . وتتدبر المصير والمآل .

ويصور القرآن هنا خوالج النفس المستقيمة ، وهي في مفرق الطريق ، بين شطر من العمر ولى ، وشطر يكاد آخره يتبدى . وهي تتوجه إلى الله :

( رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي ) . .

دعوة القلب الشاعر بنعمة ربه ، المستعظم المستكثر لهذه النعمة التي تغمره وتغمر والديه قبله فهي قديمة العهد به ، المستقل المستصغر لجهده في شكرها . يدعو ربه أن يعينه بأن يجمعه كله : ( أوزعني ) . . لينهض بواجب الشكر ؛ فلا يفرق طاقته ولا اهتمامه في مشاغل أخرى غير هذا الواجب الضخم الكبير .

( وأن أعمل صالحا ترضاه ) . .

وهذه أخرى . فهو يطلب العون للتوفيق إلى عمل صالح ، يبلغ من كماله وإحسانه أن يرضاه ربه . فرضى ربه هو الغاية التي يتطلع إليها . وهو وحده الرجاء الذي يأمل فيه .

( وأصلح لي في ذريتي ) . .

وهذه ثالثة . وهي رغبة القلب المؤمن في أن يتصل عمله الصالح في ذريته . وأن يؤنس قلبه شعوره بأن في عقبه من يعبد الله ويطلب رضاه . والذرية الصالحة أمل العبد الصالح . وهي آثر عنده من الكنوز والذخائر . وأروح لقلبه من كل زينة الحياة . والدعاء يمتد من الوالدين إلى الذرية ليصل الأجيال المتعاقبة في طاعة الله .

وشفاعته إلى ربه . شفاعته التي يتقدم بها بين يدي هذا الدعاء الخالص لله ، هي التوبة والإسلام :

( إني تبت إليك وإني من المسلمين ) . .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَوَصَّيۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ بِوَٰلِدَيۡهِ إِحۡسَٰنًاۖ حَمَلَتۡهُ أُمُّهُۥ كُرۡهٗا وَوَضَعَتۡهُ كُرۡهٗاۖ وَحَمۡلُهُۥ وَفِصَٰلُهُۥ ثَلَٰثُونَ شَهۡرًاۚ حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُۥ وَبَلَغَ أَرۡبَعِينَ سَنَةٗ قَالَ رَبِّ أَوۡزِعۡنِيٓ أَنۡ أَشۡكُرَ نِعۡمَتَكَ ٱلَّتِيٓ أَنۡعَمۡتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَٰلِدَيَّ وَأَنۡ أَعۡمَلَ صَٰلِحٗا تَرۡضَىٰهُ وَأَصۡلِحۡ لِي فِي ذُرِّيَّتِيٓۖ إِنِّي تُبۡتُ إِلَيۡكَ وَإِنِّي مِنَ ٱلۡمُسۡلِمِينَ} (15)

{ وَوَصَّيْنَا الإنسان بوالديه إحسانا } نزلت كما أخرج ابن عساكر من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس في أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه إلى قوله تعالى : { وَعْدَ الصدق الذي كَانُواْ يُوعَدُونَ } [ الأحقاف : 16 ] .

{ وإحساناً } قيل : مفعول ثان لوصينا على تضمينه معنى الزمنا ، وقيل : منصوب على المصدر على تضمين { وَلَقَدْ وَصَّيْنَا } معنى أحسنا أي أحسنا بالوصية للإنسان بوالديه إحساناً ، وقيل : صفة لمصدر محذوف بتقدير مضاف أي إيصاء ذا إحسان ، وقيل : مفعول له أي وصيناه بهما لإحساننا إليهما ، وقال ابن عطية : إنه منصوب على المصدر الصريح و { بوالديه } متعلق بوصينا ، أو به وكأنه عنى يحسن إحساناً وهو حسن ، لكن تعقب أبو حيان تجويزه تعلق الجار بإحساناً بأنه لا يصح لأنه مصدر مقدر بحرف مصدري والفعل فلا يتقدم معموله عليه ولأن أحسن لا يتعدى بالباء وإنما يتعدى باللام تقول : أحسنت لزيد ولا تقول : أحسنت بزيد على معنى أن الإحسان يصل إليه ، وفيه أنا لا نسلم أن المقدر بشيء يشارك ما قدر به في جميع الأحكام لجواز أن يكون بعض أحكامه مختصاً بصريح لفظه مع أن الظرف يكفيه رائحة الفعل ولذا يعمل الاسم الجامد فيه باعتبار لمح المعنى المصدري ، وقد قالوا : إنه يتصرف فيه ما لا يتصرف في غيره لاحتياج معظم الأشياء إليه .

