قوله تعالى : { والملك على أرجائها } وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قوله : { والملك } لم يرد به ملكا واحدا ، بل أراد الجنس والجمع .
المسألة الثانية : الأرجاء في اللغة النواحي يقال : رجا ورجوان والجمع الأرجاء ، ويقال ذلك لحرف البئر وحرف القبر وما أشبه ذلك ، والمعنى أن السماء إذا انشقت عدلت الملائكة عن مواضع الشق إلى جوانب السماء ، فإن قيل : الملائكة يموتون في الصعقة الأولى ، لقوله : { فصعق من في السماوات ومن في الأرض } فكيف يقال : إنهم يقفون على أرجاء السماء ؟ قلنا : الجواب من وجهين : ( الأول ) أنهم يقفون لحظة على أرجاء السماء ثم يموتون ( الثاني ) أن المراد الذين استثناهم الله في قوله : { إلا من شاء الله } .
قوله تعالى : { ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية } فيه مسائل :
المسألة الأولى : هذا العرش هو الذي أراده الله بقوله { الذين يحملون العرش } وقوله : { وترى الملائكة حافين من حول العرش } .
المسألة الثانية : الضمير في قوله : { فوقهم } إلى ماذا يعود ؟ فيه وجهان ( الأول ) وهو الأقرب أن المراد فوق الملائكة الذين هم على الأرجاء والمقصود التمييز بينهم وبين الملائكة الذين هم حملة العرش ( الثاني ) قال مقاتل : يعني أن الحملة يحملون العرش فوق رؤوسهم . و [ مجيء ] الضمير قبل الذكر جائز كقوله : في بيته يؤتي الحكم .
المسألة الثالثة : نقل عن الحسن رحمه الله أنه قال : لا أدري ثمانية أشخاص أو ثمانية آلاف أو ثمانية صفوف أو ثمانية آلاف صف . واعلم أن حمله على ثمانية أشخاص أولى لوجوه : ( أحدها ) ما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : «هم اليوم أربعة فإذا كان يوم القيامة أيدهم الله بأربعة آخرين فيكونون ثمانية » ويروى : «ثمانية أملاك أرجلهم في تخوم الأرض السابعة والعرش فوق رؤوسهم وهم مطرقون مسبحون » وقيل : بعضهم على صورة الأسد وبعضهم على صورة الثور وبعضهم على صورة النسر ، وروي ثمانية أملاك في صورة الأوعال ما بين أظلافها إلى ركبها مسيرة سبعين عاما ، وعن شهر بن حوشب أربعة منهم يقولون : سبحانك اللهم وبحمدك لك الحمد على عفوك بعد قدرتك ، وأربعة يقولون : سبحانك اللهم وبحمدك لك الحمد على حلمك بعد علمك ( الوجه الثاني ) في بيان أن الحمل على ثمانية أشخاص أولى من الحمل على ثمانية آلاف وذلك لأن الثمانية أشخاص لا بد منهم في صدق اللفظ ، ولا حاجة في صدق اللفظ إلى ثمانية آلاف ، فحينئذ يكون اللفظ دالا على ثمانية أشخاص ، ولا دلالة فيه على ثمانية آلاف فوجب حمله على الأول ( الوجه الثالث ) وهو أن الموضع موضع التعظيم والتهويل فلو كان المراد ثمانية آلاف ، أو ثمانية صفوف لوجب ذكره ليزداد التعظيم والتهويل ، فحيث لم يذكر ذلك علمنا أنه ليس المراد إلا ثمانية أشخاص .
المسألة الرابعة : قالت المشبهة : لو لم يكن الله في العرش لكان حمل العرش عبثا عديم الفائدة ، ولاسيما وقد تأكد ذلك بقوله تعالى : { يومئذ تعرضون } والعرض إنما يكون لو كان الإله حاصلا في العرش ، أجاب أهل التوحيد عنه بأنه لا يمكن أن يكون المراد منه أن الله جالس في العرش وذلك لأن كل من كان حاملا للعرش كان حاملا لكل ما كان في العرش ، فلو كان الإله في العرش للزم الملائكة أن يكونوا حاملين لله تعالى وذلك محال ، لأنه يقتضي احتياج الله إليهم ، وأن يكونوا أعظم قدرة من الله تعالى وكل ذلك كفر صريح ، فعلمنا أنه لا بد فيه من التأويل فنقول : السبب في هذا الكلام هو أنه تعالى خاطبهم بما يتعارفونه ، فخلق لنفسه بيتا يزورونه ، وليس أنه يسكنه ، تعالى الله عنه وجعل في ركن البيت حجرا هو يمينه في الأرض ، إذ كان من شأنهم أن يعظموا رؤساءهم بتقبيل أيمانهم ، وجعل على العباد حفظة ليس لأن النسيان يجوز عليه سبحانه ، لكن هذا هو المتعارف فكذلك لما كان من شأن الملك إذا أراد محاسبة عماله جلس إليهم على سرير ووقف الأعوان حوله أحضر الله يوم القيامة عرشا وحضرت الملائكة وحفت به ، لا لأنه يقعد عليه أو يحتاج إليه بل لمثل ما قلناه في البيت والطواف .
