مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{مُّحَمَّدٞ رَّسُولُ ٱللَّهِۚ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥٓ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلۡكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيۡنَهُمۡۖ تَرَىٰهُمۡ رُكَّعٗا سُجَّدٗا يَبۡتَغُونَ فَضۡلٗا مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضۡوَٰنٗاۖ سِيمَاهُمۡ فِي وُجُوهِهِم مِّنۡ أَثَرِ ٱلسُّجُودِۚ ذَٰلِكَ مَثَلُهُمۡ فِي ٱلتَّوۡرَىٰةِۚ وَمَثَلُهُمۡ فِي ٱلۡإِنجِيلِ كَزَرۡعٍ أَخۡرَجَ شَطۡـَٔهُۥ فَـَٔازَرَهُۥ فَٱسۡتَغۡلَظَ فَٱسۡتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِۦ يُعۡجِبُ ٱلزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ ٱلۡكُفَّارَۗ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَٰتِ مِنۡهُم مَّغۡفِرَةٗ وَأَجۡرًا عَظِيمَۢا} (29)

وقوله { محمد رسول الله } فيه وجوه ( أحدها ) خبر مبتدأ محذوف تقديره هو محمد الذي سبق ذكره بقوله { أرسل رسوله } ورسول الله عطف بيان ( وثانيها ) أن محمدا مبتدأ خبره رسول الله وهذا تأكيد لما تقدم لأنه لما قال : { هو الذي أرسل رسوله } ولا تتوقف رسالته إلا على شهادته ، وقد شهد له بها محمد رسول الله من غير نكير ( وثالثها ) وهو مستنبط وهو أن يقال { محمد } مبتدأ و{ رسول الله } عطف بيان سيق للمدح لا للتمييز { والذين معه } عطف على محمد ، وقوله { أشداء } خبره ، كأنه تعالى قال : { والذين معه } جميعهم { أشداء على الكفار رحماء بينهم } لأن وصف الشدة والرحمة وجد في جميعهم ، أما في المؤمنين فكما في قوله تعالى : { أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين } وأما في حق النبي صلى الله عليه وسلم فكما في قوله { واغلظ عليهم } وقال في حقه { بالمؤمنين رءوف رحيم } وعلى هذا قوله { تراهم } لا يكون خطابا مع النبي صلى الله عليه وسلم بل يكون عاما أخرج مخرج الخطاب تقديره أيها السامع كائنا من كان ، كما قلنا إن الواعظ يقول انتبه قبل أن يقع الانتباه ولا يريد به واحدا بعينه ، وقوله تعالى : { يبتغون فضلا من الله ورضوانا } لتمييز ركوعهم وسجودهم عن ركوع الكفار وسجودهم ، وركوع المرائي وسجوده ، فإنه لا يبتغي به ذلك . وفيه إشارة إلى معنى لطيف وهو أن الله تعالى قال الراكعون والساجدون { ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله } وقال الراكع يبتغي الفضل ولم يذكر الأجر لأن الله تعالى إذا قال لكم أجر كان ذلك منه تفضلا ، وإشارة إلى أن عملكم جاء على ما طلب الله منكم ، لأن الأجرة لا تستحق إلا على العمل الموافق للطلب من المالك ، والمؤمن إذا قال أنا أبتغي فضلك يكون منه اعترافا بالتقصير فقال : { يبتغون فضلا من الله } ولم يقل أجرا .

