مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَيَوۡمَ يُعۡرَضُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَلَى ٱلنَّارِ أَذۡهَبۡتُمۡ طَيِّبَٰتِكُمۡ فِي حَيَاتِكُمُ ٱلدُّنۡيَا وَٱسۡتَمۡتَعۡتُم بِهَا فَٱلۡيَوۡمَ تُجۡزَوۡنَ عَذَابَ ٱلۡهُونِ بِمَا كُنتُمۡ تَسۡتَكۡبِرُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّ وَبِمَا كُنتُمۡ تَفۡسُقُونَ} (20)

{ ويوم يعرض الذين كفروا على النار } قيل يدخلون النار ، وقيل تعرض عليهم النار ليروا أهوالها { أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا } قرأ ابن كثير { أذهبتم } استفهام بهمزة ومدة ، وابن عامر استفهام بهمزتين بلا مدة والباقون { أذهبتم } بلفظ الخبر والمعنى أن كل ما قدر لكم من الطيبات والراحات فقد استوفيتموه في الدنيا وأخذتموه ، فلم يبق لكم بعد استيفاء حظكم شيء منها ، وعن عمر لو شئت لكنت أطيبكم طعاما وأحسنكم لباسا ، ولكني أستبقي طيباتي ، وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه دخل على أهل الصفة وهم يرقعون ثيابهم بالأدم ما يجدون لها رقاعا فقال : «أنتم اليوم خير أم يوم يغدو أحدكم في حلة ويروح في أخرى ، ويغدى عليه بجفنة ويراح عليه بأخرى ويستر بيته كما تستر الكعبة ، قالوا نحن يومئذ خير قال بل أنتم اليوم خير ؟ » ، رواه صاحب «الكشاف » قال الواحدي : إن الصالحين يؤثرون التقشف والزهد في الدنيا رجاء أن يكون ثوابهم في الآخرة أكمل ، إلا أن هذه الآية لا تدل على المنع من التنعم ، لأن هذه الآية وردت في حق الكافر ، وإنما وبخ الله الكافر لأنه يتمتع بالدنيا ولم يؤد شكر المنعم بطاعته والإيمان به ، وأما المؤمن فإنه يؤدي بإيمانه شكر المنعم فلا يوبخ بتمتعه ، والدليل عليه قوله تعالى : { قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق } نعم لا ينكر أن الاحتراز عن التنعم أولى ، لأن النفس إذا اعتادت التنعم صعب عليها الاحتراز والإنقباض ، وحينئذ فربما حمله الميل إلى تلك الطيبات على فعل ما لا ينبغي ، وذلك مما يجر بعضه إلى بعض ويقع في البعد عن الله تعالى بسببه .

ثم قال تعالى : { فاليوم تجزون عذاب الهون } أي الهوان ، وقرئ عذاب الهوان { بما كنتم تستكبرون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تفسقون } فعلل تعالى ذلك العذاب بأمرين : ( أولهما ) الاستكبار والترفع وهو ذنب القلب . ( الثاني ) الفسق وهو ذنب الجوارح ، وقدم الأول على الثاني لأن أحوال القلوب أعظم وقعا من أعمال الجوارح ، ويمكن أن يكون المراد من الاستكبار أنهم يتكبرون عن قبول الدين الحق ، ويستنكفون عن الإيمان بمحمد عليه الصلاة والسلام ، وأما الفسق فهو المعاصي واحتج أصحابنا بهذه الآية على أن الكفار مخاطبون بفروع الشرائع ، قالوا لأنه تعالى علل عذابهم بأمرين : ( أولهما ) الكفر ( وثانيهما ) الفسق ، وهذا الفسق لا بد وأن يكون مغايرا لذلك الكفر ، لأن العطف يوجب المغايرة ، فثبت أن فسق الكفار يوجب العقاب في حقهم ، ولا معنى للفسق إلا ترك المأمورات وفعل المنهيات ، والله أعلم .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَيَوۡمَ يُعۡرَضُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَلَى ٱلنَّارِ أَذۡهَبۡتُمۡ طَيِّبَٰتِكُمۡ فِي حَيَاتِكُمُ ٱلدُّنۡيَا وَٱسۡتَمۡتَعۡتُم بِهَا فَٱلۡيَوۡمَ تُجۡزَوۡنَ عَذَابَ ٱلۡهُونِ بِمَا كُنتُمۡ تَسۡتَكۡبِرُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّ وَبِمَا كُنتُمۡ تَفۡسُقُونَ} (20)

15

ثم يقفهم وجها لوجه أمام مشهد شاخص لهم في يوم الحساب الذي كانوا يجحدون :

( ويوم يعرض الذين كفروا على النار . أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها . فاليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تستكبرون في الأرض بغير الحق ، وبما كنتم تفسقون ) . .

