مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَجَٰهِدُواْ فِي ٱللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِۦۚ هُوَ ٱجۡتَبَىٰكُمۡ وَمَا جَعَلَ عَلَيۡكُمۡ فِي ٱلدِّينِ مِنۡ حَرَجٖۚ مِّلَّةَ أَبِيكُمۡ إِبۡرَٰهِيمَۚ هُوَ سَمَّىٰكُمُ ٱلۡمُسۡلِمِينَ مِن قَبۡلُ وَفِي هَٰذَا لِيَكُونَ ٱلرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيۡكُمۡ وَتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِۚ فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱعۡتَصِمُواْ بِٱللَّهِ هُوَ مَوۡلَىٰكُمۡۖ فَنِعۡمَ ٱلۡمَوۡلَىٰ وَنِعۡمَ ٱلنَّصِيرُ} (78)

الرابع : قوله تعالى : { وجاهدوا في الله حق جهاده } قال صاحب الكشاف { في الله } أي في ذات الله ، ومن أجله . يقال هو حق عالم وجد عالم أي عالم حقا وجدا ومنه { حق جهاده } وههنا سؤالات :

السؤال الأول : ما وجه هذه الإضافة وكان القياس حق الجهاد فيه أو حق جهادكم فيه كما قال : { وجاهدوا في الله حق جهاده } ؟ والجواب : الإضافة تكون بأدنى ملابسة واختصاص ، فلما كان الجهاد مختصا بالله من حيث إنه مفعول لوجهه ومن أجله صحت الإضافة إليه .

السؤال الثاني : ما هذا الجهاد ؟ الجواب : فيه وجوه . أحدها : أن المراد قتال الكفار خاصة ، ومعنى { حق جهاده } أن لا يفعل إلا عبادة لا رغبة في الدنيا من حيث الاسم أو الغنيمة . والثاني : أن يجاهدوا آخرا كما جاهدوا أولا فقد كان جهادهم في الأول أقوى وكانوا فيه أثبت نحو صنعهم يوم بدر ، روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال لعبد الرحمان بن عوف : أما علمت أنا كنا نقرأ { وجاهدوا في الله حق جهاده } في آخر الزمان كما جاهدتموه في أوله ، فقال عبد الرحمان ومتى ذاك يا أمير المؤمنين ؟ قال إذا كانت بنو أمية الأمراء وبنو المغيرة الوزراء ، واعلم أنه يبعد أن تكون هذه الزيادة من القرآن وإلا لنقل كنقل نظائره ، ولعله إن صح ذلك عن الرسول فإنما قاله كالتفسير للآية ، وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قرأ : وجاهدوا في الله حق جهاده كما جاهدتم أول مرة . فقال عمر من الذي أمرنا بجهاده ؟ فقال قبيلتان من قريش مخزوم وعبد شمس ، فقال صدقت . والثالث : قال ابن عباس : حق جهاده ، لا تخافوا في الله لومة لائم . والرابع : قال الضحاك : واعملوا لله حق عمله . والخامس : استفرغوا وسعكم في إحياء دين الله وإقامة حقوقه بالحرب باليد واللسان وجميع ما يمكن وردوا أنفسكم عن الهوى والميل . والوجه السادس : قال عبد الله بن المبارك : حق جهاده ، مجاهدة النفس والهوى . ولما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك قال : «رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر » والأولى أن يحمل ذلك على كل التكاليف ، فكل ما أمر به ونهى عنه فالمحافظة عليه جهاد .

السؤال الثالث : هل يصح ما نقل عن مقاتل والكلبي أن هذه الآية منسوخة بقوله :

{ فاتقوا الله ما استطعتم } كما أن قوله : { اتقوا الله حق تقاته } منسوخ بذلك ؟ الجواب : هذا بعيد لأن التكليف مشروط بالقدرة لقوله تعالى : { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها } فكيف يقول الله وجاهدوا في الله على وجه لا تقدرون عليه ، وكيف وقد كان الجهاد في الأول مضيقا حتى لا يصح أن يفر الواحد من عشرة ، ثم خففه الله بقوله : { الآن خفف الله عنكم } أفيجوز مع ذلك أن يوجبه على وجه لا يطاق حتى يقال إنه منسوخ .

