مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{لِلَّهِ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا فِيهِنَّۚ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرُۢ} (120)

ثم قال تعالى { لله ملك السماوات والأرض وما فيهن وهو على كل شيء قدير }

قيل : إن هذا جواب عن سؤال مقدر كأنه قيل : من يعطيهم ذلك الفوز العظيم ؟ فقيل : الذي له ملك السماوات والأرض . وفي هذه الخاتمة الشريفة أسرار كثيرة ونحن نذكر القليل منها . فالأول : أنه تعالى قال : { لله ملك السموات والأرض وما فيهن } ولم يقل ومن فيهن فغلب غير العقلاء على العقلاء ، والسبب فيه التنبيه على أن كل المخلوقات مسخرون في قبضة قهره وقدرته وقضائه وقدره ، وهم في ذلك التسخير كالجمادات التي لا قدرة لها وكالبهائم التي لا عقل لها ، فعلم الكل بالنسبة إلى علمه كلا علم ، وقدرة الكل بالنسبة إلى قدرته كلا قدرة .

والثاني : أن مفتتح السورة كان بذكر العهد المنعقد بين الربوبية والعبودية فقال : { يأيها الذين ءامنوا أوفوا بالعقود } وكمال حال المؤمن في أن يشرع في العبودية وينتهي إلى الفناء المحض عن نفسه بالكلية . فالأول هو الشريعة وهو البداية والآخر هو الحقيقة وهو النهاية . فمفتتح السورة من الشريعة ومختتمها بذكر كبرياء الله وجلاله وعزته وقدرته وعلوه ، وذلك هو الوصول إلى مقام الحقيقة فما أحسن المناسبة بين ذلك المفتتح ، وهذا المختتم ! والثالث : أن السورة اشتملت على أنواع كثيرة من العلوم . فمنها : بيان الشرائع والأحكام والتكاليف . ومنها المناظرة مع اليهود في إنكارهم شريعة محمد عليه الصلاة والسلام ، ومنها المناظرة مع النصارى في قولهم بالتثليث فختم السورة بهذه النكتة الوافية بإثبات كل هذه المطالب . فإنه قال : { لله ملك السموات والأرض وما فيهن } ومعناه أن كل ما سوى الحق سبحانه فانه ممكن لذاته موجود بإيجاده تعالى . وإذا كان الأمر كذلك كان مالكا لجميع الممكنات والكائنات موجدا لجميع الأرواح والأجساد ، وإذا ثبت هذا لزم منه ثبوت كل المطالب المذكورة في هذه السورة . وأما حسن التكليف كيف شاء وأراد ، فذاك ثابت ، لأنه سبحانه لما كان مالكا للكل ، كان له أن يتصرف في الكل بالأمر والنهي والثواب والعقاب كيف شاء وأراد . فصح القول بالتكليف على أي وجه أراده الحق سبحانه وتعالى . وأما الرد على اليهود فلأنه سبحانه لما كان مالك الملك فله بحكم المالكية أن ينسخ شرع موسى ويضع شرع محمد عليهما الصلاة والسلام وأما الرد على النصارى فلأن عيسى ومريم داخلان فيما سوى الله لأنا بينا أن الموجد إما أن يكون هو الله تعالى أو غيره ، وعيسى ومريم لا شك في كونهما داخلين في هذا القسم . فإذا دللنا على أن كل ما سوى الله تعالى ممكن لذاته موجود بإيجاد الله كائن بتكوين الله كان عيسى ومريم عليهما السلام كذلك . ولا معنى للعبودية إلا ذلك . فثبت كونهما عبدين مخلوقين فظهر بالتقرير الذي ذكرناه أن هذه الآية التي جعلها الله خاتمة لهذه السورة برهان قاطع في صحة جميع العلوم التي اشتملت هذه السورة عليها . والله اعلم بأسرار كلامه .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{لِلَّهِ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا فِيهِنَّۚ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرُۢ} (120)

وفي نهاية هذا الدرس ؛ وفي مواجهة الفرية الكبرى التي لم يفتر أضخم منها قط أتباع رسول ! في مواجهة الفرية الكبرى التي أطلقها أتباع المسيح عيسى بن مريم - عليه السلام - فرية ألوهيته ؛ الفرية التي تبرأ منها هذا التبرؤ ، وفوض ربه في أمر قومه بشأنها هذا التفويض . .

في مواجهة هذه الفرية ، وفي نهاية الدرس الذي عرض ذلك الاستجواب الرهيب عنها ، في ذلك المشهد العظيم . . يجيء الإيقاع الأخير في السورة ؛ يعلن تفرد الله - سبحانه - بملك السماوات والأرض وما فيهن ؛ وقدرته - سبحانه - على كل شيء بلا حدود :

( لله ملك السماوات والأرض وما فيهن ، وهو على كل شيء قدير ) . .

ختام يتناسق مع تلك القضية الكبرى التي أطلقت حولها تلك الفرية الضخمة ، ومع ذلك المشهد العظيم الذي يتفرد الله فيه بالعلم ، ويتفرد بالألوهية ، ويتفرد بالقدرة ، وينيب إليه الرسل ؛ ويفوضون إليه الأمر كله ؛ ويفوض فيه عيسى بن مريم أمره وأمر قومه إلى العزيز الحكيم . الذي له ملك السماوات والأرض وما فيهن ، وهو على كل شيء قدير . .

وختام يتناسق مع السورة التي تتحدث عن " الدين " وتعرضه ممثلا في اتباع شريعة الله وحده ، والتلقي منه وحده ، والحكم بما أنزله دون سواه . . إنه المالك الذي له ملك السماوات والأرض وما فيهن ، والمالك هوالذي يحكم : ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) . .

إنها قضية واحدة . . قضية الألوهية . . قضية التوحيد . . وقضية الحكم بما أنزل الله . . لتتوحد الألوهية ويتحقق التوحيد . .