واعلم أنه تعالى لما ذكر أنه أمر موسى عليه السلام بأن يذكرهم بأيام الله تعالى ، حكى عن موسى عليه السلام أنه ذكرهم بها فقال : { وإذ قال موسى لقومه اذكروا نعمة الله عليكم إذ أنجاكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب } فقوله : { إذ أنجاكم } ظرف للنعمة بمعنى الأنعام ، أي اذكروا إنعام الله عليكم في ذلك الوقت . بقي في الآية سؤالات :
السؤال الأول : ذكر في سورة البقرة : { يذبحون } وفي سورة الأعراف : { يقتلون } وههنا { ويذبحون } مع الواو فما الفرق ؟
والجواب : قال تعالى في سورة البقرة : { يذبحون } بغير واو لأنه تفسير لقوله : { سوء العذاب } وفي التفسير لا يحسن ذكر الواو تقول : أتاني القوم زيد وعمرو . لأنك أردت أن تفسر القوم بهما ومثله قوله تعالى : { ومن يفعل ذلك يلق أثاما * يضاعف له العذاب } فالآثام لما صار مفسرا بمضاعفة العذاب لا جرم حذف عنه الواو ، أما في هذه السورة فقد أدخل الواو فيه ، لأن المعنى أنهم يعذبونهم بغير التذبيح وبالتذبيح أيضا فقوله : { ويذبحون } نوع آخر من العذاب لا أنه تفسير لما قبله .
السؤال الثاني : كيف كان فعل آل فرعون بلاء من ربهم ؟
والجواب من وجهين : أحدهما : أن تمكين الله إياهم حتى فعلوا ما فعلوا كان بلاء من الله . والثاني : وهو أن ذلك إشارة إلى الإنجاء ، وهو بلاء عظيم ، والبلاء هو الابتلاء ، وذلك قد يكون بالنعمة تارة ، وبالمحنة أخرى ، قال تعالى : { ونبلوكم بالشر والخير فتنة } وهذا الوجه أولى لأنه يوافق صدر الآية وهو قوله تعالى : { وإذ قال موسى لقومه اذكروا نعمة الله عليكم } .
السؤال الثالث : هب أن تذبيح الأبناء كان بلاء ، أما استحياء النساء كيف يكون بلاء .
الجواب : كانوا يستخدمونهن بالاستحياء في الخلاص منه نعمة ، وأيضا إبقاؤهن منفردات عن الرجال فيه أعظم المضار .
وراح موسى يؤدي رسالته ، ويذكر قومه :
( وإذ قال موسى لقومه : اذكروا نعمة الله عليكم إذ أنجاكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب ، ويذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم ، وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم ) . .
إنه يذكرهم بنعمة الله عليهم . نعمة النجاة من سوء العذاب الذي كانوا يلقونه من آل فرعون ، يسامونه سوما ، أي يوالون به ويتابعون ، فلا يفتر عنهم ولا ينقطع . ومن ألوانه البارزة تذبيح الذكور من الأولاد واستحياء الإناث ، منعا لتكاثر القوة المانعة فيهم واستبقاء لضعفهم وذلهم . فإنجاء الله لهم من هذه الحال نعمة تذكر . وتذكر لتشكر .
( وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم ) . .
بلاء بالعذاب أولا ، لامتحان الصبر والتماسك والمقاومة والعزم على الخلاص والعمل له . فليس الصبر هو احتمال الذل والعذاب وكفى . ولكن الصبر هو احتمال العذاب بلا تضعضع ولا هزيمة روحية ، واستمرار العزم على الخلاص ، والاستعداد للوقوف في وجه الظلم والطغيان . وإلا فما فهو صبر مشكور ذلك الاستسلام للذل والهوان . . وبلاء بالنجاة ثانيا لامتحان الشكر ، والاعتراف بنعمة الله ، والاستقامة على الهدى في مقابل النجاة .
{ وإذ قال موسى } : أي اذكر إذ قال موسى .
{ ويستحون نساءكم } : أي يستبقونهنَّ .
{ بلاء من ربكم عظيم } : أي ابتلاء واختبار ، ويكون الخير والشر .
{ وإذ قال موسى لقومه } أي اذكر يا رسولنا إذ قال موسى لقومه من بني إسرائيل { اذكروا نعمة الله عليكم } أي لتشكروها بتوحيده وطاعته ، فإن من ذكر شكر وبين لهم نوع النعمة وهي إنجاؤهم من فرعون وملائه إذ كانوا يعذبونهم بالاضطهاد والاستعباد ، فقال : { يسومونكم سوء العذاب } أي يذيقونكم سوء العذاب وهو أسوأه وأشده ، { ويذبحون أبناءكم } أي الأطفال المولودين ، لان الكهنة أو رجال السياسة قالوا لفرعون : لا يبعد أن يسقط عرشك وتزول دولتك على أيدي رجل من بني إسرائيل فأمر بقتل المواليد فور ولادتهم فيقتلون الذكور ويستبقون الإناث للخدمة ولعدم الخوف منهن وهو معنى قوله : { ويستحيون نساءكم } وقوله تعالى : { وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم } فهو بالنظر إلى كونه عذاباً بلاء الشر ، وفي كونه نجاة منه ، بلاء الخير .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.