النوع الثالث : بيان ما يوجب قبول هذه الأوامر وهو ثلاثة . الأول : قوله : { هو اجتباكم } ومعناه أن التكليف تشريف من الله تعالى للعبد ، فلما خصكم بهذا التشريف فقد خصكم بأعظم التشريفات واختاركم لخدمته والاشتغال بطاعته ، فأي رتبة أعلى من هذا ، وأي سعادة فوق هذا ، ويحتمل في اجتباكم خصكم بالهداية والمعونة والتيسير .

أما قوله تعالى : { وما جعل عليكم في الدين من حرج } فهو كالجواب عن سؤال يذكر وهو أن التكليف وإن كان تشريفا واجبا كما ذكرتم لكنه شاق شديد على النفس ؟ فأجاب الله تعالى عنه بقوله : { وما جعل عليكم في الدين من حرج } روي أن أبا هريرة رضي الله عنه قال كيف قال الله تعالى : { وما جعل عليكم في الدين من حرج } مع أنه منعنا عن الزنا والسرقة ؟ فقال ابن عباس رضي الله عنهما : بلى ولكن الإصر الذي كان على بني إسرائيل وضع عنكم ، وههنا سؤالات :

السؤال الأول : ما الحرج في أصل اللغة ؟ الجواب : روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال لبعض هذيل ما تعدون الحرج فيكم ؟ قال الضيق ، وعن عائشة رضي الله عنها : «سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال الضيق » .

السؤال الثاني : ما المراد من الحرج في الآية ؟ الجواب : قيل هو الإتيان بالرخص ، فمن لم يستطع أن يصلي قائما فليصل جالسا ومن لم يستطع ذلك فليؤم ، وأباح للصائح الفطر في السفر والقصر فيه . وأيضا فإنه سبحانه لم يبتل عبده بشيء من الذنوب إلا وجعل له مخرجا منها إما بالتوبة أو بالكفارة ، وعن ابن عمر رضي الله عنهما «أنه من جاءته رخصة فرغب عنها كلف يوم القيامة أن يحمل ثقل تنين حتى يقضى بين الناس » وعن النبي صلى الله عليه وسلم «إذا اجتمع أمران فأحبهما إلى الله تعالى أيسرهما » وعن كعب : أعطى الله هذه الأمة ثلاثا لم يعطهن إلا للأنبياء : «جعلهم شهداء على الناس ، وما جعل عليهم في الدين من حرج ، وقال أدعوني أستجب لكم » .

السؤال الثالث : استدلت المعتزلة بهذه الآية في المنع من تكليف ما لا يطاق ، فقالوا : لما خلق الله الكفر والمعصية في الكافر والعاصي ثم نهاه عنهما كان ذلك من أعظم الحرج وذلك منفي بصريح هذا النص والجواب : لما أمره بترك الكفر وترك الكفر يقتضي انقلاب علمه جهلا فقد أمر الله المكلف بقلب علم الله جهلا وذلك من أعظم الحرج ، ولما استوى القدمان زال السؤال .

الموجب الثاني : لقبول التكليف قوله : { ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل } وفي نصب الملة وجهان : أحدهما : وهو قول الفراء أنها منصوبة بمضمون ما تقدمها كأنه قيل وسع دينكم توسعة ملة أبيكم إبراهيم ، ثم حذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه والثاني : أن يكون منصوبا على المدح والتعظيم أي أعني بالدين ملة أبيكم إبراهيم ، واعلم أن المقصود من ذكره التنبيه على أن هذه التكاليف والشرائع هي شريعة إبراهيم عليه الصلاة والسلام . والعرب كانوا محبين لإبراهيم عليه السلام لأنهم من أولاده ، فكان التنبيه على ذلك كالسبب لصيروتهم منقادين لقبول هذا الدين وههنا سؤالات :

السؤال الأول : لم قال : { ملة أبيكم إبراهيم } ولم يدخل في الخطاب المؤمنون الذين كانوا في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يكن من ولده ؟ والجواب من وجهين : أحدهما : لما كان أكثرهم من ولده كالرسول ورهطه وجميع العرب جاز ذلك وثانيهما : وهو قول الحسن أن الله تعالى جعل حرمة إبراهيم عليه السلام على المسلمين كحرمة الوالد على ولده ، ومنه قوله تعالى : { النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم } فجعل حرمته كحرمة الوالد على الولد ، وحرمة نسائه كحرمة الوالدة على ما قال تعالى : { وأزواجه أمهاتهم } .