والجار والمجرور محمول عليه ، وقد كثر ما ظاهره التعلق بالمصدر المتأخر نكرة ك { لا تأخذكم بهما رأفة } [ النور : 2 ] ومعرفة نحو { فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السعى } [ الصافات : 102 ] وتأويل كل ذلك تكلف ، وأيضاً قوله : لأن أحسن لا يتعدى بالباء الخ فيه منع ظاهر ، وقدر بعضهم الفعل قبل الجار فقال : وصينا الإنسان بأن يحسن بوالديه إحساناً ، ولعل التنوين للتفخيم أي إحساناً عظيماً ، والإيصاء والوصية التقدم إلى الغير بما يعمل به مقترناً بوعظ من قولهم : أرض واصية متصلة النبات ، ففي الآية إشعار بأن الإحسان بهما أمر معتنى به ، وقد عد في الحديث ثاني أفضل الأعمال وهو الصلاة لأول وقتها ، وعد عقوقهما ثاني أكبر الكبائر وهو الإشراك بالله عز وجل ، والأحاديث في الترغيب في الأول والترهيب عن الثاني كثيرة جداً ، وفي الآيات ما فيه كفاية لمن ألقى السمع وهو شهيد .

وقرأ الجمهور { حَسَنًا } بضم الحاء وإسكان السين أي فعلاً ذا حسن أو كأنه في ذاته نفس الحسن لفرط حسنه ، وجوز أبو حيان فيه أن يكون بمعنى { إحسانا } فالأقوال السابقة تجري فيه . وقرأ علي كرم الله تعالى وجهه . والسلمي . وعيسى { حَسَنًا } بفتح الحاء والسين ، وعن عيسى { حَسَنًا } بضمهما .

{ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً } أي ذات كره أو حملاً ذا كره وهو المشقة كما قال مجاهد .

والحسن . وقتادة ، وليس الكره في أول علوقها بل بعد ذلك حين تحد له ثقلاً . وقرأ شيبة . وأبو جعفر . والحرميان { كَرْهاً } بفتح الكاف وهما لغتان بمعنى واحد كالفقر والفقر والضعف والضعف ، وقيل : المضموم اسم والمفتوح مصدر .

وقال الراغب : قيل الكره أي بالفتح المشقة التي تنال الإنسان من خارج مما يحمل عليه بإكراه والكره ما يناله من ذاته وهو ما يعافه من حيث الطبع أو من حيث العقل أو الشرع . وطعن أبو حاتم في هذه القراءة فقال : لا تحسن هذه القراءة لأن الكره بالفتح الغصب والغلبة . وأنت تعلم أنها في السبعة المتواترة فلا معنى للطعن فيها ، وقد كان هذا الرجل يطعن في بعض القراآت بما لا علم له به جسارة منه عفا الله تعالى عنه { وَحَمْلُهُ وفصاله } أي مدة حمله وفصاله ، وبتقدير المضاف يصح حمل قوله تعالى : { ثَلاَثُونَ شَهْراً } على المبتدأ من غير كره .

