مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{أَلَمۡ تَرَ كَيۡفَ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلٗا كَلِمَةٗ طَيِّبَةٗ كَشَجَرَةٖ طَيِّبَةٍ أَصۡلُهَا ثَابِتٞ وَفَرۡعُهَا فِي ٱلسَّمَآءِ} (24)

قوله تعالى : { ألم تر كيف ضرب الله مثلا طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون . ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار } .

اعلم أنه تعالى لما شرح أحوال الأشقياء وأحوال السعداء ، ذكر مثالا يبين الحال في حكم هذين القسمين ، وهو هذا المثل . وفيه مسائل :

المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى ذكر شجرة موصوفة بصفات أربعة ثم شبه الكلمة الطيبة بها .

فالصفة الأولى : لتلك الشجرة كونها طيبة ، وذلك يحتمل أمورا . أحدها : كونها طيبة المنظر والصورة والشكل . وثانيها : كونها طيبة الرائحة . وثالثها : كونها طيبة الثمرة يعني أن الفواكه المتولدة منها تكون لذيذة مستطابة . ورابعها : كونها طيبة بحسب المنفعة يعني أنها كما يستلذ بأكلها فكذلك يعظم الانتفاع بها ، ويجب حمل قوله : شجرة طيبة ، على مجموع هذه الوجوه لأن اجتماعها يحصل كمال الطيب .

والصفة الثانية : قوله : { أصلها ثابت } أي راسخ باق آمن الانقلاع والانقطاع والزوال والفناء وذلك لأن الشيء الطيب إذا كان في معرض الانقراض والانقضاء ، فهو وإن كان يحصل الفرح بسبب وجدانه إلا أنه يعظم الحزن بسبب الخوف من زواله وانقضائه ، أما إذا علم من حاله أنه باق دائم لا يزول ولا ينقضي فإنه يعظم الفرح بوجدانه ويكمل السرور بسبب الفوز به .

والصفة الثالثة : قوله : { وفرعها في السماء } وهذا الوصف يدل على كمال حال تلك الشجرة من وجهين : الأول : أن ارتفاع الأغصان وقوتها في التصاعد يدل على ثبات الأصل ورسوخ العروق . والثاني : أنها متى كانت متصاعدة مرتفعة كانت بعيدة عن عفونات الأرض وقاذورات الأبنية فكانت ثمراتها نقية ظاهرة طيبة عن جميع الشوائب .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{أَلَمۡ تَرَ كَيۡفَ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلٗا كَلِمَةٗ طَيِّبَةٗ كَشَجَرَةٖ طَيِّبَةٍ أَصۡلُهَا ثَابِتٞ وَفَرۡعُهَا فِي ٱلسَّمَآءِ} (24)

{ ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء24 تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون25 } .

المفردات :

ألم تر : الخطاب هنا لكل ذي عقل يحسن فهم الخطاب ، والاستفهام هنا للتقرير بالعلم ، والمعنى : ألم تعلم .

ضرب الله مثلا : المثل : الصفة العجيبة ، وضرب المثل : تبيينه ووضعه في المكان اللائق به .

كلمة طيبة : المراد بها هنا : كلمة التوحيد .

التفسير :

24 { ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء } .

ذكر سبحانه وتعالى فيما سبق : عقوبة الظالمين ، وجزاء المؤمنين ، وهنا ضرب لذلك مثلا حسيا ملموسا فيه تشبيه للمعنويات بالملموسات ، والخطاب في الآية للرسول صلى الله عليه وسلم ، أو لكل من يتأتى منه الخطاب .

والمعنى : ألم تر أيها المخاطب ، كيف اختار الله تعالى مثلا ، ووضعه في موضعه اللائق به والمناسب له ، وهذا المثل لكلمتي الإيمان والكفر .

فكلمة الإيمان والتوحيد في الإسلام ، وهي : شهادة أن لا إله إلا الله ، أصلها ثابت متين ، معتمد على الإيمان بالله ، وصدق التوحيد ، والإخلاص له ، وتثمر أعمالا صالحة من الصلاة والصيام والحج والجهاد ، وسائر آداب الإسلام في العبادات والمعاملات .

شبه الله كلمة التوحيد بشجرة طيبة مثمرة هي : النخلة ، أصلها ثابت في الأرض لا تزعزعه الرياح ، وفرعها متجه إلى السماء ، فهو عال رشيق مثمر .