السؤال الثاني : هذا يقتضي أن تكون ملة محمد كملة إبراهيم عليهما السلام سواء ، فيكون الرسول ليس له شرع مخصوص ويؤكده قوله تعالى : { أن اتبع ملة إبراهيم } ، الجواب : هذا الكلام إنما وقع مع عبدة الأوثان ، فكأنه تعالى قال : عبادة الله وترك الأوثان هي ملة إبراهيم فأما تفاصيل الشرائع فلا تعلق لها بهذا الموضع .

السؤال الثالث : ما معنى قوله تعالى : { هو سماكم المسلمين من قبل } ؟ الجواب فيه قولان : أحدهما : أن الكناية راجعة إلى إبراهيم عليه السلام ، فإن لكل نبي دعوة مستجابة وهو قول إبراهيم عليه الصلاة والسلام : { ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك } فاستجاب الله تعالى له فجعلها أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، وروي أنه عليه الصلاة والسلام أخبر بأن الله تعالى سيبعث محمدا بمثل ملته وأنه ستسمى أمته بالمسلمين . والثاني : أن الكناية راجعة إلى الله تعالى في قوله : { هو اجتباكم } فروى عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : «إن الله سماكم المسلمين من قبل » أي في كل الكتب ، وفي هذا أي في القرآن . وهذا الوجه أقرب لأنه تعالى قال : { ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس } فبين أنه سماهم بذلك لهذا الغرض وهذا لا يليق إلا بالله ، ويدل عليه أيضا قراءة أبي بن كعب { الله سماكم } والمعنى أنه سبحانه في سائر الكتب المتقدمة على القرآن ، وفي القرآن أيضا بين فضلكم على الأمم وسماكم بهذا الاسم الأكرم ، لأجل الشهادة المذكورة . فلما خصكم الله بهذه الكرامة فاعبدوه ولا تردوا تكاليفه . وهذا هو العلة الثالثة : الموجبة لقبول التكليف ، وأما الكلام في أنه كيف يكون الرسول شهيدا علينا ، وكيف تكون أمته شهداء على الناس ؟ فقد تقدم في سورة البقرة ، وبينا أنه أخذ منه ما يدل على أن الإجماع حجة .

النوع الرابع : شرح ما يجري مجرى المؤكد لما مضى ، وهو قوله : { فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة } ويجب صرفها إلى المفروضات لأنها هي المعهودة { واعتصموا بالله } أي بدلائله العقلية والسمعية وألطافه وعصمته ، قال ابن عباس : «سلوا الله العصمة عن كل المحرمات » وقال القفال : اجعلوا الله عصمة لكم مما تحذرون هو مولاكم وسيدكم المتصرف فيكم فنم المولى ونعم البصير ، فكأنه سبحانه قال أنا مولاك بل أنا ناصرك وحسبك ، واعلم أن المعتزلة احتجوا بهذه الآيات من وجوه . أحدها : أن قوله : { لتكونوا شهداء على الناس } يدل على أنه سبحانه أراد الإيمان من الكل ، لأنه تعالى لا يجعل الشهيد على عباده إلا من كان عدلا مرضيا ، فإذا أراد أن تكونوا شهداء على الناس فقد أراد أن تكونوا جميعا صالحين عدولا ، وقد علمنا أن منهم فاسقا ، فدل ذلك على أن الله تعالى أراد من الفسق كونه عدلا . وثانيها : قوله : { واعتصموا بالله } وكيف يمكن الاعتصام به مع أن الشر لا يوجد إلا منه ؟ وثالثها : قوله : { فنعم المولى } لأنه لو كان كما يقوله أهل السنة من أنه خلق أكثر عباده ليخلق فيهم الكفر والفساد ثم يعذبهم لما كان نعم المولى ، بل كان لا يوجد من شرار الموالي أحد إلا وهو شر منه . فكان يجب أن يوصف بأنه بئس المولى وذلك باطل فدل على أنه سبحانه ما أراد من جميعهم إلا الصلاح . فإن قيل لم لا يجوز أن يكون نعم المولى للمؤمنين خاصة كما أنه نعم النصير لهم خاصة ؟ قلنا إنه تعالى مولى المؤمنين والكافرين جميعا{[9]} فيجب أن يقال إنه نعم المولى للمؤمنين وبئس المولى للكافرين . فإن ارتكبوا ذلك فقد ردوا القرآن والإجماع وصرحوا بشتم الله تعالى ، ورابعها : أن قوله : { سمذاكم المسلمين من قبل } يدل على إثبات الأسماء الشرعية وأنها من قبل الله تعالى لأنها لو كانت لغة لما أضيفت إلى الله تعالى على وجه الخصوص . والجواب : عن الأول وهو قوله كونه تعالى مريدا لكونه شاهدا يستلزم كونه مريدا لكونه عدلا ، فنقول : إن كانت إرادة الشيء مستلزمة لإرادة لوازمه فإرادة الإيمان من الكافر توجب أن تكون مستلزمة لإرادة جهل الله تعالى فيلزم كونه تعالى مريدا لجهل نفسه . وإن لم يكن ذلك واجبا سقط الكلام .