والمشهد سريع حاسم ، ولكنه يتضمن لفتة عميقة عريضة . إنه مشهد العرض على النار . وفي مواجهتها وقبيل سوقهم إليها ، يقال لهم عن سبب عرضهم عليها وسوقهم إليها : ( أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها ) . . فقد كانوا يملكون الطيبات إذن ، ولكنهم استنفدوها في الحياة الدنيا ، فلم يدخروا للآخرة منها شيئا ؛ واستمتعوا بها غير حاسبين فيها للآخرة حسابا . استمتعوا بها استمتاع الأنعام للحصول على اللذة بالمتاع ، غير ناظرين فيها للآخرة ، ولا شاكرين لله نعمته ، ولا متورعين فيها عن فاحش أو حرام . ومن ثم كانت لهم دنيا ولم تكن لهم آخرة . واشتروا تلك اللمحة الخاطفة على الأرض بذلك الأمد الهائل الذي لا يعلم حدوده إلا الله !

( فاليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تستكبرون في الأرض بغير الحق ، وبما كنتم تفسقون ) . .

وكل عبد يستكبر في الأرض فإنما يستكبر بغير حق . فالكبرياء لله وحده . وليست لأحد من عباده في كثير أو قليل . وعذاب الهون هو الجزاء العدل على الاستكبار في الأرض . فجزاء الاستكبار الهوان . وجزاء الفسوق عن منهج الله وطريقه الانتهاء إلى هذا الهوان أيضا . فإن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين .

وهكذا ينتهي هذا الشوط من السورة بعرض ذينك النموذجين ومصيرهما في النهاية ؛ وبهذا المشهد المؤثر للمكذبين بالآخرة ، الفاسقين عن منهج الله ، المستكبرين عن طاعته . وهي لمسة للقلب البشري تستجيش الفطر السليمة القويمة لارتياد الطريق الواصل المأمون .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَيَوۡمَ يُعۡرَضُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَلَى ٱلنَّارِ أَذۡهَبۡتُمۡ طَيِّبَٰتِكُمۡ فِي حَيَاتِكُمُ ٱلدُّنۡيَا وَٱسۡتَمۡتَعۡتُم بِهَا فَٱلۡيَوۡمَ تُجۡزَوۡنَ عَذَابَ ٱلۡهُونِ بِمَا كُنتُمۡ تَسۡتَكۡبِرُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّ وَبِمَا كُنتُمۡ تَفۡسُقُونَ} (20)

{ وَيَوْمَ يُعْرَضُ الذين كَفَرُواْ عَلَى النار } أي يعذبون بها من قولهم : عرض بنو فلان على السيف إذا قتلوا به وهو مجاز شائع ، وذهب غير واحد إلى أنه من باب القلب المعنوي والمعنى يوم تعرض النار على الذين كفروا نحو عرضت الناقة على الحوض فإن معناه أيضاً كما قالوا : عرضت الحوض على الناقة لأن المعروض عليه يجب أن يكون له إدراك ليميل به إلى المعروض أو يرغب عنه لكن لما كان المناسب هو أن يؤتى بالمعروض عند المعروض عليه ويحرك نحو وههنا الأمر بالعكس لأن الحوض لم يؤت به وكذا النار قلب الكلام رعاية لهذا الاعتبار ، وفي الانتصاف أن كل قولهم : عرضت الناقة على الحوض مقلوباً فليس قوله تعالى : { وَيَوْمَ يُعْرَضُ الذين كَفَرُواْ عَلَى النار } كذلك لأن الملجيء ثم إلى اعتقاد القلب أن الحوض جماد لا إدراك له والناقة هي المدركة فهي التي يعرض عليها الحوض حقيقة ، وأما النار فقد وردت النصوص بأنها حينئذٍ مدركة إدراك الحيوانات بل إدراك أولي العلم فالأمر في الآية على ظاهره كقولك : عرضت الأسرى على الأمير ، وربما يقال : لا مانع من تنزيلها منزلة المدرك إن لم تكن حينئذٍ مدركة وكذا تنزيل الحوض منزلته حتى كأنه يستعرض الناقة كما قال أبو العلاء المعري :