والفصال الفطام وهو مصدر فاصل فكأن الولد فاصل أمه وأمه فاصلته . وقرأ أبو رجاء . والحسن . وقتادة . ويعقوب . والجحدري { وفصاله } أي فطمه فالفصل والفصال كالفطم والفطام بناءً ومعنى ؛ وقيل : الفصال بمعنى وقت الفصل أي الفطم فهو معطوف على مدة الحمل ، والمراد بالفصال الرضاع التام المنتهى بالفطام ولذلك عبر بالفصال عنه أو عن وقته دون الرضاع المطلق فإنه لا يفيد ذلك ، وفي الوصف تطويل ، والآية بيان لما تكابده الأم وتقاسيه في تربية الولد مبالغة في التوصية لها ، ولذا اعتنى الشارع ببرها فوق الاعتناء ببر الأب ، فقد روي «أن رجلاً قال : يا رسول الله من أبر ؟ قال : أمك قال : ثم من ؟ قال : أمك قال : ثم من ؟ قال : أمك قال : ثم من ؟ قال : أباك » وقد أشير في الآية إلى ما يقتضي البر بها على الخصوص في ثلاث مراتب فتكون الأوامر في الخبر كالمأخوذة من ذلك . واستدل بها علي كرم الله تعالى وجهه . وابن عباس رضي الله تعالى عنهما . وجماعة من العلماء على أن أقل مدة الحمل ستة أشهر لما أنه إذا حط عن الثلاثين للفصال حولان لقوله تعالى : { حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرضاعة } [ البقرة : 233 ] يبقى للحمل ذلك وبه قال الأطباء ، قال جالينوس : كنت شديد الفحص عن مقدار زمن الحمل فرأيت امرأة ولدت لمائة وأربع وثمانين ليلة . وادعى ابن سينا أنه شاهد ذلك .

وأما أكثر مدة الحمل فليس في القرآن العظيم ما يدل عليه ؛ وقال ابن سينا في الشفا : بلغني من جهة من أثق به كل الثقة أن امرأة وضعت بعد الرابع من سني الحمل ولداً نبتت أسنانه ، وحكي عن أرسطو أنه قال : أزمنة الحمل لكل حيوان مضبوطة سوى الإنسان فربما وضعت المرأة لسبعة أشهر وربما وضعت لثمانية وقلما يعيش الولد في الثامن إلا في بلاد معينة مثل مصر ، ولعل تخصيص أقل الحمل وأكثر الرضاع بالبيان في القرآن الكريم بطريق الصراحة والدلالة دون أكثر الحمل وأقل الرضاع وأوسطهما لانضباطهما بعدم النقص والزيادة بخلاف ما ذكر ؛ وتحقق ارتباط حكم النسب بأقل مدة الحمل حتى لو وضعته فيما دونه لما يثبت نسبه منه وبعده يثبت وتبرأ من الزنا ، ولو أرضعت مرضعة بعد حولين لم يثبت به أحكام الرضاع في التناكح وغيره وفي هذا خلاف لا يعبأ به { حتى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ } غاية لمقدر أي فعاش أو استمرت حياته حتى إذا اكتهل واستحكم قوته وعقله { وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً } الظاهر أنه غير بلوغ الأشد ، وقال بعضهم : إنه بلوغ الأشد والعطف للتأكيد .

وقد ذكر غير واحد أن الإنسان إذا بلغ هذا القدر يتقوى جداً خلقه الذي هو عليه فلا يكاد يزايله بعد ، وفي الحديث «إن الشيطان يجر يده على وجه من زاد على الأربعين ولم يتب ويقول بأبي وجه لا يفلح » وأخرج أبو الفتح الأزدي من طريق جويبر عن الضحاك عن ابن عباس مرفوعاً «من أتى عليه الأربعون سنة فلم يغلب خيره شره فليتجهز إلى النار » وعلى ذلك قول الشاعر :

إذا المرء وافى الأربعين ولم يكن *** له دون ما يهوى حياءً ولا ستر فدعه

ولا تنفس عليه الذي مضى *** وإن جر أسباب الحياة له العمر

وقيل : لم يبعث نبي إلا بعد الأربعين ، وذهب الفخر إلى خلافه مستدلاً بأن عيسى ويحيى عليهما السلام أرسلا صبيين لظواهر ما حكي في الكتاب الجليل عنهما ، وهو ظاهر كلام السعد حيث قال : من شروط النبوة الذكورة وكمال العقل والذكاء والفطنة وقوة الرأي ولو في الصبا كعيسى ويحيى عليهما السلام إلى آخر ما قال .