ثم يغمر الجلال المشهد ويغشيه ، وتسكن الضجة التي تملأ الحس من النفخة والدكة والتشقق والانتثار . يسكن هذا كله ويظهر في المشهد عرش الواحد القهار :
( والملك على أرجائها ، ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية ) . .
والملائكة على أرجاء هذه السماء المنشقة وأطرافها ، والعرش فوقهم يحمله ثمانية . . ثمانية أملاك أو ثمانية صفوف منها ، أو ثمانية طبقات من طبقاتهم ، أو ثمانية مما يعلم الله . لا ندري نحن من هم ولا ما هم . كما لا ندري نحن ما العرش ? ولا كيف يحمل ? ونخلص من كل هذه الغيبيات التي لا علم لنا بها ، ولم يكلفنا الله من علمها إلا ما قص علينا . نخلص من مفردات هذه الغيبيات إلى الظل الجليل الذي تخلعه على الموقف . وهو المطلوب منا أن تستشعره ضمائرنا . وهو المقصود من ذكر هذه الأحداث ليشعر القلب البشري بالجلال والرهبة والخشوع ، في ذلك اليوم العظيم ، وفي ذلك الموقف الجليل :
{ والملك } أي الجنس المتعارف بالملك وهو أعم من الملائكة عند الزمخشري وجماعة وقد ذكره الجوهري أيضاً وقال أبو حيان الملك اسم جنس يراد به الملائكة ولا يظهر أنه أعم من الملائكة وتحقيق هذا المقام بما لا مزيد عليه في «شرح التلخيص » للعلامة الثاني وحواشيه فارجع إن أردت إليه { على أَرْجَائِهَا } أي جوابنها جمع رجى بالقصر وهو من ذوات الواو ولذا برزت في التثنية قال الشاعر
: كأن لم ترى قبلي أسيراً مقيدا *** ولا رجلاً يرمى به الرجوان
والضمير للسماء والمراد بجوانبها أطرافها التي لم تنشق أخرج ابن المنذر عن ابن جبير والضحاك قال إنهما قالا والملك على أرجائها أي على ما لم ينشق منها ولعل ذلك التجاء منهم للأطراف مما داخلهم من ملاحظة عظمة الله عز وجل أو اجتماع هناك للنزول وأخرج ابن المنذر وعبد بن حميد عن الربيع بن أنس قال والملك على أرجائها أي الملائكة على شقها ينظرون إلى شق الأرض وما أتاهم من الفزع والأول أظهر ولعل هذا الانشقاق بعد موت الملائكة عند النفخة الأولى وإحيائهم وهم يحيون قبل الناس كما تقتضيه الأخبار ويجوز أن يكون ذلك بعد النفخة الثانية والناس في المحشر ففي بعض الآثار ما يشعر بانشقاق كل سماء يومئذ ونزول ملائكتها واليوم متسع كما أشرنا إليه وقال الإمام يحتمل أنهم يقفون على الأرجاء لحظة ثم يموتون ويحتمل أن يكون المراد بهم الذين استثناهم الله تعالى في قوله سبحانه { إلا من شاء الله } [ الزمر : 68 ] وعلى الوجهين ينحل ما يقال الملائكة يموتون في الصعقة الأولى لقوله تعالى { فصعق من في السموات ومن في الأرض } [ الزمر : 68 ] فكيف يقال إنهم يقفون على أرجاء السماء وفي «أنوار التنزيل » لعل قوله تعالى : { وانشقت السماء } [ الحاقة : 16 ] الخ تمثيل لخراب العالم بخراب المبنيات وانضواء أهلها إلى أطرافها وإن كان على ظاهره فلعل موت الملائكة إثر ذلك انتهى وأنا لا أقول باحتمال التمثيل وفي «البحر » عن ابن جبير والضحاك أن ضمير أرجائها للأرض وإن بعد ذكرها قالا إنهم ينزلون إليها يحفظون أطرافها كما روى أن الله تعالى يأمر ملائكة السماء الدنيا فيقفون صفاً على حافات الأرض ثم ملائكة الثانية فيصفون حولهم ثم ملائكة كل سماء فكلما ند أحد من الجن