مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَإِذَا رَأَيۡتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِيٓ ءَايَٰتِنَا فَأَعۡرِضۡ عَنۡهُمۡ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيۡرِهِۦۚ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ ٱلشَّيۡطَٰنُ فَلَا تَقۡعُدۡ بَعۡدَ ٱلذِّكۡرَىٰ مَعَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ} (68)

قوله تعالى : { وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين }

اعلم أنه تعالى قال في الآية الأولى : { وكذب به قومك وهو الحق قل لست عليكم بوكيل } فبين به أن الذين يكذبون بهذا الدين فإنه لا يجب على الرسول أن يلازمهم وأن يكون حفيظا عليهم ثم بين في هذه الآية أن أولئك المكذبين إن ضموا إلى كفرهم وتكذيبهم الاستهزاء بالدين والطعن في الرسول فإنه يجب الاحتراز عن مقارنتهم وترك مجالستهم ، وفي الآية مسائل :

المسألة الأولى : قوله : { وإذا رأيت } قيل إنه خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد غيره ، وقيل : الخطاب لغيره أي إذا رأيت أيها السامع الذين يخوضون في آياتنا . ونقل الواحدي أن المشركين كانوا إذا جالسوا المؤمنين وقعوا في رسول الله صلى الله عليه وسلم والقرآن ، فشتموا واستهزؤوا فأمرهم أن لا يقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره . ولفظ الخوض في اللغة عبارة عن المفاوضة على وجه العبث واللعب ، قال تعالى حكاية عن الكفار : { وكنا نخوض مع الخائضين } وإذا سئل الرجل عن قوم فقال : تركتهم يخوضون أفاد ذلك أنهم شرعوا في كلمات لا ينبغي ذكرها ومن الحشوية من تمسك بهذه الآية في النهي عن الاستدلال والمناظرة في ذات الله تعالى وصفاته . قال : لأن ذلك خوض في آيات الله ، والخوض في آيات الله حرام بدليل هذه الآية ، والجواب عنه : أنا نقلنا عن المفسرين أن المراد من «الخوض » الشروع في آيات الله تعالى على سبيل الطعن والاستهزاء . وبينا أيضا أن لفظ «الخوض » وضع في أصل اللغة لهذا المعنى فسقط هذا الاستدلال والله أعلم .

المسألة الثانية : قرأ ابن عامر { ينسينك } بالتشديد وفعل وأفعل يجريان مجرى واحد كما بينا ذلك في مواضع . وفي التنزيل { فمهل الكافرين أمهلهم رويدا } والاختيار قراءة العامة لقوله تعالى : { وما أنسانيه إلا الشيطان } ومعنى الآية : إن نسيت وقعدت فلا تقعد بعد الذكرى ، وقم إذا ذكرت . والذكرى اسم للتذكرة قاله الليث . وقال الفراء : الذكرى يكون بمعنى الذكر ، وقوله : { مع القوم الظالمين } يعني مع المشركين .

المسألة الثالثة : قوله تعالى : { فأعرض عنهم } وهذا الإعراض يحتمل أن يحصل بالقيام عنهم ويحتمل بغيره . فلما قال بعد ذلك { فلا تقعد بعد الذكرى } صار ذلك دليلا على أن المراد أن يعرض عنهم بالقيام من عندهم وههنا سؤالات :

السؤال الأول : هل يجوز هذا الإعراض بطريق آخر سوى القيام عنهم ؟ والجواب : الذين يتمسكوا بظواهر الألفاظ ويزعمون وجوب إجرائها على ظواهرها لا يجوزون ذلك ، والذين يقولون المعنى هو المعتبر جوزوا ذلك قالوا : لأن المطلوب إظهار الإنكار ، فكل طريق أفاد هذا المقصود فإنه يجوز المصير إليه .

السؤال الثاني : لو خاف الرسول من القيام عنهم ، هل يجب عليه القيام مع ذلك ؟

الجواب : كل ما أوجب على الرسول فعله وجب عليه ذلك سواء ظهر أثر الخوف أو لم يظهر فإنا إن جوزنا منه ترك الواجب بسبب الخوف ، سقط الاعتماد عن التكاليف التي بلغها إلينا أما غير الرسول فإنه عند شدة الخوف قد يسقط عنه الفرض ، لأنه إقدامه على الترك لا يفضي إلى المحذور المذكور .