إذا اشتاقت الخيل المناهل أعرضت *** عن الماء فاشتاقت إليها المناهل

وبعد ذلك قد لا يحتاج إلى اعتبار القلب ، وقال أبو حيان : لا ينبغي حمل القرآن على القرآن إذ الصحيح فيه أنه مما يضطر إليه في الشعر ، وإذا كان المعنى صحيحاً واضحاً بدونه فأي ضرورة تدعو إليه ؟ والمثال المذكور لا قلب فيه أيضاً ، فإن عرض الناقة على الحوض وعرض الحوض على الناقة كل منهما صحيح إذ العرض أمر نسبي يصح إسناده لكل واحد من الناقة والحوض . وابن السكيت في كتاب التوسعة ذهب إلى أن عرضت الحوض على الناقة مقلوب والأصل إنما هو عرضت الناقة على الحوض وهو مخالف للمشهور . وأنت تعلم مما ذكرنا أولاً أن سبب اعتبارهم القلب في المثال كون المناسب في العرض أن يؤتي بالمعروض عند المعروض عليه وأن الأمر في عرضت الحوض على الناقة بالعكس ، وتفصيل الكلام في ذلك على وجه يعرف منه منشأ الخلاف أن العرض مطلقاً لا يقتضي ذلك وإنما المقتضى له المعنى المقصود من العرض في المثال وهو الميل إلى المعروض ، ومن لم ينظر إلى هذا المعنى ونظر إلى أن المعروض يتحرك إلى المعروض عليه قال إنه الأصل ، ومن لم ينظر إلى الاعتبارين وقال العرض إظهار شيء لشيء قال إن كلاً من القولين على الأصل ، وهو كما قال العلامة السالكوتي الحق لأن كلا الاعتبارين خارج عن مفهوم العرض فاحفظه فإنه نفيس .

والظرف منصوب بقول محذوف مقوله قوله تعالى : { أَذْهَبْتُمْ طيباتكم } إلى آخره أي فيقال لهم يوم يعرضون أذهبتم لذاتكم { فِى حياتكم الدنيا } باستيفائها { واستمتعتم بِهَا } فلم يبق لكل بعد شيء منها ، وهو عطف تفسير لأذهبتم ، وقرأ قتادة . ومجاهد . وابن وثاب . وأبو جعفر . والحسن . والأعرج . وابن كثير { أَذْهَبْتُمْ } بهمزة بعدها مدة مطولة ، وابن عامر بهمزتين حققهما ابن ذكوان ولين الثانية ابن هشام . وابن كثير في رواية ، وعن هشام الفصل بين المحققة والملينة بألف ، والاستفهام على معنى التوبيخ فهو خبر في المعنى ولو كان استفهاماً محضاً لم تدخل الفاء في قوله سبحانه : { فاليوم تُجْزَوْنَ عَذَابَ الهون } أي الهوان وكذلك قرئ { بِمَا كُنتُمْ } في الدنيا { تَسْتَكْبِرُونَ فِى الارض بِغَيْرِ الحق } بغير استحقاق لذلك ، وقد مر بيان سر { فِى الارض } { وَبِمَا كُنتُمْ تَفْسُقُونَ } أي تخرجون من طاعة الله عز وجل أي بسبب استكباركم وفسقكم المستمرين ، وفي «البحر » أريد بالاستكبار الترفع عن الإيمان وبالفسق معاصي الجوارح وقدم ذنب القلب على ذنب الجوارح إذ أعمال الجوارح ناشئة عن مراد القلب ، وقرئ { تَفْسُقُونَ } بكسر السين وهذه الآية محرضة على التقلل من الدنيا وترك التنعم فيها والأخذ بالتقشف ، أخرج سعيد بن منصور . وعبد بن حميد . وابن المنذر . والحاكم . والبيهقي في «شعب الإيمان » عن ابن عمر أن عمر رضي الله تعالى عنه في يد جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه درهماً فقال ما هذا الدرهم ؟ قال : أريد أن أشتري به لأهلي لحماً قرموا إليه فقال أكلما اشتهيتم شيئاً اشتريتموه أين تذهب عنكم هذه الآية { أَذْهَبْتُمْ طيباتكم حياتكم الدنيا واستمتعتم بِهَا } .