قوله تعالى : { سيماهم في وجوههم من أثر السجود } فيه وجهان ( أحدهما ) أن ذلك يوم القيامة كما قال تعالى : { يوم تبيض وجوه } وقال تعالى : { نورهم يسعى } وعلى هذا فنقول نورهم في وجوههم بسبب توجههم نحو الحق كما قال إبراهيم عليه السلام : { إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض } ومن يحاذي الشمس يقع شعاعها على وجهه ، فيتبين على وجهه النور منبسطا ، مع أن الشمس لها نور عارضي يقبل الزوال ، والله نور السموات والأرض فمن يتوجه إلى وجهه يظهر في وجهه نور يبهر الأنوار ( وثانيهما ) أن ذلك في الدنيا وفيه وجهان ( أحدهما ) أن المراد ما يظهر في الجباه بسبب كثرة السجود ( والثاني ) ما يظهره الله تعالى في وجوه الساجدين ليلا من الحسن نهارا ، وهذا محقق لمن يعقل فإن رجلين يسهران بالليل أحدهما قد اشتغل بالشراب واللعب والآخر قد اشتغل بالصلاة والقراءة واستفادة العلم فكل أحد في اليوم الثاني يفرق بين الساهر في الشرب واللعب ، وبين الساهر في الذكر والشكر .

وقوله تعالى : { ذلك مثلهم في التوراة } فيه ثلاثة أوجه مذكورة ( أحدها ) أن يكون { ذلك } مبتدأ ، و{ مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل } خبرا له ، وقوله تعالى : { كزرع أخرج شطأه } خبرا مبتدأ محذوف تقديره ومثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع ( وثانيها ) أن يكون خبر ذلك هو قوله { مثلهم في التوراة } وقوله { ومثلهم في الإنجيل } مبتدأ وخبره كزرع ( وثالثها ) أن يكون ذلك إشارة غير معينة أوضحت بقوله تعالى : { كزرع } كقوله { ذلك الأمر أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين } وفيه وجه ( رابع ) وهو أن يكون ذلك خبرا له مبتدأ محذوف تقديره هذا الظاهر في وجوههم ذلك يقال ظهر في وجهه أثر الضرب ، فنقول أي والله ذلك أي هذا ذلك الظاهر ، أو الظاهر الذي تقوله ذلك .

قوله تعالى : { ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع } .

أي وصفوا في الكتابين به ومثلوا بذلك وإنما جعلوا كالزرع لأنه أول ما يخرج يكون ضعيفا وله نمو إلى حد الكمال ، فكذلك المؤمنون ، والشطء الفرخ و{ فآزره } يحتمل أن يكون المراد أخرج الشطء وآزر الشطء ، وهو أقوى وأظهر والكلام يتم عند قوله { يعجب الزراع } .

وقوله تعالى : { ليغيظ بهم الكفار } أي تنمية الله ذلك ليغيظ أو يكون الفعل المعلل هو .

وقوله تعالى : { وعد الله الذين ءامنوا وعملوا الصالحات } أي وعد { ليغيظ بهم الكفار } يقال رغما لأنفك أنعم عليه .

وقوله تعالى : { منهم مغفرة وأجرا عظيما } لبيان الجنس لا للتبعيض ، ويحتمل أن يقال هو للتبعيض ، ومعناه : ليغيظ الكفار والذين آمنوا من الكفار لهم الأجر العظيم ، والعظيم والمغفرة قد تقدم مرارا والله تعالى أعلم ، وهاهنا لطيفة وهو أنه تعالى قال في حق الراكعين والساجدين إنهم { يبتغون فضلا من الله } وقال : لهم أجر ولم يقل لهم ما يطلبونه من ذلك الفضل وذلك لأن المؤمن عند العمل لم يلتفت إلى عمله ولم يجعل له أجرا يعتد به ، فقال لا أبتغي إلا فضلك ، فإن عملي نزر لا يكون له أجر والله تعالى آتاه ما آتاه من الفضل وسماه أجرا إشارة إلى قبول عمله ووقوعه الموقع وعدم كونه عند الله نزرا لا يستحق عليه المؤمن أجرا ، وقد علم بما ذكرنا مرارا أن قوله { وعد الله الذين ءامنوا وعملوا الصالحات } لبيان ترتب المغفرة على الإيمان فإن كل مؤمن يغفر له كما قال تعالى : { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } والأجر العظيم على العمل الصالح ، والله أعلم .