المسألة الرابعة : قوله : { وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى } يفيد أن التكليف ساقط عن الناسي قال الجبائي : إذا كان عدم العلم بالشيء يوجب سقوط التكليف ، فعدم القدرة على الشيء أولى بأن يوجب سقوط التكليف . وهذا يدل على أن تكليف مالا يطاق لا يقع ، ويدل على أن الاستطاعة حاصلة قبل الفعل لأنها لو لم تحصل إلا مع الفعل لما كانت حاصلة قبل الفعل . فوجب أن لا يكون الكافر قادرا على الإيمان فوجب أن لا يتوجه عليه الأمر بالإيمان . واعلم أن هذه الكلمات كثر ذكرها في هذا الكتاب مع الجواب فلا نطول الكلام بذكر الجواب ، والله أعلم .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَإِذَا رَأَيۡتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِيٓ ءَايَٰتِنَا فَأَعۡرِضۡ عَنۡهُمۡ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيۡرِهِۦۚ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ ٱلشَّيۡطَٰنُ فَلَا تَقۡعُدۡ بَعۡدَ ٱلذِّكۡرَىٰ مَعَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ} (68)

66

فإذا أنهى إليهم هذا البلاغ ، وإذا واجه تكذيبهم بهذه المفاصلة . . فإنه [ ص ] مأمور بعد ذلك ألا يجالسهم - حتى للبلاغ والتذكير - إذا رآهم يخوضون في آيات الله بغير توقير ؛ ويتحدثون عن الدين بغير ما ينبغي للدين من الجد والمهابة ؛ ويجعلون الدين موضعا للعب واللهو ؛ بالقول أو بالفعل ؛ حتى لا تكون مجالسته لهم - وهم على مثل هذه الحال - موافقة ضمنية على ما هم فيه ؛ أو قلة غيرة على الدين الذي لا يغار المسلم على حرمة كما يغار عليه . فإذا أنساه الشيطان فجلس معهم ، ثم تذكر ، قام من فوره وفارق مجلسهم :

( وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره . وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين ) . .

ولقد كان هذا الأمر للرسول [ ص ] ويمكن في حدود النص أن يكون أمرا لمن وراءه من المسلمين . . كان هذا الأمر في مكة . حيث كان عمل الرسول [ ص ] يقف عند حدود الدعوة . وحيث كان غير مأمور بقتال للحكمة التي أرادها الله في هذه الفترة . وحيث كان الاتجاه واضحا لعدم الاصطدام بالمشركين ما أمكن . . فكان هذا الأمر بألا يجلس النبي [ ص ] في مجالس المشركين ؛ متى رآهم يخوضون في آيات الله ويذكرون دينه بغير توقير ، والمسارعة إلى ترك هذه المجالس - لو أنساه الشيطان - بمجرد أن يتذكر أمر الله ونهيه . وكان المسلمون كذلك مأمورين بهذا الأمر كما تقول بعض الروايات . . والقوم الظالمون ، المقصود بهم هنا القوم المشركون . كما هو التعبير الغالب في القرآن الكريم . .

فأما بعد أن قامت للإسلام دولة في المدينة ، فكان للنبي [ ص ] شأن آخر مع المشركين . وكان الجهاد والقتال حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله . حيث لا يجترى ء أحد على الخوض في آيات الله !

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَإِذَا رَأَيۡتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِيٓ ءَايَٰتِنَا فَأَعۡرِضۡ عَنۡهُمۡ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيۡرِهِۦۚ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ ٱلشَّيۡطَٰنُ فَلَا تَقۡعُدۡ بَعۡدَ ٱلذِّكۡرَىٰ مَعَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ} (68)

المفردات :

يخوضون : يندفعون .

فاعرض عنهم : فاتركهم .

وإما ينسيك الشيطان : إما ، أصله : ( إن ) الشرطية المدغمة في ( ما )( وما ) صلة للتأكيد أي وإن أنساك الشيطان .

بعد الذكر : بعد التذكر .

التفسير :

68- وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فاعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره . . . الآية .

