مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{قُلۡ إِن كَانَ ءَابَآؤُكُمۡ وَأَبۡنَآؤُكُمۡ وَإِخۡوَٰنُكُمۡ وَأَزۡوَٰجُكُمۡ وَعَشِيرَتُكُمۡ وَأَمۡوَٰلٌ ٱقۡتَرَفۡتُمُوهَا وَتِجَٰرَةٞ تَخۡشَوۡنَ كَسَادَهَا وَمَسَٰكِنُ تَرۡضَوۡنَهَآ أَحَبَّ إِلَيۡكُم مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَجِهَادٖ فِي سَبِيلِهِۦ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّىٰ يَأۡتِيَ ٱللَّهُ بِأَمۡرِهِۦۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡفَٰسِقِينَ} (24)

قوله تعالى : { قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين } .

اعلم أن هذه الآية هي تقرير الجواب الذي ذكره في الآية الأولى ، وذلك لأن جماعة من المؤمنين قالوا يا رسول الله ، كيف يمكن البراءة منهم بالكلية ؟ وأن هذه البراءة توجب انقطاعنا عن آبائنا وإخواننا وعشيرتنا وذهاب تجارتنا ، وهلاك أموالنا وخراب ديارنا ، وإبقاءنا ضائعين فبين تعالى أنه يجب تحمل جميع هذه المضار الدنيوية ليبقى الدين سليما ، وذكر أنه إن كانت رعاية هذه المصالح الدنيوية عندكم أولى من طاعة الله وطاعة رسوله ومن المجاهدة في سبيل الله ، فتربصوا بما تحبون حتى يأتي الله بأمره ، أي بعقوبة عاجلة أو آجلة ، والمقصود منه الوعيد .

ثم قال : { والله لا يهدي القوم الفاسقين } أي الخارجين عن طاعته إلى معصيته وهذا أيضا تهديد ، وهذه الآية تدل على أنه إذا وقع التعارض بين مصلحة واحدة من مصالح الدين وبين جميع مهمات الدنيا ، وجب على المسلم ترجيح الدين على الدنيا . قال الواحدي : قوله : { وعشيرتكم } عشيرة الرجل : أهله الأدنون ، وهم الذين يعاشرونه ، وقرأ أبو بكر عن عاصم { وعشيراتكم } بالجمع والباقون على الواحد . أما من قرأ بالجمع ، فذلك لأن كل واحد من المخاطبين له عشيرة ، فإذا جمعت قلت : عشيراتكم . ومن أفرد قال العشيرة واقعة على الجمع واستغنى عن جمعها ، ويقوي ذلك أن الأخفش قال : لا تكاد العرب تجمع عشيرة على عشيرات إنما يجمعونها على عشائر ، وقوله : { وأموال اقترفتموها } الاقتراف الاكتساب .

واعلم أنه تعالى ذكر الأمور الداعية إلى مخالطة الكفار ، وهى أمور أربعة : أولها : مخالطة الأقارب ، وذكر منهم أربعة أصناف على التفصيل وهم الآباء والأبناء والأخوان والأزواج ، ثم ذكر البقية بلفظ واحد يتناول الكل ، وهي لفظ العشيرة . وثانيها : الميل إلى إمساك الأموال المكتسبة . وثالثها : الرغبة في تحصيل الأموال بالتجارة . ورابعها : الرغبة في المساكن ، ولا شك أن هذا الترتيب ترتيب حسن ، فإن أعظم الأسباب الداعية إلى المخالطة القرابة ثم إنه يتوصل بتلك المخالطة إلى إبقاء الأموال الحاصلة . ثم إنه يتوصل بالمخالطة إلى اكتساب الأموال التي هي غير حاصلة ، وفي آخر المراتب الرغبة في البناء في الأوطان والدور التي بنيت لأجل السكنى ، فذكر تعالى هذه الأشياء على هذا الترتيب الواجب ، وبين بالآخرة أن رعاية الدين خير من رعاية جملة هذه الأمور .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{قُلۡ إِن كَانَ ءَابَآؤُكُمۡ وَأَبۡنَآؤُكُمۡ وَإِخۡوَٰنُكُمۡ وَأَزۡوَٰجُكُمۡ وَعَشِيرَتُكُمۡ وَأَمۡوَٰلٌ ٱقۡتَرَفۡتُمُوهَا وَتِجَٰرَةٞ تَخۡشَوۡنَ كَسَادَهَا وَمَسَٰكِنُ تَرۡضَوۡنَهَآ أَحَبَّ إِلَيۡكُم مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَجِهَادٖ فِي سَبِيلِهِۦ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّىٰ يَأۡتِيَ ٱللَّهُ بِأَمۡرِهِۦۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡفَٰسِقِينَ} (24)

