قوله تعالى { ولا تمش في الأرض مرحا إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها } .
اعلم أن هذا هو النوع الثاني من الأشياء التي نهى الله عنها في هذه الآيات وفيه مسائل :
المسألة الأولى : المرح شدة الفرح يقال : مرح يمرح مرحا فهو مرح ، والمراد من الآية النهي عن أن يمشي الإنسان مشيا يدل على الكبرياء والعظمة . قال الزجاج : لا تمش في الأرض مختالا فخورا ونظيره قوله تعالى في سورة الفرقان : { وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا } وقال في سورة لقمان : { واقصد في مشيك واغضض من صوتك } وقال أيضا فيها : { ولا تمش في الأرض مرحا إن الله لا يحب كل مختال فخور } .
المسألة الثانية : قال الأخفش : ولو قرئ : { مرحا } بالكسر كان أحسن في القراءة . قال الزجاج : مرحا مصدر ومرحا اسم الفاعل وكلاهما جائز ، إلا أن المصدر أحسن ههنا وأوكد ، تقول جاء زيد ركضا وراكضا فركضنا أوكد لأنه يدل على توكيد الفعل ، ثم إنه تعالى أكد النهي عن الخيلاء والتكبر فقال : { إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا } والمراد من الخرق ههنا نقب الأرض ، ثم ذكروا فيه وجوها : الأول : أن المشي إنما يتم بالارتفاع والانخفاض فكأنه قيل : إنك حال الانخفاض لا تقدر على خرق الأرض ونقبها ، وحال الارتفاع لا تقدر على أن تصل إلى رؤوس الجبال ، والمراد التنبيه على كونه ضعيفا عاجزا فلا يليق به التكبر . الثاني : المراد منه أن تحتك الأرض التي لا تقدر على خرقها . وفوقك الجبال التي لا تقدر على الوصول ، إليها فأنت محاط بك من فوقك وتحتك بنوعين من الجماد ، وأنت أضعف منهما بكثير ، والضعيف المحصور لا يليق به التكبر فكأنه قيل له : تواضع ولا تتكبر فإنك خلق ضعيف من خلق الله المحصور بين حجارة وتراب فلا تفعل فعل المقتدر القوي :
وتختم هذه الأوامر والنواهي المرتبطة بعقيدة التوحيد بالنهي عن الكبر الفارغ والخيلاء الكاذبة :
( ولا تمش في الأرض مرحا . إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا ) . .
والإنسان حين يخلو قلبه من الشعور بالخالق القاهر فوق عباده تأخذه الخيلاء بما يبلغه من ثراء أو سلطان ، أو قوة أو جمال . لو تذكر أن ما به من نعمة فمن الله ، وأنه ضعيف أمام حول الله ، لطامن من كبريائه ، وخفف من خيلائه ، ومشى على الأرض هونا لا تيها ولا مرحا .
والقرآن يحبه المتطاول المختال المرح بضعفه وعجزه وضآلته : ( إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا ) فالإنسان بجسمه ضئيل هزيل ، لا يبلغ شيئا من الأجسام الضخمة التي خلقها الله . إنما هو قوي بقوة الله ، عزيز بعزة الله ، كريم بروحه الذي نفخه الله فيه ، ليتصل به ويراقبه ولا ينساه .
ذلك التطامن والتواضع الذي يدعو إليه القرآن بترذيل المرح والخيلاء ، أدب مع الله ، وأدب مع الناس . أدب نفسي وأدب اجتماعي . وما يترك هذا الأدب إلى الخيلاء والعجب إلا فارغ صغير القلب صغير الاهتمامات . يكرهه الله لبطره ونسيان نعمته ، ويكرهه الناس لانتفاشه وتعاليه .
وفي الحديث : من تواضع لله رفعه فهو في نفسه حقير وعند الناس كبير . ومن استكبر وضعه الله ، فهو في نفسه كبير وعند الناس حقير . حتى لهو أبغض إليهم من الكلب والخنزير .
{ مرحاً } : أي ذا مرح بالكبر والخيلاء .
{ لن تخرق الأرض } : أي لن تثقبها أو تشقها بقدميك .
وقوله تعالى : { ولا تمش في الأرض مرحا } أي خيلاء وتكبرا أي مما حرم تعالى وأوصى بعدم فعله المشي في الأرض مرحا أي تكبرا واختيالا ، لأن الكبر حرام وصاحبه لا يدخل الجنة ، وقوله { إنك لن تخرق الأرض } أي برجليك أيها المتكبر لأن المتكبر يضرب الأرض برجليه اعتزازا واهتزازا ، ولن تبلغ الجبال طولا مهما تعاليت وتطاولت فإنك كغيرك من الناس لا تخر ق الأرض أي تثقبها أو تقطعها برجليك ولا تبلغ علو الجبال فلذا أترك مشية الخيلاء والتكبر ، لأن ذلك معيب ومنقصة ولا يأتيه غلا ذو حماقة وسفه .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.