وأخرج ابن المبارك . وابن سعد . وأحمد في الزهد . وعبد بن حميد . وأبو نعيم في «الحلية » عن الحسن قال قدم وفد أهل البصرة على عمر رضي الله تعالى عنه مع أبي موسى الأشعري فكان له في كل يوم خبز يلت فربما وافقناه مأدوماً بزيت وربما وافقناه مأدوماً بسمن وربما وافقناه مأدوماً بلبن وربما وافقنا القدائد اليابسة قد دقت ثم أغلي عليها وربما وافقنا اللحم الغريض أي الطري وهو قليل قال وقال لنا عمر رضي الله تعالى عنه : إني والله ما أجهل عن كراكر واسنمة وعن صلاء وصناب وسلائق ولكن وجدت الله تعالى عير قوماً بأمر فعلوه فقال عز وجل : { أَذْهَبْتُمْ طيباتكم فِى حياتكم الدنيا واستمتعتم بِهَا } ، والكراكر جمع كركرة بالكسرة زور البعير الذي إذا برك أصاب الأرض وهو من أطيب ما يؤكل منه والأسنمة جمع سنام معروف والصلاء بالكسر والمد الشواء ، والصناب ككتاب صباغ يتخذ من الخردل والزبيب ، والسلائق جمع سليقة كسفينة ما سلق من البقول وغيرها ويروى بالصاد الخبز الرقاق واحدتها صليقة كسفينة أيضاً ، وقيل : هي الحملان المشوية ، وقيل : اللحم المشوي المنضج وأنشدوا لجرير :

يكلفني معيشة آل زيد *** ومن لي بالصلائق والصناب

وأخرج أحمد . والبيهقي في «شعب الإيمان » عن ثوبان رضي الله تعالى عنه قال : " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سافر آخر عهده من أهله بفاطمة وأول من يدخل عليه منهم فاطمة رضي الله تعالى عنها فقدم من غزاة له فأتاها فإذا بمسح على بابها ورأى على الحسن والحسين قلبين من فضلة فرجع ولم يدخل عليها فلما رأت ذلك ظنت أنه لم يدخل من أجل ما رأى فهتكت الستر ونزعت القلبين من الصبيين فقطعتهما فبكيا فقسمت ذلك بينهما فانطلقا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهما يبكيان فأخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم منهما فقال يا ثوبان اذهب بهذا إلى بني فلان أهل بيت بالمدينة واشتر لفاطمة قلادة من عصب وسوارين من عاج فإن هؤلاء أهل بيتي ولا أحب أن يأكلوا طيباتهم في حياتهم الدنيا " والمسح بكسر فسكون ثوب من عشر غليظ ، والقلبين تثنية قلب بضم فسكون السوار ، والعصب بفتح فسكون قال الخطابي إن لم يكن الثياب فما أدري ما هو وما أدري أن القلائد تكون منها ، ويحتمل أن الرواية بفتح الصاد وهو إطناب مفاصل الحيوان فلعلهم كانوا يتخذون من طاهره مثل الخرز .

قال ثم ذكر بعض أهل اليمن أن العصب سن دابة بحرية تسمى فرس فرعون يتخذ منها الخرز البيض وغيرها ، وأحاديث الزهد في طيبات الحياة الدنيا كثيرة وحال رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك معروفة بين الأمة . وفي «البحر » بعد حكاية حال عمر رضي الله تعالى عنه على نحو مما ذكرنا ، قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : وهذا من باب الزهد وإلا فالآية نزلت في كفار قريش ، والمعنى أنه كانت لكم طيبات الآخرة لو آمنتم لكنكم لم تؤمنوا فاستعجلتم طيباتكم في الحياة الدنيا . فهذه كناية عن عدم الإيمان ولذلك ترتب عليه { فاليوم تُجْزَوْنَ عَذَابَ الهون } ولو أريد الظاهر ولم يكن كناية عما ذكرنا لم يترتب عليه الجزاء بالعذاب ، هذا ولما كان أهل مكة مستغرقين في لذات الدنيا معرضين عن الإيمان وما جاء بهم الرسول صلى الله عليه وسلم ناسب تذكيرهم بما جرى للعرب الأولى ممن كانوا أكثر أموالاً وأشد قوة وأعظم جاهاً منهم فسلط عليهم العذاب بسبب كفرهم وبضرب الأمثال وقصص من تقدم يعرف قبح الشيء وحسنه فقال سبحانه لرسوله صلى الله عليه وسلم : { واذكر } لكفار مكة { أَخَا عَادٍ } هوداً عليه السلام .