قوله تعالى { وأدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها بإذن ربهم تحيتهم فيها سلام } وفيه مسألتان :
المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما بالغ في شرح أحوال الأشقياء من الوجوه الكثيرة ، شرح أحوال السعداء ، وقد عرفت أن الثواب يجب أن يكون منفعة خالصة دائمة مقرونة بالتعظيم ، فالمنفعة الخالصة إليها الإشارة بقوله تعالى : { وأدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار } وكونها دائمة أشير إليه بقوله : { خالدين فيها } والتعظيم حصل من وجهين : أحدهما : أن تلك المنافع إنما حصلت بإذن الله تعالى وأمره . والثاني : قوله : { تحيتهم فيها سلام } لأن بعضهم يحيي بعضا بهذه الكلمة ، والملائكة يحيونهم بها كما قال : { والملائكة يدخلون عليهم من كل باب * سلام عليكم } والرب الرحيم يحييهم أيضا بهذه الكلمة كما قال : { سلام قولا من رب رحيم } .
واعلم أن السلام مشتق من السلامة وإلا ظهر أن المراد أنهم سلموا من آفات الدنيا وحسراتها أو فنون آلامها وأسقامها ، وأنواع غمومها وهمومها ، وما أصدق ما قالوا ، فإن السلامة من محن عالم الأجسام الكائنة الفاسدة من أعظم النعم ، لا سيما إذا حصل بعد الخلاص منها الفوز بالبهجة الروحانية والسعادة الملكية .
المسألة الثانية : قرأ الحسن : { وأدخل الذين آمنوا } على معنى وأدخلهم أنا ، وعلى هذه القراءة فقوله : { بإذن ربهم } متعلق بما بعده ، أي تحيتهم فيها سلام بإذن ربهم . يعني : أن الملائكة يحيونهم بإذن ربهم .
ولما كان هذا جزاء الظالمين ، من حسرات متتابعة ، قابل القرآن بين موقفهم وموقف المؤمنين ، على طريقة القرآن الفذة في الجمع بين الأضداد . فقال سبحانه وتعالى :
{ وأدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار . . . } .
أي : أدخل الله تعالى في ذلك اليوم العظيم المؤمنين الصالحين ، جنات وبساتين يانعة تجري الأنهار من تحت أشجارها وقصورها ؛ زيادة في البهجة وحسن المنظر .
{ خالدين فيها بإذن ربهم } . أي : ماكثين فيها أبدا ، خالدين فيها خلودا أبديا ، نعيمهم دائم سرمدي لا ينقطع .
{ بإذن ربهم } . بأمر الله وفضله ، وهو أمر نافذ لا يرده أحد ، وبفضله الذي لا حد له ، الذي يتفضل به على المؤمنين فيضاعف لهم الثواب ، رحمة منه وفضلا .
روى البخاري في صحيحه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لن يدخل أحدا عمله الجنة ) ، قالوا : ولا أنت يا رسول الله ؟ ! قال : ( ولا أنا ؛ إلا أن يتغمدني الله بفضله ورحمته ، فسددوا وقاربوا ، ولا يتمنين أحدكم الموت ؛ إما محسنا فلعله أن يزداد خيرا ، وإما مسيئا فلعله أن يستعتب )17 .
ومعنى يستعتب : يتوب ويندم ويستغفر .
أي : تحيتهم في الجنة : سلام ، بمعنى : أمان وتحية ، وهي : تحية الله لهم ، وتحية الملائكة لهم ، وتحية المؤمنين بعضهم لبعض .
قال تعالى : { سلام قولا من رب رحيم } . ( يس : 58 ) .
وقال سبحانه : { تحيتهم يوم يلقونه سلام } . ( الأحزاب : 44 ) .
كما أن الملائكة تحيّي المؤمنين بالسلام في الجنة ، قال تعالى : { والملائكة يدخلون عليهم من كل باب* سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار } . ( الرعد : 24 ، 23 ) .
وقال تعالى : { حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين } . ( الزمر : 73 ) .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.