والإنس وجد الأرض أحيط بها ولعل ما نقلناه عنهما أولى بالاعتماد { وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبّكَ فَوْقَهُمْ } أي فوق الملائكة الذين على الأرجاء المدلول عليهم بالملك وقيل فوق العالم كلهم وقيل الضمير يعود على الملائكة الحاملين أي يحمل عرش ربك فوق ظهورهم أو رؤسهم { يَوْمَئِذٍ ثمانية } والمرجع وإن تأخر لفظاً لكنه متقدم رتبة وفائدة فوقهم الدلالة على أنه ليس محمولاً بأيديهم كالمعلق مثلاً وأيد هذا واعتبار الظهور بما أخرج الترمذي وأبو داود وابن ماجه عن العباس بن عبد المطلب في حديث وفوق ذلك ثمانية أو عال بين أظلافهن ووركهن ما بين سماء إلى سماء ثم فوق ظهورهن العرش بين أسفله وأعلاه مثل ما بين السماء إلى السماء والمراد بالأوعال فيه ملائكة على صورة الأوعال كما قال ابن الأثير وغيره وهي جمع وعل بكسر العين تيس الجبل واستدل به على أن المراد ثمانية أشخاص والأخبار الدالة على ذلك كثيرة إلا أن فيها تدافعاً من حيث دلالة بعضها على أن بعضهم على صورة الإنسان وبعضهم على صورة الأسد وبعضهم على صورة الثور وبعضهم على صورة النسر ودلالة بعض آخر على أن لكل واحد منهم أربعة أوجه وجه ثور ووجه نسر ووجه أسد ووجه إنسان وفيه لكل واحد منهم أربعة أجنحة أما جناحان فعلى وجهه مخافة من أن ينظر إلى العرش فيصعق وأما جناحان فيطير بهما وأبو حيان لم يقل بصحة شيء من ذلك حيث قال ذكروا في صفات هؤلاء الثمانية أشكالاً متكاذبة ضربنا عن ذكرها صفحاً وأخرج عبد بن حميد عن ابن زيد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال يحمله اليوم أربعة ويوم القيامة ثمانية وأخرج عنه ابن أبي حاتم أنه لم يسم من حملة العرش إلا إسرافيل عليه السلام قال وميكائيل عليه السلام ليس من حملة العرش وعليه فمن زعم أنهما وجبرائيل وعزرائيل عليهم السلام من جملة حملته يلزمه إثبات ذلك بخبر يعول عليه وعن شهر بن حوشب أربعة منهم يقولون سبحانك اللهم وبحمدك لك الحمد على عفوك بعد قدرتك وأربعة يقولون سبحانك اللهم وبحمدك لك الحمد على حلمك بعد علمك وفي خبر عن وهب بن منبه ليس لهم كلام إلا قولهم قدسوا الله القوي الذي ملأت عظمته السموات وأكثر الأخبار في هذا الباب لا يعول عليه وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك أنه قال يقال ثمانية صفوف لا يعلم عدتهم إلا الله عز وجل وأخرج هذا القول ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عباس وقال الحسن الله تعالى أعلم كم هم أثمانية أصناف أم ثمانية أشخاص وأنت تعلم أن الظاهر المؤيد ببعض الأخبار المصححة أنهم ثمانية أشخاص وأياً كان فالظاهر أن هناك حملاً على الحقيقة وإليه ذهب محيي الدين قدس سره قال إن لله تعالى ملائكة يحملون العرش الذي هو السرير على كواهلهم هم اليوم أربعة وغداً يكونون ثمانية لأجل الحمل على أرض المحشر وله قدس سره في الباب الثالث عشر من فتوحاته كلام واسع في حملة العرش لاسيما إلى تفسيره بالملك فليرجع إليه من اتسع كرسي ذهنه لفهم كلامه وجوز أن يكون ذلك تمثيلاً لعظمته عز وجل بما يشاهد من أحوال السلاطين يوم خروجهم على الناس للقضاء العام فالمراد تجليه عز وجل بصفة العظمة .