مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٖ وَتَغۡشَىٰ وُجُوهَهُمُ ٱلنَّارُ} (50)

الصفة الثانية : قوله تعالى : { سرابيلهم من قطران } السرابيل جمع سربال وهو القميص ، والقطران فيه ثلاث لغات : قطران وقطران وقطران ، بفتح القاف وكسرها مع سكون الطاء وبفتح القاف وكسر الطاء ، وهو شيء يتحلب من شجر يسمى الأبهل فيطبخ ويطلى به الإبل الجرب فيحرق الجرب بحرارته وحدته ، وقد تصل حرارته إلى داخل الجوف ، ومن شأنه أن يتسارع فيه اشتعال النار ، وهو أسود اللون منتن الريح فتطلى به جلود أهل النار حتى يصير ذلك الطلي كالسرابيل ، وهي القمص فيحصل بسببها أربعة أنواع من العذاب ، لذع القطران وحرقته ، وإسراع النار في جلودهم ، واللون الوحش ، ونتن الريح ، وأيضا التفاوت بين قطران القيامة وقطران الدنيا كالتفاوت بين النارين ، وأقول حظ العقل من هذا أن جوهر الروح جوهر مشرق لامع من عالم القدس وغيبة الجلال ، وهذا البدن جار مجرى السربال والقميص له ، وكل ما يحصل للنفس من الآلام والغموم ، فإنما يحصل بسبب هذا البدن ، فلهذا البدن لذع وحرقة في جوهر النفس ، لأن الشهوة والحرص والغضب إنما تتسارع إلى جوهر الروح بسببه ، وكونه للكثافة والكدورة والظلمة هو الذي يخفي لمعان الروح وضوءه وهو سبب لحصول النتن والعفونة ، فتشبه هذا الجسد بسرابيل من القطران والقطر ، وقرأ بعضهم { من قطرآن } والقطر النحاس أو الصفر المذاب والآني المتناهي حره . قال أبو بكر بن الأنباري : وتلك النار لا تبطل ذلك القطران ولا تفنيه كما لا تهلك النار أجسادهم والأغلال التي كانت عليهم .

الصفة الثالثة : قوله تعالى : { وتغشى وجوههم النار } ونظيره قوله تعالى : { أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب يوم القيامة } وقوله : { يوم يسحبون في النار على وجوههم } .

واعلم أن موضع المعرفة والنكرة والعلم والجهل هو القلب ، وموضع الفكر والوهم والخيال هو الرأس . وأثر هذه الأحوال إنما تظهر في الوجه ، فلهذا السبب خص الله تعالى هذين العضوين بظهور آثار العقاب فيهما فقال في القلب : { نار الله الموقدة * التي تطلع على الأفئدة } وقال في الوجه : { وتغشى وجوههم النار } بمعنى تتغشى .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٖ وَتَغۡشَىٰ وُجُوهَهُمُ ٱلنَّارُ} (50)

المفردات :

سرابيلهم : جمع سربال ، وهو : القميص .

قطران : القطران : سائل أسود تطلى به الإبل الجربى .

تغشى وجوههم النار : تعلوها وتحيط بها .

التفسير :

{ سرابيلهم من قطران . . . } .

تكمل هذه الآية رسم صورة للظالمين ، فثيابهم أو قمصهم من قطران ، وهو سائل حار أسود اللون ، منتن الرائحة ، يساعد على سرعة اشتعال النار ، تطلى به الإبل الجربى ، فيحرق القطران الجرب ، كما تطلى به جلود أهل النار ، حتى يكون عليهم كالسرابيل ؛ ليذوقوا أشد العذاب وأقساه ، بنار سريعة الاشتعال ، تجعل أجسامهم سوداء داكنة فيجتمع عليهم أربعة ألوان من العذاب : لذع القطران وحرقته ، وإسراع اشتعال النار في الجلود ، واللون الأسود الموحش ، ونتن الريح .

{ وتغشى وجوههم النار } .

إن وجوههم تعلوها النار ، التي تلهب وجوههم وتحيط بها ، كما تحيط بأجسامهم المسربلة بالقطران وتخصيص الوجوه بالذكر ؛ لكونها أعز الأعضاء الظاهرة وأشرفها .

ونظير الآية قوله تعالى : { أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب يوم القيامة } ( الزمر : 24 ) ، وقوله سبحانه : { يوم يسحبون في النار على وجوههم ذوقوا مسّ سقر } ( القمر : 48 ) .

القطران والجرب

اجتمع الفرزدق وجرير والأخطل فقالوا : ليأت كل واحد منا ببيت من الشعر لا يستطيع الآخر نقضه .

فقال أولهم :

أنا القطران والشعراء جربى وفي القطران للجربى شفاء

فقال الثاني :

فإن تك زق زاملة فإني *** أنا الطاعون ليس له دواء

فقال الثالث :

أنا الموت الذي يأتي عليكم *** فليس لهارب مني نجاء