أما قوله تعالى : { فاختلف الأحزاب من بينهم } ففي الأحزاب أقوال : الأول : المراد فرق النصارى على ما بينا أقسامهم . الثاني : المراد النصارى واليهود فجعله بعضهم ولدا وبعضهم كذابا . الثالث : المراد الكفار الداخل فيهم اليهود والنصارى والكفار الذين كانوا في زمن محمد صلى الله عليه وسلم وإذا قلنا المراد بقوله : { وإن الله ربي وربكم فاعبدوه } أي قل يا محمد إن الله ربي وربكم ، فهذا القول أظهر لأنه لا تخصيص فيه ، وكذا قوله : { فويل للذين كفروا } مؤكد لهذا الاحتمال ، وأما قوله : { من مشهد يوم عظيم } فالمشهد إما أن يكون هو الشهود وما يتعلق به أو الشهادة وما يتعلق بها . أما الأول : فيحتمل أن يكون المراد من المشهد نفس شهودهم هول الحساب ، والجزاء في القيامة أو مكان الشهود فيه وهو الموقف ، أو وقت الشهود ، وأما الشهادة فيحتمل أن يكون المراد شهادة الملائكة والأنبياء وشهادة ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بالكفر وسوء الأعمال ، وأن يكون مكان الشهادة أو وقتها ، وقيل : هو ما قالوه وشهدوا به في عيسى وأمه ، وإنما وصف ذلك المشهد بأنه عظيم لأنه لا شيء أعظم مما يشاهد في ذلك اليوم من محاسبة ومساءلة ، ولا شيء من المنافع أعظم مما هنالك من الثواب ولا بد من المضار أعظم مما هنالك من العقاب ،
وبعد هذا التقرير يعرض اختلاف الفرق والأحزاب في أمر عيسى فيبدو هذا الاختلاف مستنكرا نابيا في ظل هذه الحقيقة الناصعة :
( فاختلف الأحزاب من بينهم ) . .
ولقد جمع الإمبراطور الروماني قسطنطين مجمعا من الأساقفة - وهو أحد المجامع الثلاثة الشهيرة - بلغ عدد أعضائه ألفين ومائة وسبعين أسقفا فاختلفوا في عيسى اختلافا شديدا ، وقالت كل فرقة فيه قولا . . قال بعضهم : هو الله هبط إلى الأرض فأحيا من أحيا وأمات من أمات ثم صعد إلى السماء . وقال بعضهم : هو ابن الله ، وقال بعضهم : هو أحد الأقانيم الثلاثة : الأب والابن والروح القدس . وقال بعضهم : هو ثالث ثلاثة : الله إله وهو إله وأمه إله . وقال بعضهم : هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته . وقالت فرق أخرى أقوالا أخرى . ولم يجتمع على مقالة واحدة أكثر من ثلاث مائة وثمانية اتفقوا على قول . فمال إليه الإمبراطور ونصر أصحابه وطرد الآخرين وشرد المعارضين وبخاصة الموحدين .
ولما كانت العقائد المنحرفة قد قررتها مجامع شهدتها جموع الأساقفة فإن السياق هنا ينذر الكافرين الذين ينحرفون عن الإيمان بوحدانية الله ، ينذرهم بمشهد يوم عظيم تشهده جموع أكبر ، وترى ما يحل بالكافرين المنحرفين :
( فويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم . أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا ، لكن الظالمون اليوم في ضلال مبين . وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر وهم في غفلة وهم لا يؤمنون ) .
ويل لهم من ذلك المشهد في يوم عظيم . بهذا التنكير للتفخيم والتهويل . المشهد الذي يشهده الثقلان : الإنس والجن ، وتشهده الملائكة ، في حضرة الجبار الذي أشرك به الكفار .
الأحزاب : فرق النصارى الثلاث .
37- { فاختلف الأحزاب من بينهم فويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم } .
أي : اختلفت الفرق من أهل الكتاب في شأن عيسى ؛ وصاروا أحزابا متفرقين ، فمنهم : من يزعم : أنه ابن الله ، ومنهم : من يزعم : أنه ابن زنى .
ولقد جمع الإمبراطور الروماني قسطنطين مجمعا من الأساقفة- وهو أحد المجامع الثلاثة الشهيرة- بلغ عدد أعضاءه ألفين ومائة وسبعين أسقفا ، فاختلفوا في شأن عيسى اختلافا شديدا ، وقالت كل فرقة فيه قولا .
قال بعضهم : هو الله هبط إلى أرض فأحيا من أحيا وأمات من أمات ثم صعد إلى السماء ، وقال بعضهم : هو ابن الله .
وقال بعضهم : هو أحد الأقانيم الثلاثة : الأب والابن وروح القدس .
وقال بعضهم : هو ثالث ثلاثة : الله إله ، وعيسى إله ، وأمه إله ، .
