قوله تعالى : { ألم تر كيف ضرب الله مثلا طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون . ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار } .
اعلم أنه تعالى لما شرح أحوال الأشقياء وأحوال السعداء ، ذكر مثالا يبين الحال في حكم هذين القسمين ، وهو هذا المثل . وفيه مسائل :
المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى ذكر شجرة موصوفة بصفات أربعة ثم شبه الكلمة الطيبة بها .
فالصفة الأولى : لتلك الشجرة كونها طيبة ، وذلك يحتمل أمورا . أحدها : كونها طيبة المنظر والصورة والشكل . وثانيها : كونها طيبة الرائحة . وثالثها : كونها طيبة الثمرة يعني أن الفواكه المتولدة منها تكون لذيذة مستطابة . ورابعها : كونها طيبة بحسب المنفعة يعني أنها كما يستلذ بأكلها فكذلك يعظم الانتفاع بها ، ويجب حمل قوله : شجرة طيبة ، على مجموع هذه الوجوه لأن اجتماعها يحصل كمال الطيب .
والصفة الثانية : قوله : { أصلها ثابت } أي راسخ باق آمن الانقلاع والانقطاع والزوال والفناء وذلك لأن الشيء الطيب إذا كان في معرض الانقراض والانقضاء ، فهو وإن كان يحصل الفرح بسبب وجدانه إلا أنه يعظم الحزن بسبب الخوف من زواله وانقضائه ، أما إذا علم من حاله أنه باق دائم لا يزول ولا ينقضي فإنه يعظم الفرح بوجدانه ويكمل السرور بسبب الفوز به .
والصفة الثالثة : قوله : { وفرعها في السماء } وهذا الوصف يدل على كمال حال تلك الشجرة من وجهين : الأول : أن ارتفاع الأغصان وقوتها في التصاعد يدل على ثبات الأصل ورسوخ العروق . والثاني : أنها متى كانت متصاعدة مرتفعة كانت بعيدة عن عفونات الأرض وقاذورات الأبنية فكانت ثمراتها نقية ظاهرة طيبة عن جميع الشوائب .
{ ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء24 تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون25 } .
ألم تر : الخطاب هنا لكل ذي عقل يحسن فهم الخطاب ، والاستفهام هنا للتقرير بالعلم ، والمعنى : ألم تعلم .
ضرب الله مثلا : المثل : الصفة العجيبة ، وضرب المثل : تبيينه ووضعه في المكان اللائق به .
كلمة طيبة : المراد بها هنا : كلمة التوحيد .
24 { ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء } .
ذكر سبحانه وتعالى فيما سبق : عقوبة الظالمين ، وجزاء المؤمنين ، وهنا ضرب لذلك مثلا حسيا ملموسا فيه تشبيه للمعنويات بالملموسات ، والخطاب في الآية للرسول صلى الله عليه وسلم ، أو لكل من يتأتى منه الخطاب .
والمعنى : ألم تر أيها المخاطب ، كيف اختار الله تعالى مثلا ، ووضعه في موضعه اللائق به والمناسب له ، وهذا المثل لكلمتي الإيمان والكفر .
فكلمة الإيمان والتوحيد في الإسلام ، وهي : شهادة أن لا إله إلا الله ، أصلها ثابت متين ، معتمد على الإيمان بالله ، وصدق التوحيد ، والإخلاص له ، وتثمر أعمالا صالحة من الصلاة والصيام والحج والجهاد ، وسائر آداب الإسلام في العبادات والمعاملات .
شبه الله كلمة التوحيد بشجرة طيبة مثمرة هي : النخلة ، أصلها ثابت في الأرض لا تزعزعه الرياح ، وفرعها متجه إلى السماء ، فهو عال رشيق مثمر .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.