قال المصنف رحمه الله تعالى : تم تفسير هذه السورة يوم الخميس السابع عشر من شهر ذي الحجة سنة ثلاث وستمائة من الهجرة النبوية ، على صاحبها أفضل الصلاة والسلام ، والحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد سيد المرسلين ، وعلى آله وصحبه أجمعين .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{مُّحَمَّدٞ رَّسُولُ ٱللَّهِۚ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥٓ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلۡكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيۡنَهُمۡۖ تَرَىٰهُمۡ رُكَّعٗا سُجَّدٗا يَبۡتَغُونَ فَضۡلٗا مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضۡوَٰنٗاۖ سِيمَاهُمۡ فِي وُجُوهِهِم مِّنۡ أَثَرِ ٱلسُّجُودِۚ ذَٰلِكَ مَثَلُهُمۡ فِي ٱلتَّوۡرَىٰةِۚ وَمَثَلُهُمۡ فِي ٱلۡإِنجِيلِ كَزَرۡعٍ أَخۡرَجَ شَطۡـَٔهُۥ فَـَٔازَرَهُۥ فَٱسۡتَغۡلَظَ فَٱسۡتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِۦ يُعۡجِبُ ٱلزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ ٱلۡكُفَّارَۗ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَٰتِ مِنۡهُم مَّغۡفِرَةٗ وَأَجۡرًا عَظِيمَۢا} (29)

والآن نجيء إلى ختام السورة . ختامها بتلك الصورة الوضيئة التي يرسمها القرآن لواقع صحابة رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وبذلك الثناء الكريم على تلك الجماعة الفريدة السعيدة التي رضي الله عنها ، وبلغها رضاه فردا فردا :

( محمد رسول الله . والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم ، تراهم ركعا سجدا ، يبتغون فضلا من الله ورضوانا ، سيماهم في وجوههم من أثر السجود . ذلك مثلهم في التوراة . ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه ، فآزره ، فاستغلظ ، فاستوى على سوقه ، يعجب الزراع ، ليغيظ بهم الكفار . وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما ) . .

إنها صورة عجيبة يرسمها القرآن الكريم بأسلوبه البديع . صورة مؤلفة من عدة لقطات لأبرز حالات هذه الجماعة المختارة ، حالاتها الظاهرة والمضمرة . فلقطة تصور حالتهم مع الكفار ومع أنفسهم : ( أشداء على الكفار رحماء بينهم )ولقطة تصور هيئتهم في عبادتهم : ( تراهم ركعا سجدا ) . . ولقطة تصور قلوبهم وما يشغلها ويجيش بها : ( يبتغون فضلا من الله ورضوانا ) . . ولقطة تصور أثر العبادة والتوجه إلى الله في سمتهم وسحنتهم وسماتهم : ( سيماهم في وجوههم من أثر السجود ) . . ( ذلك مثلهم في التوراة ) . . وهذه صفتهم فيها . . ولقطات متتابعة تصورهم كما هم في الإنجيل . . ( كزرع أخرج شطأه )( فآزره ) . . ( فاستغلظ ) ( فاستوى على سوقه ) . ( يعجب الزراع ) . . : ( ليغيظ بهم الكفار ) . .

وتبدأ الآية بإثبات صفة محمد [ صلى الله عليه وسلم ] صفته التي أنكرها سهيل بن عمرو ومن وراءه من المشركين : ( محمد رسول الله ) . . ثم ترتسم تلك الصورة الوضيئة بذلك الأسلوب البديع .

والمؤمنون لهم حالات شتى . ولكن اللقطات تتناول الحالات الثابتة في حياتهم ، ونقط الإرتكاز الأصيلة في هذه الحياة . وتبرزها وتصوغ منها الخطوط العريضة في الصور الوضيئة . . وإرادة التكريم واضحة في اختيار هذه اللقطات ، وتثبيت الملامح والسمات التي تصورها . التكريم الإلهي لهذه الجماعة السعيدة .