سبب النزول :

قال ابن جريج إن قريشا كانوا يستهزئون بالقرآن ويقولون فيه إنه سحر ، وشعر وأساطير الأولين ، وما حلا لهم من الأكاذيب .

فنزلت الآية تأمر النبي صلى اله عليه وآله وسلم أن يعرض عنهم إعراض منكر عليهم إذا سمع ذلك منهم ، ولا يجلس معهم ولا يجادلهم ، فجعل النبي صلى اله عليه وآله وسلم إذا استهزءوا قام ، فحذروا ، وقالوا لا تستهزئوا فيقوم .

والمعنى :

وإذا رأيت أيها النبي الكريم أو أيها المؤمن العاقل ، الذين يخوضون في آياتنا بالتكذيب والطعن والاستهزاء ، فأعرض عنهم ، وانصرف عن مجالسهم ، وأرهم من نفسك التسامي عن مجالستهم ، حتى يدخلوا في حديث غيره ، فلك حينئذ مجالستهم ، لأن آيات الله من حقها أن تعظم وأن تحترم لا أن تكون محل استهزاء .

وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين . أي : وإما ينسينك الشيطان ما أمرت به من ترك مجالسة الخائفين على سبيل الفرض والتقدير فلا تقعد بعد التذكر مع القوم الظالمين لأنفسهم بتكذيب آيات ربهم ، والاستهزاء بها ، وقد جاء الشرط الأول . بإذا لأن خوفهم في الآيات محقق .

وجاء الشرط الثاني . بإن لأن إنساء الشيطان له قد يقع وقد لا يقع .

رأى العلماء في نسيان الرسول

يرى بعض العلماء أن ما جاء في الآية من نسيان الرسول إنما هو على سبيل الفرض ، إذ لم يقع منه نسيان لترك مجالستهم عندما يخوضون في آيات القرآن الكريم .

ولهذا استعملت إن الشرطية فهي لمجرد الفرض لما ليس محقق الوقوع ، وذلك على حد قوله تعالى : لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين . ( الزمر : 65 ) .

ويرى بعض آخر من العلماء . أن الخطاب في الآية للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ، والمراد غيره من المؤمنين ولكن جهود العلماء على جواز النسيان على النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الأفعال .

فقد ورد في صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم صلى بالمسلمين الظهر فسلم على رأس ركعتين ، وفي القوم رجل في يديه طول يسمى ذو اليدين فقال : أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله ؟

فقال : النبي صلى الله عليه وآله وسلم : كل ذلك لم يكن .

فقال ذو اليدين : بل بعض ذلك قد كان ، صليت بنا الظهر ركعتين .

فقال صلى الله عليه وآله وسلم لأصحابه : أحق ما يقوله ذو اليدين ؟ فقالوا : نعم ، فأتم النبي الصلاة أربعا .

ثم قال : إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون . فإذا شك أحدكم في صلاته فليتحر الصواب فليتم عليه ، ثم ليسجد سجدتين ( 102 ) .

وفي الحديث الصحيح : ( إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون فإذا نسيت فذكروني ) ( 103 ) .

ما يؤخذ من الآية :

أخذ العلماء من هذه الآية ما يأتي :

1- وجوب الإعراض عن مجالسة المستهزئين بآيات الله أو برسله .

قال القرطبي : من خاض في آيات الله تركت مجالسته وهجر ، مؤمنا كان أو كافرا .

روى الحاكم عن عائشة رضي الله عنها قالت ، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ( من وقر صاحب بدعة فقد أعانه على هدم الإسلام ( 104 ) .

وقال صاحب المنار : وسبب هذا النهي ، أن الإقبال على الخائضين والقعود معهم ، فيه إقرار لهم على خضوعهم ، وإغرائهم لهم بالتمادي فيه .

قال تعالى : وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضون في حديث غيره إنكم إذا مثلهم إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعا . ( النساء : 140 ) .

2- جواز مجالسة الكفار مع عدم الخوض ، لأنه إنما أمرنا بالإعراض في حالة الخوض ، وأيضا فقد قال تعالى : حتى يخوضوا في حديث غيره .

3- استدل بهذه الآية على أن الناسي غير مكلف .

وفي الحديث الشريف : ( إن الله رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ( 105 ) .