قوله تعالى { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض }
اعلم أنه تعالى لما ذكر في الآية الأولى تغليظ الإثم في قتل النفس بغير قتل نفس ولا فساد في الأرض أتبعه ببيان أن الفساد في الأرض الذي يوجب القتل ما هو ، فإن بعض ما يكون فسادا في الأرض لا يوجب قتل فقال { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله } وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : في أول الآية سؤال ، وهو أن المحاربة مع الله تعالى غير ممكنة فيجب حمله على المحاربة مع أولياء الله ، والمحاربة مع الرسل ممكنة فلفظة المحاربة إذا نسبت إلى الله تعالى كان مجازا ، لأن المراد منه المحاربة مع أولياء الله ، وإذا نسبت إلى الرسول كانت حقيقة ، فلفظ يحاربون في قوله { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله } يلزم أن يكون محمولا على المجاز والحقيقة معا ، وذلك ممتنع ، فهذا تقرير السؤال .
وجوابه من وجهين : الأول : أنا نحمل المحاربة على مخالفة الأمر والتكليف ، والتقدير : إنما جزاء الذين يخالفون أحكام الله وأحكام رسوله ويسعون في الأرض فسادا كذا وكذا ، والثاني : تقدير الكلام إنما جزاء الذين يحاربون أولياء الله تعالى وأولياء رسوله كذا وكذا . وفي الخبر أن الله تعالى قال : «من أهان لي وليا فقد بارزني بالمحاربة » .
المسألة الثانية : من الناس من قال : هذا الوعيد مختص بالكفار ، ومنهم من قال : إنه في فساق المؤمنين ، أما الأولون فقد ذكروا وجوها : الأول : أنها نزلت في قوم من عرينة نزلوا المدينة مظهرين للإسلام ، فمرضت أبدانهم واصفرت ألوانهم ، فبعثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى إبل الصدقة ليشربوا من أبوالها وألبانها فيصحوا ، فلما وصلوا إلى ذلك الموضع وشربوا وصحوا قتلوا الرعاة وساقوا الإبل وارتدوا ، فبعث النبي صلى الله عليه وسلم في أثرهم وأمر بهم فقطعت أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم وتركوا هناك حتى ماتوا ، فنزلت هذه الآية نسخا لما فعله الرسول ، فصارت تلك السنة منسوخة بهذا القرآن ، وعند الشافعي رحمه الله لما لم يجز نسخ السنة بالقرآن كان الناسخ لتلك السنة سنة أخرى ونزل هذا القرآن مطابقا للسنة الناسخة ، والثاني : أن الآية نزلت في قوم أبي برزة الأسلمي ، وكان قد عاهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فمر قوم من كنانة يريدون الإسلام وأبو برزة غائب ، فقتلوهم وأخذوا أموالهم . الثالث : أن هذه الآية في هؤلاء الذين حكى الله تعالى عنهم من بني إسرائيل أنهم بعد أن غلظ الله عليهم عقاب القتل العمد العدوان فهم مسرفون في القتل مفسدون في الأرض ، فمن أتى منهم بالقتل والفساد في الأرض فجزاؤهم كذا وكذا .
والوجه الرابع : أن هذه الآية نزلت في قطاع الطريق من المسلمين وهذا قول أكثر الفقهاء ، قالوا : والذي يدل على أنه لا يجوز حمل الآية على المرتدين وجوه : أحدها : أن قطع المرتد لا يتوقف على المحاربة ولا على إظهار الفساد في دار الإسلام ، والآية تقتضي ذلك . وثانيها : لا يجوز الاقتصار في المرتد على قطع اليد ولا على النفي ، والآية تقتضي ذلك . وثالثها : أن الآية تقتضي سقوط الحد بالتوبة قبل القدرة وهو قوله { إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم } والمرتد يسقط حده بالتوبة قبل القدرة وبعدها ، فدل ذلك على أن الآية لا تعلق لها بالمرتدين . ورابعها : أن الصلب غير مشروع في حق المرتد وهو مشروع هاهنا ، فوجب أن لا تكون الآية مختصة بالمرتد . وخامسها : أن قوله { الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا } يتناول كل من كان موصوفا بهذه الصفة ، سواء كان كافرا أو مسلما ، أقصى ما في الباب أن يقال الآية نزلت في الكفار لكنك تعلم أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب .
المسألة الثالثة : المحاربون المذكورون في هذه الآية هم القوم الذين يجتمعون ولهم منعة ممن أرادهم بسبب أنهم يحمي بعضهم بعضا ويقصدون المسلمين في أرواحهم ودمائهم ، وإنما اعتبرنا القوة والشوكة لأن قاطع الطريق إنما يمتاز عن السارق بهذا القيد ، واتفقوا على أن هذه الحالة إذا حصلت في الصحراء كانوا قطاع الطريق ، فأما لو حصلت في نفس البلدة فقال الشافعي رحمه الله : إنه يكون أيضا ساعيا في الأرض بالفساد ويقام عليه هذا الحد . قال : وأراهم في المصران لم يكونوا أعظم ذنبا فلا أقل من المساواة ، وقال أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله : إذا حصل ذلك في المصر فإنه لا يقام عليه الحد . وجه قول الشافعي رحمه الله النص والقياس ، أما النص فعموم قوله تعالى : { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا } ومعلوم أنه إذا حصل هذا المعنى في البلد كان لا محالة داخلا تحت عموم هذا النص ، وأما القياس فهو أن هذا حد فلا يختلف في المصر وغير المصر كسائر الحدود . وجه قول أبي حنيفة رحمه الله أن الداخل في المصر يلحقه الغوث في الغالب فلا يتمكن من المقاتلة فصار في حكم السارق .
المسألة الرابعة : قوله { أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض } للعلماء في لفظ { أو } في هذه الآية قولان : الأول : أنها للتخيير وهو قول ابن عباس في رواية علي بن أبي طلحة وقول الحسن وسعيد بن المسيب ومجاهد ، والمعنى أن الإمام إن شاء قتل وإن شاء صلب ، وإن شاء قطع الأيدي والأرجل ، وإن شاء نفى ، أي واحد من هذه الأقسام شاء فعل . وقال ابن عباس في رواية عطاء : كلمة { أو } هاهنا ليست للتخيير ، بل هي لبيان أن الأحكام تختلف باختلاف الجنايات ، فمن اقتصر على القتل قتل ، ومن قتل وأخذ المال قتل وصلب ، ومن اقتصر على أخذ المال قطع يده ورجله من خلاف . ومن أخاف السبل ولم يأخذ المال نفي من الأرض ، وهذا قول الأكثرين من العلماء ، وهو مذهب الشافعي رحمه الله ، والذي يدل على ضعف القول الأول وجهان : الأول : أنه لو كان المراد من الآية التخيير لوجب أن يمكن الإمام من الاقتصار على النفي ، ولما أجمعوا على أنه ليس له ذلك علما أنه ليس المراد من الآية التخيير ، والثاني : أن هذا المحارب إذا لم يقتل ولم يأخذ المال فقد هم بالمعصية ولم يفعل ، وذلك لا يوجب القتل كالعزم على سائر المعاصي ، فثبت أنه لا يجوز حمل الآية على التخيير ، فيجب أن يضمر في كل فعل على حدة فعلا على حدة ، فصار التقدير : أن يقتلوا إن قتلوا ، أو يصلبوا إن جمعوا بين أخذ المال والقتل ، أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف إن اقتصروا على أخذ المال أو ينفوا ممن الأرض إن أخافوا السبل ، والقياس الجلي أيضا يدل على صحة ما ذكرناه لأن القتل العمد العدوان يوجب القتل ، فغلظ ذلك في قاطع الطريق ، وصار القتل حتما لا يجوز العفو عنه ، وأخذ المال يتعلق به القطع في غير قاطع الطريق ، فغلظ ذلك في قاطع الطريق بقطع الطرفين ، وإن جمعوا بين القتل وبين أخذ المال جمع في حقهم بين القتل وبين الصلب ، لأن بقاءه مصلوبا في ممر الطريق يكون سببا لاشتهار إيقاع هذه العقوبة ، فيصير ذلك زاجرا لغيره عن الإقدام على مثل هذه المعصية ، وأما إن اقتصر على مجرد الإخافة اقتصر الشرع منه على عقوبة خفيفة وهي النفي من الأرض .
