فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير للشوكاني - الشوكاني  
{وَلَا تَمۡشِ فِي ٱلۡأَرۡضِ مَرَحًاۖ إِنَّكَ لَن تَخۡرِقَ ٱلۡأَرۡضَ وَلَن تَبۡلُغَ ٱلۡجِبَالَ طُولٗا} (37)

{ وَلاَ تَمْشِ فِي الأرض مَرَحًا } المرح : قيل : هو شدّة الفرح ، وقيل : التكبر في المشي ؛ وقيل : تجاوز الإنسان قدره ؛ وقيل : الخيلاء في المشي ؛ وقيل : البطر والأشر ، وقيل : النشاط . والظاهر أن المراد به هنا : الخيلاء والفخر ، قال الزجاج في تفسير الآية : لا تمش في الأرض مختالاً فخوراً ، وذكر الأرض مع أن المشي لا يكون إلاّ عليها ، أو على ما هو معتمد عليها تأكيداً وتقريراً ، ولقد أحسن من قال :

ولا تمش فوق الأرض إلاّ تواضعا *** فكم تحتها قوم هم منك أرفع

وإن كنت في عزّ وحرز ومنعة *** فكم مات من قوم هم منك أمنع

والمرح مصدر وقع حالاً ، أي : ذا مرح . وفي وضع المصدر موضع الصفة نوع تأكيد . وقرأ الجمهور { مرحاً } بفتح الراء على المصدر . وحكى يعقوب عن جماعة كسرها على أنه اسم فاعل ثم علل سبحانه هذا النهي فقال : { إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الأرض } يقال : خرق الثوب أي : شقه ، وخرق الأرض : قطعها ، والخرق : الواسع من الأرض ، والمعنى : أنك لن تخرق الأرض بمشيك عليها تكبراً ، وفيه تهكم بالمختال المتكبر { وَلَن تَبْلُغَ الجبال طُولاً } أي : ولن تبلغ قدرتك إلى أن تطاول الجبال حتى يكون عظم جثتك حاملاً لك على الكبر والاختيال ، فلا قوّة لك حتى تخرق الأرض بالمشي عليها ، ولا عظم في بدنك حتى تطاول الجبال ، فما الحامل لك على ما أنت فيه ؟ . و{ طولاً } مصدر في موضع الحال ، أو تمييز ، أو مفعول له ؛ وقيل : المراد بخرق الأرض نقبها ، لا قطعها بالمسافة . وقال الأزهري : خرقها : قطعها ، قال النحاس : وهذا أبين كأنه مأخوذ من الخرق ، وهو : الفتحة الواسعة ، ويقال : فلان أخرق من فلان : أي أكثر سفراً .

/خ41