إرادة التكريم واضحة ، وهو يسجل لهم في اللقطة الأولى أنهم : ( أشداء على الكفار رحماء بينهم ) . . أشداء على الكفار وفيهم آباؤهم وإخوتهم وذوو قرابتهم وصحابتهم ، ولكنهم قطعوا هذه الوشائج جميعا . رحماء بينهم وهم فقط إخوة دين . فهي الشدة لله والرحمة لله . وهي الحمية للعقيدة ، والسماحة للعقيدة . فليس لهم في أنفسهم شيء ، ولا لأنفسهم فيهم شيء . وهم يقيمون عواطفهم ومشاعرهم ، كما يقيمون سلوكهم وروابطهم على أساس عقيدتهم وحدها . يشتدون على أعدائهم فيها ، ويلينون لإخوتهم فيها . وقد تجردوا من الأنانية ومن الهوى ، ومن الانفعال لغير الله ، والوشيجة التي تربطهم بالله .

وإرادة التكريم واضحة وهو يختار من هيئاتهم وحالاتهم ، هيئة الركوع والسجود وحالة العبادة : ( تراهم ركعا سجدا ) . . والتعبير يوحي كأنما هذه هيئتهم الدائمة التي يراها الرائي حيثما رآهم . ذلك أن هيئة الركوع والسجود تمثل حالة العبادة ، وهي الحالة الأصيلة لهم في حقيقة نفوسهم ؛ فعبر عنها تعبيرا يثبتها كذلك في زمانهم ، حتى لكأنهم يقضون زمانهم كله ركعا سجدا .

واللقطة الثالثة مثلها . ولكنها لقطة لبواطن نفوسهم وأعماق سرائرهم : ( يبتغون فضلا من الله ورضوانا ) . . فهذه هي صورة مشاعرهم الدائمة الثابتة . كل ما يشغل بالهم ، وكل ما تتطلع إليه أشواقهم ، هو فضل الله ورضوانه . ولا شيء وراء الفضل والرضوان يتطلعون إليه ويشتغلون به .

واللقطة الرابعة تثبت أثر العبادة الظاهرة والتطلع المضمر في ملامحهم ، ونضحها على سماتهم : ( سيماهم في وجوههم من أثر السجود ) . . سيماهم في وجوههم من الوضاءة والإشراق والصفاء والشفافية ، ومن ذبول العبادة الحي الوضيء اللطيف . وليست هذه السيما هي النكتة المعروفة في الوجه كما يتبادر إلى الذهن عند سماع قوله : ( من أثر السجود ) . . فالمقصود بأثر السجود هو أثر العبادة . واختار لفظ السجود لأنه يمثل حالة الخشوع والخضوع والعبودية لله في أكمل صورها . فهو أثر هذا الخشوع . أثره في ملامح الوجه ، حيث تتوارى الخيلاء والكبرياء والفراهة . ويحل مكانها التواضع النبيل ، والشفافية الصافية ، والوضاءة الهادئة ، والذبول الخفيف الذي يزيد وجه المؤمن وضاءة وصباحة ونبلا .

وهذه الصورة الوضيئة التي تمثلها هذه اللقطات ليست مستحدثة . إنما هي ثابتة لهم في لوحة القدر ؛ ومن ثم فهي قديمة جاء ذكرها في التوراة : ( ذلك مثلهم في التوراة ) . . وصفتهم التي عرفهم الله بها في كتاب موسى ، وبشر الأرض بها قبل أن يجيئوا إليها .

( ومثلهم في الإنجيل ) . . وصفتهم في بشارته بمحمد ومن معه ، أنهم ( كزرع أخرج شطأه ) . . فهو زرع نام قوي ، يخرج فرخه من قوته وخصوبته . ولكن هذا الفرخ لا يضعف العود بل يشده . ( فآزره ) . أو أن العود آزر فرخه فشده . ( فاستغلظ )الزرع وضخمت ساقه وامتلأت . ( فاستوى على سوقه )لا معوجا ومنحنيا . ولكن مستقيما قويا سويا . .