المسألة الخامسة : قال أبو حنيفة رحمه الله : إذا قتل وأخذ المال فالإمام مخير فيه بين ثلاثة أشياء . أن يقتلهم فقط ، أو يقتلهم ويقطع أيديهم وأرجلهم قبل القتل ، أو يقتلهم ويصلبهم ، وعند الشافعي رحمه الله : لابد من الصلب ، وهو قول أبي يوسف رحمه الله .
حجة الشافعي رحمه الله : أنه تعالى نص على الصلب كما نص على القتل فلم يجز إسقاط الصلب كما لم يجز إسقاط القتل . ثم اختلفوا في كيفية الصلب ، فقيل : يصلب حيا ثم يزج بطنه برمح حتى يموت ، وقال الشافعي رحمه الله : يقتل ويصلى عليه ثم يصلب .
المسألة السادسة : اختلفوا في تفسير النفي من الأرض . قال الشافعي رحمه الله : معناه إن وجد هؤلاء المحاربين قتلهم وصلبهم وقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف ، وإن لم يجدهم طلبهم أبدا حتى إذا قدر عليهم فعل بهم ما ذكرناه ، وبه قال أحمد وإسحاق رحمهما الله . وقال أبو حنيفة رحمه الله : النفي من الأرض هو الحبس ، وهو اختيار أكثر أهل اللغة ، قالوا : ويدل عليه أن قوله { أو ينفوا من الأرض } إما أن يكون المراد النفي من جميع الأرض ، وذلك غير ممكن مع بقاء الحياة ، وإما أن يكون إخراجه من تلك البلدة إلى بلدة أخرى ، وهو أيضا غير جائز ؛ لأن الغرض من هذا النفي دفع شره عن المسلمين ، فلو أخرجناه إلى بلد آخر لاستضر به من كان هناك من المسلمين ، وإما أن يكون المراد إخراجه إلى دار الكفر وهو أيضا غير جائز ، لأن إخراج المسلم إلى دار الكفر تعريض له بالردة وهو غير جائز ، ولما بطل الكل لم يبق إلا أن يكون المراد من النفي نفيه عن جميع الأرض إلا مكان الحبس . قالوا : والمحبوس قد يسمى منفيا من الأرض لأنه لا ينتفع بشيء من طيبات الدنيا ولذاتها ، ولا يرى أحدا من أحبابه ، فصار منفيا عن جميع اللذات والشهوات والطيبات فكان كالمنفي في الحقيقة . ولما حبسوا صالح بن عبد القدوس على تهمة الزندقة في حبس ضيق وطال لبثه هناك ذكر شعرا ، منه قوله :
خرجنا عن الدنيا وعن وصل أهلها *** فلسنا من الأحيا ولسنا من الموتى
إذا جاءنا السجان يوما لحاجة *** عجبنا وقلنا جاء هذا من الدنيا
قال الشافعي رحمه الله : هذا النفي المذكور في الآية محمول على وجهين : الأول : أن هؤلاء المحاربين إذا قتلوا وأخذوا المال فالإمام إن أخذهم أقام عليهم الحد ، وإن لم يأخذهم طلبهم أبدا فكونهم خائفين من الإمام هاربين من بلد إلى بلد هو المراد من النفي . الثاني : القوم الذين يحضرون الواقعة ويكثرون جمع هؤلاء المحاربين ويخيفون المسلمين ولكنهم ما قتلوا وما أخذوا المال فالإمام إن أخذهم أقام عليهم الحد ، وإن لم يأخذهم طلبهم أبدا . فيقوم الشافعي هاهنا : إن الإمام يأخذهم ويعزرهم ويحبسهم ، فالمراد بنفيهم عن الأرض هو هذا الحبس لا غير ، والله أعلم .