ولا يكتفي السياق بتقرير المبدأ ، بل يأخذ في استعراض ألوان الوشائج والمطامع واللذائذ ؛ ليضعها كلها في كفة ويضع العقيدة ومقتضياتها في الكفة الأخرى : الآباء والأبناء والإخوان والأزواج والعشيرة [ وشيجة الدم والنسب والقرابة والزواج ] والأموال والتجارة [ مطمع الفطرة ورغبتها ] والمساكن المريحة [ متاع الحياة ولذتها ] . . وفي الكفة الأخرى : حب الله ورسوله وحب الجهاد في سبيله . الجهاد بكل مقتضياته وبكل مشقاته . الجهاد وما يتبعه من تعب ونصب ، وما يتبعه من تضييق وحرمان ، وما يتبعه من ألم وتضحية ، وما يتبعه من جراح واستشهاد . . وهو - بعد هذا كله - " الجهاد في سبيل الله " مجردا من الصيت والذكر والظهور . مجردا من المباهاة ، والفخر والخيلاء . مجردا من إحساس أهل الأرض به وإشارتهم إليه وإشادتهم بصاحبه . وإلا فلا أجر عليه ولا ثواب . .

( قل : إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها ، وتجارة تخشون كسادها ، ومساكن ترضونها ، أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله . . فتربصوا حتى يأتي الله بأمره . . . )

ألا إنها لشاقة . ألا وإنها لكبيرة . ولكنها هي ذاك . . وإلا :

( فتربصوا حتى يأتي الله بأمره ) .

وإلا فتعرضوا لمصير الفاسقين :

( والله لا يهدي القوم الفاسقين ) . .

وهذا التجرد لا يطالب به الفرد وحده ، إنما تطالب به الجماعة المسلمة ، والدولة المسلمة . فما يجوز أن يكون هناك اعتبار لعلاقة أو مصلحة يرتفع على مقتضيات العقيدة في الله ومقتضيات الجهاد في سبيل الله .

وما يكلف الله الفئة المؤمنة هذا التكليف ، إلا وهو يعلم أن فطرتها تطيقه - فالله لا يكلف نفسا إلا وسعها - وإنه لمن رحمة الله بعباده أن أودع فطرتهم هذه الطاقة العالية من التجرد والاحتمال ؛ وأودع فيها الشعور بلذة علوية لذلك التجرد لا تعدلها لذائذ الأرض كلها . . لذة الشعور بالاتصال بالله ، ولذة الرجاء في رضوان الله ، ولذة الاستعلاء على الضعف والهبوط ، والخلاص من ثقلة اللحم والدم ، والارتفاع إلى الأفق المشرق الوضيء . فإذا غلبتها ثقلة الأرض ففي التطلع إلى الأفق ما يجدد الرغبة الطامعة في الخلاص والفكاك .

 
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{قُلۡ إِن كَانَ ءَابَآؤُكُمۡ وَأَبۡنَآؤُكُمۡ وَإِخۡوَٰنُكُمۡ وَأَزۡوَٰجُكُمۡ وَعَشِيرَتُكُمۡ وَأَمۡوَٰلٌ ٱقۡتَرَفۡتُمُوهَا وَتِجَٰرَةٞ تَخۡشَوۡنَ كَسَادَهَا وَمَسَٰكِنُ تَرۡضَوۡنَهَآ أَحَبَّ إِلَيۡكُم مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَجِهَادٖ فِي سَبِيلِهِۦ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّىٰ يَأۡتِيَ ٱللَّهُ بِأَمۡرِهِۦۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡفَٰسِقِينَ} (24)

شرح الكلمات :

{ وعشيرتكم } : أي قرابتكم من النسب كالأعمام الأباعد وأبنائهم .

{ اقترفتموها } : أي اكتسبتموها .

{ كسادها } : بوارها وعدم رواجها .

{ فتربصوا } : أي انتظروا .

{ حتى يأتي الله بأمره } : أي بعقوبة هذه المعصية يوم فتح مكة .

المعنى :

ثم أمر تعالى رسوله أن يقول لهم ، وفي هذا العدول عن خطابهم مباشرة إلى الواسطة ما يشعر بالغضب وعدم الرضى ، والتهديد والوعيد { قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله } فتركتم الهجرة والجهاد لذلك { فتربصوا حتى يأتي الله بأمره } أي انتظروا أمر الله وهو فتح مكة عليكم وإنزال العقوبة بكم ، { والله لا يهدي القوم الفاسقين } أي لا يوفقهم لسبيل نجاتهم وسعاتهم .

الهداية

من الهداية :

- فرضية محبة الله ورسوله والجهاد في سبيله ، ومحبة سائر محاب الله تعالى وكره سائر مكاره الله تعالى من العقائد والأحوال والأعمال الذوات والصفات .

- حرمان أهل الفسق المتوغلين فيه من هداية الله تعالى إلى ما يكملهم ويسعدهم .