وأما قوله : { واعتصموا بالله } فيقال هذا أيضا وارد عليكم فإنه سبحانه خلق الشهوة في قلب الفاسق وأكدها وخلق المشتهى وقربه منه ورفع المانع ثم سلط عليه الشياطين من الإنس والجن وعلم أنه لا محالة يقع في الفجور والضلال ، وفي الشاهد كل من فعل ذلك فإنه يكون بئس المولى ، فإن صح قياس الغائب على الشاهد فهذا لازم عليكم وإن بطل سقط كلامكم بالكلية .


[9]:كيف هذا مع قوله تعالى في سورة محمد عليه السلام {ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم} ولتوجيه هذا الكلام يقال المولى في الآيات بمعنى الناصر والمعين، وقد عنى به المضيف السيد والمالك والرب.
 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَجَٰهِدُواْ فِي ٱللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِۦۚ هُوَ ٱجۡتَبَىٰكُمۡ وَمَا جَعَلَ عَلَيۡكُمۡ فِي ٱلدِّينِ مِنۡ حَرَجٖۚ مِّلَّةَ أَبِيكُمۡ إِبۡرَٰهِيمَۚ هُوَ سَمَّىٰكُمُ ٱلۡمُسۡلِمِينَ مِن قَبۡلُ وَفِي هَٰذَا لِيَكُونَ ٱلرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيۡكُمۡ وَتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِۚ فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱعۡتَصِمُواْ بِٱللَّهِ هُوَ مَوۡلَىٰكُمۡۖ فَنِعۡمَ ٱلۡمَوۡلَىٰ وَنِعۡمَ ٱلنَّصِيرُ} (78)

58

( وجاهدوا في الله حق جهاده ) . . وهو تعبير شامل جامح دقيق ، يصور تكليفا ضخما ، يحتاج إلى تلك التعبئة وهذه الذخيرة وذلك الإعداد . .

( وجاهدوا في الله حق جهاده ) . . والجهاد في سبيل الله يشمل جهاد الأعداء ، وجهاد النفس ، وجهاد الشر والفساد . . كلها سواء . .

( وجاهدوا في الله حق جهاده ) . . فقد انتدبكم لهذه الأمانة الضخمة ، واختاركم لها من بين عباده : ( هو اجتباكم ) . . وإن هذا الاختيار ليضخم التبعة ، ولا يجعل هنالك مجالا للتخلي عنها أو الفرار ! وإنه لإكرام من الله لهذه الأمة ينبغي أن يقابل منها بالشكر وحسن الأداء !