ثم قال تعالى : { ذلك لهم خزي في الدنيا } أي فضيحة وهوان { ولهم في الآخرة عذاب عظيم } .
قالت المعتزلة : الآية دالة على القطع بوعيد الفساق من أهل الصلاة ، ودالة على أن قتلهم قد أحبط ثوابهم ، لأنه تعالى حكم بأن ذلك لهم خزي في الدنيا والآخرة ، وذلك يدل على كونهم مستحقين للذم ، وكونهم مستحقين للذم في الحال يمنع من بقاء استحقاقهم للمدح والتعظيم لما أن ذلك جمع بين الضدين ، وإذا كان الأمر كذلك ثبت القول بالقطع بوعيد الفساق ، وثبت القول بالإحباط .
والجواب : لا نزاع بيننا وبينكم في أن هذا الحد إنما يكون واقعا على جهة الخزي والاستخفاف إذا لم تحصل التوبة ، فأما عند حصول التوبة فإن هذا الحد لا يكون على جهة الخزي والاستخفاف ، بل يكون على جهة الامتحان ، فإذا جاز لكم أن تشترطوا هذا الحكم بعدم التوبة لدليل دل على اعتبار هذا الشرط ، فنحن أيضا نشرط هذا الحكم بشرط عدم العفو ، وحينئذ لا يبقى الكلام إلا في أنه هل دل هذا الدليل على أنه تعالى يعفو عن الفساق أم لا ؟ وقد ذكرنا هذه المسألة بالاستقصاء في سورة البقرة في تفسير قوله تعالى : { بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون }
وهل من إسراف أشد من تجاوز حدود الله ؛ والتعدي على شريعته ، بالتغيير أو بالإهمال ؟
وفي الآية السابقة قرن الله قتل النفس بالفساد في الأرض ؛ وجعل كلا منهما مبررا للقتل ، واستثناء من صيانة حق الحياة ؛ وتفظيع جريمة إزهاق الروح . . ذلك أن أمن الجماعة المسلمة في دار الإسلام ، وصيانة النظام العام الذي تستمتع في ظله بالأمان ، وتزاول نشاطها الخير في طمأنينة . . ذلك كله ضروري كأمن الأفراد . . بل أشد ضرورة ؛ لأن أمن الأفراد لا يتحقق إلا به ؛ فضلا على صيانة هذا النموذج الفاضل من المجتمعات ، وإحاطته بكل ضمانات الاستقرار ؛ كيما يزاول الأفراد فيه نشاطهم الخير ، وكيما تترقى الحياة الإنسانية في ظله وتثمر ، وكيما تتفتح في جوه براعم الخير والفضيلة والإنتاج والنماء . . وبخاصة أن هذا المجتمع يوفر للناس جميعا ضمانات الحياة كلها ، وينتشر من حولهم جوا تنمو فيه بذور الخير وتذوي بذور الشر ، ويعمل على الوقاية قبل أن يعمل على العلاج ، ثم يعالج ما لم تتناوله وسائل الوقاية . ولا يدع دافعا ولا عذرا للنفس السوية أن تميل إلى الشر وإلى الاعتداء . . فالذي يهدد أمنه - بعد ذلك كله - هو عنصر خبيث يجب استئصاله ؛ ما لم يثب إلى الرشد والصواب . .
فالآن يقرر عقوبة هذا العنصر الخبيث ، وهو المعروف في الشريعة الإسلامية بحد الحرابة :
( إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ، ويسعون في الأرض فسادا ، أن يقتلوا أو يصلبوا ، أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف ، أو ينفوا من الأرض . . . ذلك لهم خزي في الدنيا ، ولهم في الآخرة عذاب عظيم . إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم ) . .
