قوله تعالى : { قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم وحرموا ما رزقهم الله افتراء على الله قد ضلوا وما كانوا مهتدين }
المسألة الأولى : أنه تعالى ذكر فيما تقدم قتلهم أولادهم وتحريمهم ما رزقهم الله . ثم إنه تعالى جمع هذين الأمرين في هذه الآية وبين ما لزمهم على هذا الحكم ، وهو الخسران والسفاهة ، وعدم العلم ، وتحريم ما رزقهم الله ، والافتراء على الله ، والضلال وعدم الاهتداء ، فهذه أمور سبعة وكل واحد منها سبب تام في حصول الذم .
أما الأول : وهو الخسران ، وذلك لأن الولد نعمة عظيمة من الله على العبد ، فإذا سعى في إبطاله ، فقد خسر خسرانا عظيما لا سيما ويستحق على ذلك الإبطال الذم العظيم في الدنيا ، والعقاب العظيم في الآخرة . أما الذم في الدنيا فلأن الناس يقولون قتل ولده خوفا من أن يأكل طعامه وليس في الدنيا ذم أشد منه . وأما العقاب في الآخرة ، فلأن قرابة الولادة أعظم موجبات المحبة فمع حصولها إذا أقدم على إلحاق أعظم المضار به كان ذلك أعظم أنواع الذنوب ، فكان موجبا لأعظم أنواع العقاب .
والنوع الثاني : السفاهة وهي عبارة عن الخفة المذمومة ، وذلك لأن قتل الولد إنما يكون للخوف من الفقر ، والفقر وإن كان ضررا إلا أن القتل أعظم منه ضررا ، وأيضا فهذا القتل ناجز وذلك الفقر موهوم فالتزام أعظم المضار على سبيل القطع حذرا من ضرر قليل موهوم ، لا شك أنه سفاهة .
والنوع الثالث : قوله : { بغير علم } فالمقصود أن هذه السفاهة إنما تولدت من عدم العلم ولا شك أن الجهل أعظم المنكرات والقبائح .
والنوع الرابع : تحريم ما أحل الله لهم ، وهو أيضا من أعظم أنواع الحماقة ، لأنه يمنع نفسه تلك المنافع والطيبات ، ويستوجب بسبب ذلك المنع أعظم أنواع العذاب والعقاب .
والنوع الخامس : الافتراء على الله ، ومعلوم أن الجراءة على الله ، والافتراء عليه أعظم الذنوب وأكبر الكبائر .
والنوع السادس : الضلال عن الرشد في مصالح الدين ومنافع الدنيا .
والنوع السابع : أنهم ما كانوا مهتدين ، والفائدة فيه أنه قد يضل الإنسان عن الحق إلا أن يعود إلى الاهتداء ، فبين تعالى أنهم قد ضلوا ولم يحصل لهم الاهتداء قط فثبت أنه تعالى ذم الموصوفين بقتل الأولاد وتحريم ما أحله الله تعالى لهم بهذه الصفات السبعة الموجبة لأعظم أنواع الذم ، وذلك نهاية المبالغة .
وإن الإنسان ليعجب ، وهو يستعرض مع السياق القرآني هذه الضلالات ، وما تحمله أصحابها من أعباء وخسائر وتضحيات . . يعجب لتكاليف الانحراف عن شرع الله ونهجه ، تلك التي يتحملها المنحرفون عن صراط الله المستقيم . ولأثقال الخرافة والغموض والوهم التي يتبعها الضالون . ولأغلال العقيدة الفاسدة في المجتمع والضمير . . نعم يعجب للعقيدة المنحرفة تكلف الناس حتى فلذات أكبادهم ، فوق ما تكلفهم من تعقيد الحياة واضطرابها ، والسير فيها بلا ضابط ، سوى الوهم والهوى والتقليد . وأمامهم التوحيد البسيط الواضح ؛ يطلق الضمير البشري من أوهام الوهم والخرافة ؛ ويطلق العقل البشري من عقال التقليد الأعمى ؛ ويطلق المجتمع البشري من الجاهلية وتكاليفها ؛ ويطلق " الإنسان " من العبودية للعبيد - سواء فيما يشترعونه من قوانين ، وما يصنعونه من قيم وموازين - ويحل محل هذا كله عقيدة واضحة مفهومة مضبوطة ، وتصورا واضحا ميسرا مريحا ، ورؤية لحقائق الوجود والحياة كاملة عميقة ، وانطلاقا من العبودية للعبيد ، وارتفاعا إلى مقام العبودية لله وحده . . المقام الذي لا يرتقي إلى أعلى درجاته إلا الأنبياء !
ألا إنها الخسارة الفادحة - هنا في الدنيا قبل الآخرة - حين تنحرف البشرية عن صراط الله المستقيم ؛ وتتردى في حمأة الجاهلية ؛ وترجع إلى العبودية الذليلة لأرباب من العبيد :
( قد خسر الذين قتلوا أولادهم - سفها بغير علم - وحرموا ما رزقهم الله - افتراء على الله - قد ضلوا وما كانوا مهتدين ) . .
خسروا الخسارة المطلقة . خسروا في الدنيا والآخرة . خسروا أنفسهم وخسروا أولادهم . خسروا عقولهم وخسروا أرواحهم . خسروا الكرامة التي جعلها الله لهم بإطلاقهم من العبودية لغيره ؛ وأسلموا أنفسهم لربوبية العبيد ؛ حين أسلموها لحاكمية العبيد ! وقبل ذلك كله خسروا الهدى بخسارة العقيدة ، خسروا الخسارة المؤكدة ، وضلوا الضلال الذي لا هداية فيه :
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.