وهو تكليف محفوف برحمة الله : ( وما جعل عليكم في الدين من حرج ) . . وهذا الدين كله بتكاليفه وعباداته وشرائعه ملحوظ فيه فطرة الإنسان وطاقته . ملحوظ فيه تلبيته تلك الفطرة . وإطلاق هذه الطاقة ، والاتجاه بها إلى البناء والاستعلاء . فلا تبقى حبيسة كالبخار المكتوم . ولا تنطلق انطلاق الحيوان الغشيم !

وهو منهج عريق أصيل في ماضي البشرية ، موصول الماضي بالحاضر : ( ملة أبيكم إبراهيم )وهو منبع التوحيد الذي اتصلت حلقاته منذ عهد إبراهيم - عليه السلام - فلم تنقطع من الأرض ، ولم تفصل بينها فجوات مضيعة لمعالم العقيدة كالفجوات التي كانت بين الرسالات قبل إبراهيم عليه السلام .

وقد سمى الله هذه الأمة الموحدة بالمسلمين . سماها كذلك من قبل وسماها كذلك في القرآن : ( هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ) . .

والإسلام إسلام الوجه والقلب لله وحده بلا شريك . فكانت الأمة المسلمة ذات منهج واحد على تتابع الأجيال والرسل والرسالات . حتى انتهى بها المطاف إلى أمة محمد [ صلى الله عليه وسلم ] وحتى سلمت إليها الأمانة ، وعهد إليها بالوصاية على البشرية . فاتصل ماضيها بحاضرها بمستقبلها كما أرادها الله : ( ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس ) . . فالرسول [ صلى الله عليه وسلم ] يشهد على هذه الأمة ، ويحدد نهجها واتجاهها ، ويقرر صوابها وخطأها . وهي تشهد على الناس بمثل هذا ، فهي القوامة على البشرية بعد نبيها ؛ وهي الوصية على الناس بموازين شريعتها ، وتربيتها وفكرتها عن الكون والحياة . ولن تكون كذلك إلا وهي أمينة على منهجها العريق المتصل الوشائج ، المختار من الله .

ولقد ظلت هذه الأمة وصية على البشرية طالما استمسكت بذلك المنهج الإلهي وطبقته في حياتها الواقعية . حتى إذا انحرفت عنه ، وتخلت عن تكاليفه ، ردها الله عن مكان القيادة إلى مكان التابع في ذيل القافلة . وما تزال . ولن تزال حتى تعود إلى هذا الأمر الذي اجتباها له الله .

هذا الأمر يقتضي الاحتشاد له والاستعداد . . ومن ثم يأمرها القرآن بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والاعتصام بالله :

فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا بالله . هو مولاكم . فنعم المولى ونعم المصير . .

فالصلاة صلة الفرد الضعيف الفاني بمصدر القوة والزاد . والزكاة صلة الجماعة بعضها ببعض والتأمين من الحاجة والفساد . والاعتصام بالله العروة الوثقى التي لا تنفصم بين المعبود والعباد .

بهذه العدة تملك الأمة المسلمة أن تنهض بتكاليف الوصاية على البشرية التي اجتباها لها الله . وتملك الانتفاع بالموارد والطاقات المادية التي تعارف الناس على أنها مصادر القوة في الأرض . والقرآن الكريم لا يغفل من شأنها ، بل يدعو إلى إعدادها . ولكن مع حشد القوى والطاقات والزاد الذي لا ينفد ، والذي لا يملكه إلا المؤمنون بالله .

فيوجهون به الحياة إلى الخير والصلاح والاستعلاء .

إن قيمة المنهج الإلهي للبشرية أنه يمضي بها قدما إلى الكمال المقدر لها في هذه الأرض ؛ ولا يكتفي بأن يقودها للذائذ والمتاع وحدهما كما تقاد الأنعام .

وإن القيم الإنسانية العليا لتعتمد على كفاية الحياة المادية ، ولكنها لا تقف عند هذه المدارج الأولى . وكذلك يريدها الإسلام في كنف الوصاية الرشيدة ، المستقيمة على منهج الله في ظل الله . .