وحدود هذه الجريمة التي ورد فيها هذا النص ، هي الخروج على الإمام المسلم الذي يحكم بشريعة الله ، والتجمع في شكل عصابة ، خارجة على سلطان هذا الإمام ، تروع أهل دار الإسلام ؛ وتعتدي على أرواحهم وأموالهم وحرماتهم . ويشترط بعض الفقهاء أن يكون ذلك خارج المصر بعيدا عن مدى سلطان الإمام . ويرى بعضهم أن مجرد تجمع مثل هذه العصابة ، وأخذها في الاعتداء على أهل دار الإسلام بالقوة ، يجعل النص منطبقاعليها . سواء خارج المصر أو داخلة . وهذا هو الأقرب للواقع العملي ومجابهته بما يستحقه .
وهؤلاء الخارجون على حاكم يحكم بشريعة الله ؛ المعتدون على أهل دار الإسلام المقيمين للشريعة [ سواء كانوا مسلمين أو ذميين أو مستأمنين بعهد ] لا يحاربون الحاكم وحده ، ولا يحاربون الناس وحدهم . إنما هم يحاربون الله ورسوله . حينما يحاربون شريعته ، ويعتدون على الأمة القائمة على هذه الشريعة ، ويهددون دار الإسلام المحكومة بهذه الشريعة . كما أنهم بحربهم لله ورسوله ، وحربهم لشريعته وللأمة القائمة عليها وللدار التي تطبقها ، يسعون في الأرض فسادا . . فليس هناك فساد أشنع من محاولة تعطيل شريعة الله ، وترويع الدار التي تقام فيها هذه الشريعة . .
إنهم يحاربون الله ورسوله . . وإن كانوا إنما يحاربون الجماعة المسلمة والإمام المسلم . فهم قطعا لا يحاربون الله - سبحانه - بالسيف ، وقد لا يحاربون شخص رسول الله - بعد اختياره الرفيق الأعلى - ولكن الحرب لله ورسوله متحققة ، بالحرب لشريعة الله ورسوله ، وللجماعة التي ارتضت شريعة الله ورسوله ، وللدار التي تنفذ فيها شريعة الله ورسوله .
كما أن للنص - في صورته هذه - مفهوما آخر متعينا كهذا المفهوم - هو أن السلطان الذي يحق له - بأمر الله - أن يأخذ الخارجين عليه بهذه العقوبات المقررة لهذه الجريمة ، هو السلطان الذي يقوم على شريعة الله ورسوله ، في دار الإسلام المحكومة بشريعة الله ورسوله . . وليس أي سلطان آخر لا تتوافر له هذه الصفة ، في أية دار أخرى لا يتوافر لها هذا الوصف . .
نقرر هذا بوضوح ، لأن بعض أذناب السلطة في كل زمان ، كانوا يفتون لحكام لا يستمدون سلطانهم من شريعة الله ولا يقومون على تنفيذ هذه الشريعة ، ولا يحققون وجود دار إسلام في بلادهم ، ولو زعموا أنهم مسلمون . . كانوا يفتون لهم بأن يأخذوا الخارجين عليهم بهذه العقوبات - باسم شريعة الله - بينما كان هؤلاء الخارجون لا يحاربون الله ورسوله ؛ بل يحاربون سلطة خارجة على الله ورسوله . .
إنه ليس لسلطة لا تقوم على شريعة الله في دار الإسلام ، أن تأخذ الخارجين عليها باسم شريعة الله . . وما لمثل هذه السلطة وشريعة الله ؟ إنها تغتصب حق الألوهية وتدعيه ؛ فما لها تتحكك بقانون الله وتدعيه ؟ !