وذهب ابن العربي في آخرين إلى أنه يجوز على الله سبحانه بعث الصبي إلا أنه لم يقع وتأولوا آيتي عيسى ويحيى { قَالَ إِنّى عَبْدُ الله ءاتَانِىَ الكتاب وَجَعَلَنِى نَبِيّاً } [ مريم : 30 ] ، { وَاتَيْنَاهُ الحكم صَبِيّاً } [ مريم : 12 ] بأنهما أخبار عما سيحصل لهما لا عما حصل بالفعل ، ومثله كثير في الآيات وغيرها ، والواقع عند هؤلاء البعث بعد البلوغ . وحكى اللقاني عن بعض اشتراطه فيه ويترجح عندي اشتراطه فيه دون أصل النبوة لما أن النفوس في الأغلب تأنف عن اتباع الصغير وإن كبر فضلاً كالرقيق والأنثى ، وصرح جمع بأن الأعم الأغلب كون البعثة على رأس الأربعين كما وقع لنبينا صلى الله عليه وسلم : { قَالَ رَبّ أَوْزِعْنِى } أي رغبني ووفقني من أوزعته بكذا أي جعلته مولعاً به راغباً في تحصيله . وقرأ البزي { أَوْزِعْنِى } بفتح الياء { أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ التي أَنْعَمْتَ عَلَىَّ وعلى وَالِدَىَّ } أي نعمة الدين أو ما يعمها وغيرها ، وذلك يؤيد ما روي أنها نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه لأنه لم يكن أحد أسلم هو وأبواه من المهاجرين والأنصار سواه كذا قيل ، وإسلام أبيه بعد الفتح وحينئذٍ يلزم أن تكون الآية مدنية وإليه ذهب بعضهم ، وقيل : إن هذا الدعاء بالنسبة إلى أبويه دعاء بتوفيقهما للإيمان وهو كما ترى .

واعترض على التعليل بابن عمر . وأسامة بن زيد . وغيرهما ، ونقل عن الواحدي أنه قد صحب النبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثمان عشرة سنة ورسول الله صلى الله عليه وسلم ابن عشرين سنة في سفر للشام في التجارة فنزل تحت شجرة سمرة وقال له الراهب : إنه لم يستظل بها أحد بعد عيسى غيره صلى الله عليه وسلم فوقع في قلبه تصديقه فلم يكن يفارقه في سفر ولا حضر فلما نبىء وهو ابن أربعين آمن به وهو ابن ثمانية وثلاثين فلما بلغ الأربعين قال : { رَبّ أَوْزِعْنِى } الخ { وَأَنْ أَعْمَلَ صالحا ترضاه } التنوين للتفخيم والتكثير ، والمراد بكونه مرضياً له تعالى مع أن الرضا على ما عليه جمهور أهل الحق الإرادة مع ترك الاعتراض وكل عمل صالح كذلك أن يكون سالماً من غوائل عدم القبول كالرياء والعجب وغيرهما ، فحاصله اجعل عملي على وفق رضاك : وقيل المراد بالرضا هنا ثمرته على طريق الكناية { وَأَصْلِحْ لِى فِى ذُرّيَّتِى } أي اجعل الصلاح سارياً في ذريتي راسخاً فيهم كما في قوله :

فإن تعتذر في المحل من ذي ضروعها *** لدى المحل يجرح في عراقيبها نصلي

على أن { إصلاح } نزل منزلة اللازم ثم عدي بفي ليفيد ما أشرنا إليه من سريان الصلاح فيهم وكونهم كالظرف له لتمكنه فيهم وإلا فكان الظاهر وأصلح لي ذريتي ، وقيل : عدي بفي لتضمنه معنى اللطف أي ألطف بي في ذريتين ، والأول أحسن ، قال ابن عباس : أجاب الله تعالى دعاء أبي بكر فأعتق تسعة من المؤمنين منهم بلال . وعامر بن فهيرة ولم يرد شيئاً من الخير إلا أعانه الله تعالى عليه ، ودعا أيضاً فقال : { إصلاح لِى فِى ذُرّيَّتِى } فأجابه الله تعالى فلم يكن له ولد إلا آمنوا جميعاً فاجتمع له إسلام أبويه وأولاده جميعاً ، وقد أدرك أبوه وولده عبد الرحمن وولده أبو عتيق النبي صلى الله عليه وسلم وآمنوا به ولم يكن ذلك لأحد من الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين { إِنّى تُبْتُ إِلَيْكَ } عما لا ترضاه أو يشغل عنك { وَإِنّى مِنَ المسلمين } الذين أخلصوا أنفسهم لك .