 
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{وَجَٰهِدُواْ فِي ٱللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِۦۚ هُوَ ٱجۡتَبَىٰكُمۡ وَمَا جَعَلَ عَلَيۡكُمۡ فِي ٱلدِّينِ مِنۡ حَرَجٖۚ مِّلَّةَ أَبِيكُمۡ إِبۡرَٰهِيمَۚ هُوَ سَمَّىٰكُمُ ٱلۡمُسۡلِمِينَ مِن قَبۡلُ وَفِي هَٰذَا لِيَكُونَ ٱلرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيۡكُمۡ وَتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِۚ فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱعۡتَصِمُواْ بِٱللَّهِ هُوَ مَوۡلَىٰكُمۡۖ فَنِعۡمَ ٱلۡمَوۡلَىٰ وَنِعۡمَ ٱلنَّصِيرُ} (78)

شرح الكلمات :

{ حق جهاده } : أي الجهاد الحق الذي شرعه الله تعالى وأمر به وهو جهاد الكفر والشيطان والنفس والهوى .

{ اجتباكم } : أي اختاركم لحمل دعوة الله إلى الناس كافة .

{ من حرج } : أي من ضيق وتكليف لا يطاق .

{ ملة أبيكم } : أي الزموا ملة أبيكم إبراهيم وهي عبادة الله وحده لا شريك له . { وفي هذا } : أي القرآن .

{ اعتصموا بالله } : أي تمسكوا بدينه وثقوا في نصرته وحسن مثوبته .

{ ونعم النصير } : أي هو تعالى نعم النصير أي الناصر لكم .

المعنى :

وقوله : { وجاهدوا في سبيل الله حق جهاده } أي أمرهم أيضاً بأمر هام وهو جهاد الكفار حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله ومعنى حق جهاده أي كما ينبغي الجهاد من استفراغ الجهد والطاقة كلها نفساً ومالاً ودعوة وقوله : { وما جعل عليكم في الدين من حرج } هذه مِنَّة ذكَر بها تعالى المؤمنين حتى يشكروا الله بفعل ما أمرهم به أي لم يضيق عليكم فيما أمركم به بل وسع فجعل التوبة لكل ذنب ، وجعل الكفارة لبعض الذنوب ، ورخص للمسافر والمريض في قصر الصلاة والصيام ، ولمن لم يجد الماء أو عجز عن استعماله في التيمُم .

وقوله : { ملة أبيكم إبراهيم } أي الزموا ملة أبيكم وقوله : { هو سماكم المسلمين } أي الله جل جلاله هو الذي سماهم المسلمين في الكتب السابقة وفي القرآن وهو معنى قوله : { هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا } أي القرآن وقوله : { ليكون الرسول شهيداً عليكم وتكونوا شهداء على الناس } أي اجتباكم أيها المؤمنون لدينه الإسلامي وسماكم المسلمين ليكون الرسول شهيداً عليكم يوم القيامة بأنه قد بلغكم ما أرسل به إليكم وتكونوا أنتم شهداء حينئذ على الرسل أجمعين أنهم قد بلغوا أممهم ما أرسل به إليهم وعليه فاشكروا هذا الإنعام والإِكرام لله تعالى { فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا بالله } أي تمسكوا بشرعه عقيدة وعبادة وخلقاً وأدباًَ وقضاءاً وحكماً ، وقوله تعالى : { هو مولاكم } أي سيدكم ومالك أمركم { فنعم المولى } هو سبحانه وتعالى { ونعم النصير } أي الناصر لكم ما دمتم أولياءه تعيشون على الإيمان والتقوى .

الهداية

من الهداية :

- فضل الجهاد في سبيل الله وهو جهاد الكفار ، وان لا تأخذ المؤمن في الله لومة لائم .

- فضيلة هذه الأمة المسلمة حيث أعطيت ثلاثاً لم يعطها إلا نبي كان يقال للنبي عليه السلام اذهب فليس عليك حرج فقال الله لهذه الأمة : { وما جعل عليكم في الدين من حرج } وكان يقال للنبي عليه السلام أنت شهيد على قومك وقال الله : { لتكونوا شهداء على الناس } وكان يقال للنبي سل تعطه وقال الله لهذه الأمة : { ادعوني استجب لكم } دل على هذا قوله تعالى : { هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج } .

- فرضية الصلاة ، والزكاة ، والتمسك بالشريعة .