. . إنما جزاء أفراد هذه العصابات المسلحة ، التي تخرج على سلطان الإمام المسلم المقيم لشريعة الله ؛ وتروع عباد الله في دار الإسلام ، وتعتدي على أموالهم وأرواحهم وحرماتهم . . أن يقتلوا تقتيلا عاديا . أو أن يصلبوا حتى يموتوا [ وبعض الفقهاء يفسر النص بأنه الصلب بعد القتل للترويع والإرهاب ] أو أن تقطع أيديهم اليمنى مع أرجلهم اليسرى . . من خلاف . .
ويختلف الفقهاء اختلافا واسعا حول هذا النص : إن كان للإمام الخيار في هذه العقوبات ، أم أن هناك عقوبة معينة لكل جريمة تقع من الخارجين .
ويرى الفقهاء في مذهب أبى حنيفة والشافعي وأحمد أن العقوبات مرتبة على حسب الجناية التي وقعت . فمن قتل ولم يأخذ مالا قتل ، ومن أخذ المال ولم يقتل قطع ، ومن قتل وأخذ المال قتل وصلب ، ومن أخاف السبيل ولكنه لم يقتل ولم يأخذ مالا نفي :
وعند مالك أن المحارب إذا قتل فلا بد من قتله وليس للإمام تخيير في قطعه ولا في نفيه ، وإنما التخيير في قتله أو صلبه ، وأما إن أخذ المال ولم يقتل فلا تخيير في نفيه ، وإنما التخيير في قتله أو صلبه أو قطعه من خلاف . وأما إذا أخاف السبيل فقط ، فالإمام مخير في قتله أو صلبه أو قطعة أو نفيه . . ومعنى التخيير عندمالك أن الأمر راجع في ذلك إلى اجتهاد الإمام . فإن كان المحارب ممن له الرأي والتدبير فوجه الاجتهاد قتله أو صلبه ، لأن القطع لا يدفع ضرره . وإن كان لا رأي له وإنما هو ذو قوة وبأس قطعة من خلاف . وإن كان ليس له شيء من هاتين الصفتين أخذ بأيسر ذلك وهو النفي والتعزير .
ونحن نختار رأي الإمام مالك في الفقرة الأخيرة منه ، وهي أن العقوبة قد توقع على مجرد الخروج وإخافة السبيل . لأن هذا إجراء وقائي المقصود منه أولا منع وقوع الجريمة ، والتغليظ على المفسدين في الأرض الذين يروعون دار الإسلام ؛ ويفزعون الجماعة المسلمة القائمة على شريعة الله في هذه الدار . وهي أجدر جماعة وأجدر دار بالأمن والطمأنينة والسلام .
كذلك يختلفون في معنى النفي من الأرض . . هل هو النفي من الأرض التي ارتكب فيها جريمته ؟ أم هو النفي من الأرض التي يملك فيها حريته وذلك بحبسه . أم هو النفي من الأرض كلها ولا يكون ذلك إلا بالموت ؟
ونحن نختار النفي من أرض الجريمة ، إلى مكان ناء يحس فيه بالغربة والتشريد والضعف ؛ جزاء ما شرد الناس وخوفهم وطغى بقوته فيهم . حيث يصبح في منفاه عاجزا عن مزاولة جريمته بضعف عصبيته ، أو بعزله عن عصابته !
( ذلك لهم خزي في الدنيا . . ولهم في الآخرة عذاب عظيم ) . .
فالجزاء الذي يلقونه إذن في الدنيا لا يسقط عنهم العذاب في الآخرة ، ولا يطهرهم من دنس الجريمة كبعض الحدود الأخرى . وهذا كذلك تغليظ للعقوبة ، وتبشيع للجريمة . . ذلك أن الجماعة المسلمة في دار الإسلام يجب أن تعيش آمنة . وذلك أن السلطة المسلمة القائمة على شريعة الله يجب أن تكون مطاعة . فهذا هو الوسط الخير الرفيع الذي يجب توفير الضمانات كلها لازدهاره . . وهذا هو النظام العادل الكامل الذي يجب أن يصان من المساس به . .