وقال بعضهم : هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته .
وقالت فرق أخرى أقوالا أخرى ، ولم يجتمع على مقالة واحدة أكثر من ثلاثمائة وثمانية اتفقوا على قول ، فمال إليه الإمبراطور ونصر أصحابه وطرد الآخرين ، وشرد المعارضة وبخاصة الموحدين .
وقد سمي أتباع الملك قسطنطين الملكانية ، وقد ابتنى لهم حينئذ الكنائس الكبار في مملكته كلها ، بلاد الشام والجزيرة والروم ، فكان مبلغ الكنائس في أيامه ما يقارب اثني عشر ألف كنيسةviii .
ونلاحظ أنه قبل الفتح الإسلامي لمصر ، كان في مصر مذهبان منتشران بين أقباط مصر :
المذهب الملكاني : ويذهب إلى أن الابن مفصول من الأب قبل كل الأزمنة والدهور وهو جوهره ونوره اتحد بالإنسان المأخوذ من مريم .
والمذهب اليعقوبي : نسبه إلى عالم قبطي يسمى : يعقوب ، يرى أن اللاهوت حل في الناسوت ، أي : أن المسيح إنسان حلت فيه روح إله . وكان المذهب اليعقوبي منتشرا بين أبناء الشعب المصري ، وكان زعماء اليعاقبة مجاهدون غاضبون على المذهب الملكاني ، الذي تحبذه روما ؛ ولذلك فإن الشعب القبطي قد استقبل الفتح الإسلامي لمصر استقبالا حسنا ، وأمد الفاتحين المسلمين بالعلف والمئونة والمساعدة ؛ ليتخلص الشعب من ظلم الرومان وتعسفهم .
وكانت مصر تعتبر مزرعة للقمح تورده إلى روما ، وكانت روما تجبي الضرائب ، وتفرض المذهب الملكاني ، وتجني ثمار القمح ؛ مما جعل الأقباط راغبين في التخلص من جور الرومان وظلمهم ، كما أن تصور اليعاقبة لطبيعة المسيح كان أقرب إلى التصور الإسلامي ، من المذهب الملكاني الرومانيix .
{ فويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم } .
أي : فعذاب شديد للكافرين من شهود ذلك اليوم ؛ وهو يوم القيامة ، الذي يشهده الثقلان وغيرهما من مخلوقات الله .
{ فاختلف الأحزاب } : أي في شأن عيسى فقال اليهود هو ساحر وابن زنا ، وقالت النصارى هو الله وابن الله تعالى عما يصفون .
وقوله تعالى { فاختلف الأحزاب من بينهم } أي في شأن عيسى فمن قائل هو الله ، ومن قائل هو ابن الله ومن قائل هو وأمه إلهين من دون الله والقائلون بهذه المقالات كفروا فتوعدهم الله تعالى بالعذاب الأليم فقال { فويل للذين كفروا } بنسبَتِهم الولد والشريك لله ، والويل واد في جهنم فهم إذ داخلوها لا محالة ، وقوله { من مشهد يوم عظيم } يعني به يوم القيامة وهو يوم ذو أهوال وشدائد لا يقادر قدرها .
- الإخبار بما عليه النصارى من خلاف في شأن عيسى عليه السلام .
- تقرير فناء الدنيا ، ورجوع الناس إلى ربهم بعد بعثهم وهو تقرير لعقيدة البعث والجزاء التي تعالجها السور المكية في القرآن الكريم .
لما بين تعالى حال عيسى بن مريم الذي لا يشك فيها ولا يمترى ، أخبر أن الأحزاب ، أي : فرق الضلال ، من اليهود والنصارى وغيرهم ، على اختلاف طبقاتهم اختلفوا في عيسى عليه السلام ، فمن غال فيه وجاف ، فمنهم من قال : إنه الله ، ومنهم من قال : إنه ابن الله . ومنهم من قال : إنه ثالث ثلاثة . ومنهم من لم يجعله رسولا ، بل رماه بأنه ولد بغي كاليهود . . وكل هؤلاء أقوالهم باطلة ، وآراؤهم فاسدة ، مبنية على الشك والعناد ، والأدلة الفاسدة ، والشبه الكاسدة ، وكل هؤلاء مستحقون للوعيد الشديد ، ولهذا قال : { فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ْ } بالله ورسله وكتبه ، ويدخل فيهم اليهود والنصارى ، القائلون بعيسى قول الكفر . { مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ ْ } أي : مشهد يوم القيامة ، الذي يشهده الأولون والآخرون ، أهل السماوات وأهل الأرض ، الخالق والمخلوق ، الممتلئ بالزلازل والأهوال ، المشتمل على الجزاء بالأعمال ، فحينئذ يتبين ما كانوا يخفون ويبدون ، وما كانوا يكتمون .