مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَتَرَى ٱلۡمُجۡرِمِينَ يَوۡمَئِذٖ مُّقَرَّنِينَ فِي ٱلۡأَصۡفَادِ} (49)

ولما وصف نفسه سبحانه بكونه قهارا بين عجزهم وذلتهم ، فقال : { وترى المجرمين يومئذ } .

واعلم أنه تعالى ذكر في صفات عجزهم وذلتهم أمورا :

فالصفة الأولى : كونهم مقرنين في الأصفاد . يقال : قرنت الشيء بالشيء إذا شددته به ووصلته . والقرآن اسم للحبل الذي يشد به شيئان . وجاء ههنا على التكثير لكثرة أولئك القوم والأصفاد جمع صفد وهو القيد .

إذا عرفت هذا فنقول : في قوله : { مقرنين } ثلاثة أوجه : قال الكلبي : مقرنين كل كافر مع شيطان في غل ، وقال عطاء : هو معنى قوله : { وإذا النفوس زوجت } أي قرنت فيقرن الله تعالى نفوس المؤمنين بالحور العين ، ونفوس الكافرين بقرنائهم من الشياطين ، وأقول حظ البحث العقلي منه أن الإنسان إذا فارق الدنيا ، فإما أن يكون قد راض نفسه وهذبها ، ودعاها إلى معرفة الله تعالى وطاعته ومحبته ، أو ما فعل ذلك ، بل تركها متوغلة في اللذات الجسدانية مقبلة على الأحوال الوهمية والخيالية ، فإن كان الأول فتلك النفس تفارق مع تلك البهجة بالحضرة الإلهية ، والسعادة بالعناية الصمدانية ، وإن كان الثاني فتلك النفس تفارق مع الأسف والحزن والبلاء الشديد ، بسبب الميل إلى عالم الجسم ، وهذا هو المراد بقوله : { وإذا النفوس زوجت } وشيطان النفس الكافرة هي الملكات الباطلة ، والحوادث الفاسدة ، وهو المراد من قول عطاء : إن كل كافر مع شيطانه يكون مقرونا في الأصفاد .

والقول الثاني : في تفسير قوله : { مقرنين في الأصفاد } هو قرن بعض الكفار ببعض ، والمراد أن تلك النفوس الشقية والأرواح المكدرة الظلمانية ، لكونها متجانسة متشاكلة ينضم بعضها إلى بعض ، وتنادي ظلمة كل واحدة منها إلى الأخرى ، فانحدار كل واحدة منها إلى الأخرى في تلك الظلمات ، والخسارات هي المراد بقوله : { مقرنين في الأصفاد } .

والقول الثالث : قال زيد بن أرقم : قرنت أيديهم وأرجلهم إلى رقابهم بالأغلال ، وحظ العقل من ذلك أن الملكات الحاصلة في جوهر النفس إنما تحصل بتكرير الأفعال الصادرة من الجوارح والأعضاء ، فإذا كانت تلك الملكات ظلمانية كدرة ، صارت في المثال كأن أيديها وأرجلها قرنت وغلت في رقابها . وأما قوله : { في الأصفاد } ففيه وجهان : أحدها : أن يكون ذلك متعلقا بمقرنين ، والمعنى : يقربون بالأصفاد . والثاني : أن لا يكون متعلقا به ، والمعنى : أنهم مقرنون مقيدون ، وحظ العقل معلوم مما سلفت الإشارة إليه .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَتَرَى ٱلۡمُجۡرِمِينَ يَوۡمَئِذٖ مُّقَرَّنِينَ فِي ٱلۡأَصۡفَادِ} (49)

المفردات :

مقرنين : المقرنون : المجموعون بعضهم مع بعض في قرن ، وهو : الحبل الذي يربط به .

الأصفاد : القيود والأغلال وهو جمع صفد أو صفد : قيد يوضع في الرجل . والغل : قيد تضم به اليد إلى العنق ، وقد يقصر على العنق .

التفسير :

{ وترى المجرمين يومئذ مقرّنين في الأصفاد } .

كان الحديث في الفقرة السابقة بصيغة الماضي ، وهنا تغير الحديث إلى المضارع ؛ ليعرض الموقف شاخصا أمام المشاهد ، كأنه حاضر الآن أمام عينيه .

إن القيامة تكون على رءوس الخلائق ، وطالما تجبّر الظالمون في هذه الدنيا ، وأساءوا معاملة المؤمنين ، وهاهم يحشرون يوم القيامة والذل والعار على وجوههم ، ويشاهدهم جميع الخلائق ، { مقرنين } . أي : يقرن بعضهم إلى بعض في القيود ، ويضم كل إلى مشاركه في كفره وعمله ؛ فيضم عابد الوثن إلى عابد الوثن ، ويضم شارب الخمر إلى شارب الخمر .

{ في الأصفاد } . في الأغلال والقيود ، التي يوضع فيها المجرمون والسجناء في هذه الدنيا .