هذه صورته في ذاته . فأما وقعه في نفوس أهل الخبرة في الزرع ، العارفين بالنامي منه والذابل . المثمر منه والبائر . فهو وقع البهجة والإعجاب : ( يعجب الزراع ) . وفي قراءة يعجب( الزارع ) . . وهو رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] صاحب هذا الزرع النامي القوي المخصب البهيج . . وأما وقعه في نفوس الكفار فعلى العكس . فهو وقع الغيظ والكمد : ( ليغيظ بهم الكفار ) . . وتعمد إغاظة الكفار يوحي بأن هذه الزرعة هي زرعة الله . أو زرعة رسوله ، وأنهم ستار للقدرة وأداة لإغاظة أعداء الله !

وهذا المثل كذلك ليس مستحدثا ، فهو ثابت في صفحة القدر . ومن ثم ورد ذكره قبل أن يجيء محمد ومن معه إلى هذه الأرض . ثابت في الإنجيل في بشارته بمحمد ومن معه حين يجيئون .

وهكذا يثبت الله في كتابه الخالد صفة هذه الجماعة المختارة . . صحابة رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] . . فتثبت في صلب الوجود كله ، وتتجاوب بها أرجاؤه ، وهو يتسمع إليها من بارى ء الوجود . وتبقى نموذجا للأجيال ، تحاول أن تحققها ، لتحقق معنى الإيمان في أعلى الدرجات .

وفوق هذا التكريم كله ، وعد الله بالمغفرة والأجر العظيم : ( وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما ) . . وهو وعد يجيء في هذه الصيغة العامة بعدما تقدم من صفتهم ، التي تجعلهم أول الداخلين في هذه الصيغة العامة .

مغفرة وأجر عظيم . . وذلك التكريم وحده حسبهم . وذلك الرضى وحده أجر عظيم . ولكنه الفيض الإلهي بلا حدود ولا قيود ، والعطاء الإلهي عطاء غير مجذوذ .

ومرة أخرى أحاول من وراء أربعة عشر قرنا أن أستشرف وجوه هؤلاء الرجال السعداء وقلوبهم . وهم يتلقون هذا الفيض الإلهي من الرضى والتكريم والوعد العظيم . وهم يرون أنفسهم هكذا في اعتبار الله ، وفي ميزان الله ، وفي كتاب الله . وأنظر إليهم وهم عائدون من الحديبية ، وقد نزلت هذه السورة ، وقد قرئت عليهم . وهم يعيشون فيها بأرواحهم وقلوبهم ومشاعرهم وسماتهم . وينظر بعضهم في وجوه بعض فيرى أثر النعمة التي يحسها هو في كيانه .

وأحاول أن أعيش معهم لحظات في هذا المهرجان العلوي الذي عاشوا فيه . . ولكن أنى لبشر لم يحضر هذا المهرجان أن يتذوقه . إلا من بعيد ? !

اللهم إلا من يكرمه الله إكرامهم : فيقرب له البعيد ? !

فاللهم إنك تعلم أنني أتطلع لهذا الزاد الفريد ! ! !

 
تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{مُّحَمَّدٞ رَّسُولُ ٱللَّهِۚ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥٓ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلۡكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيۡنَهُمۡۖ تَرَىٰهُمۡ رُكَّعٗا سُجَّدٗا يَبۡتَغُونَ فَضۡلٗا مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضۡوَٰنٗاۖ سِيمَاهُمۡ فِي وُجُوهِهِم مِّنۡ أَثَرِ ٱلسُّجُودِۚ ذَٰلِكَ مَثَلُهُمۡ فِي ٱلتَّوۡرَىٰةِۚ وَمَثَلُهُمۡ فِي ٱلۡإِنجِيلِ كَزَرۡعٍ أَخۡرَجَ شَطۡـَٔهُۥ فَـَٔازَرَهُۥ فَٱسۡتَغۡلَظَ فَٱسۡتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِۦ يُعۡجِبُ ٱلزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ ٱلۡكُفَّارَۗ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَٰتِ مِنۡهُم مَّغۡفِرَةٗ وَأَجۡرًا عَظِيمَۢا} (29)

فضلا : ثوابا .

