فتح البيان في مقاصد القرآن للقنوجي - صديق حسن خان  
{وَلَا تَمۡشِ فِي ٱلۡأَرۡضِ مَرَحًاۖ إِنَّكَ لَن تَخۡرِقَ ٱلۡأَرۡضَ وَلَن تَبۡلُغَ ٱلۡجِبَالَ طُولٗا} (37)

{ وَلاَ تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً ( 37 ) }

{ وَلاَ تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا } قيل وهو شدة الفرح ، وقيل التكبر في المشي وقيل تجاوز الإنسان قدره وقيل الخيلاء في المشي ، وقيل البطر والأشر ؛ وقيل النشاط والظاهر أن المراد به الخيلاء والفخر ، قال الزجاج في تفسير الآية : لا تمش في الأرض مختالا فخورا ، وذكر الأرض مع أن المشي لا يكون إلا عليها أو على ما هو معتمد عليها تأكيدا وتقريرا ولقد أحسن من قال :

ولا تمش فوق الأرض إلا تواضعا فكم تحتها قوم هم منك أرفع

وإن كنت في عز وحرز ومنعة فكم مات من قوم هم منك أمنع والمرح مصدر وقع حالا أي ذا مرح أي مارحا متلبسا بالكبر والخيلاء وفي وضع المصدر موضع الصفة نوع تأكيد وقرئ مرحا بفتح الراء ومرحا بكسرها على أنه اسم فاعل .

ثم علل سبحانه هذا النهي فقال : { إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الأَرْضَ } يقال خرق الثوب أي شقه وخرق الأرض قطعها ، والخرق الواسع من الأرض ، والمعنى إنك لن تخرق الأرض بمشيك عليها تكبرا حتى تبلغ آخرها ، وفيه تهكم بالمختال المتكبر ، وقيل المراد بخرق الأرض نقبها لا قطعها بالمسافة ، وقال الأزهري : خرقها قطعها قال النحاس : وهذا بين كأنه مأخوذ من الخرق وهو الفتحة الواسعة ، ويقال فلان أخرق من فلان أي أكثر سفرا .

{ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً } أي ولن تبلغ قدرتك إلى أن تطاول الجبال حتى يكون عظم جثتك حاملا لك على الكبر والاختيال فلا قوة لك حتى تخرق الأرض بالمشي عليها . ولا عظم في بدنك حتى تطاول الجبال وتساويها بكبرك ، فما الحامل لك على ما أنت فيه وأنت أحقر وأصغر من كل واحد من الجمادين ، فكيف يليق بك الكبر .