سِيماهم : علامتهم .

مثَلهم : وصفهم .

شَطْأه : شطأ الزرع ما يتفرع عليه من أغصان وورق وثمر .

آزره : أعانه وقوّاه . وهو من المؤازرة وهي المعاونة .

استوى : استقام .

على سوقه : على قصبه وأصوله ، والسوق جمع ساق .

فوصفهم بأوصافٍ كلها مدائح لهم ، وذكرى لمن بعدهم . بتلك الأوصاف سادوا الأمم ، وامتلكوا الدول ، ونشروا الإسلام ، وقبضوا على ناصية العالم . وهذه الصفات هي :

1- أنهم أشدّاء على من خالف دينهم وبادأهم العداء ، وهم متراحمون متعاطفون فيما بينهم .

2- أنهم جعلوا الصلاة والإخلاص لله طريقتهم في أكثر أوقاتهم ، لذلك تُبِصرهم راكعين خاشعين كثيرا .

3- وأنهم بذلك يطلبون ثوابا عظيما من الله تعالى ورضوانا منه .

4- ذلك وصفهم البارز في التوراة .

5- وفي الإنجيل ضرب بصفتهم المثل فقال : سيخرج قوم ينبُتون نبات الزرع ، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر .

ذلك أنهم في بدء الإسلام كانوا قليلي العدد ثم كثروا وارتقى أمرهم يوما بعد يوم حتى أعجب الناسُ بهم ، كصفة زرع أخرج أول ما ينشقّ عنه ، فآزره فتحوّل من الدِقة إلى الغِلظ ، فاستقام على أصوله ، يُعجِب الزراعَ بقوّته واكتماله . وكذلك كان حال المؤمنين لِيَغيظَ الله بهم وبقوّتهم الكفار .

{ وَعَدَ الله الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً }

وقد وفى سبحانه وتعالى بوعده ونصر رسوله وجُندَه ، وهزم الأحزابَ وحده .

بهذه الأوصاف الجليلة يختم هذه السورة العظيمة ، وهذه أوصاف الأمة الإسلامية أيام عزها ، يوم كان المسلمون مستمسكين بالعروة الوثقى ، سائرين على هُدى دينهم بحق وإخلاص . فانظر الآن وتأمل في حال المسلمين : يحيط بهم الذل والخوف من شرذمة من اليهود تجمعت في فلسطين ، اغتصبت ديار الإسلام ، وهي تضرب العرب في لبنان صباح مساء وتبيد الناس إبادة ، وتهدم ما يصنع العرب من أدوات للتقدم حتى وصلت إلى ضرب المفاعل الذري في بغداد ، ويصرخ زعماؤها بتبجح اليهود المعروف أنها لن تسمح للعرب أن يقيموا أية آلة تجعلهم يتقدمون صناعياً وعلميا . كل هذا وحكام العرب خائفون ساكتون كأن شيئا لم يحدث ، وزعماؤهم يتباكون ويطلبون من أمريكا عدوّ العرب الأول أن تحلّ لهم قضيتهم ! يا للذل والعار ! كيف نستطيع أن نواجه ربنا غداً يوم نلقاه !

ما هي العلة التي نتعلل بها لرسولنا الكريم ! لعل الله أن يبدل الحالَ غير الحال ، ويخضّر الزرعُ بعد ذبوله ، وتعود الأمة إلى سيرتها الأولى ، متمسكة بدينها الحنيف ، مجتمعة الكلمة ، موحدة الهدف . واللهَ أسأل أن يلهمنا الصواب والرشد والرجوع إلى ديننا الحنيف . وعند ذلك ينطبق علينا قوله تعالى : { وَعَدَ الله الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً } والحمد لله رب العالمين .