مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَلَا تَمۡشِ فِي ٱلۡأَرۡضِ مَرَحًاۖ إِنَّكَ لَن تَخۡرِقَ ٱلۡأَرۡضَ وَلَن تَبۡلُغَ ٱلۡجِبَالَ طُولٗا} (37)

قوله تعالى { ولا تمش في الأرض مرحا إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها } .

اعلم أن هذا هو النوع الثاني من الأشياء التي نهى الله عنها في هذه الآيات وفيه مسائل :

المسألة الأولى : المرح شدة الفرح يقال : مرح يمرح مرحا فهو مرح ، والمراد من الآية النهي عن أن يمشي الإنسان مشيا يدل على الكبرياء والعظمة . قال الزجاج : لا تمش في الأرض مختالا فخورا ونظيره قوله تعالى في سورة الفرقان : { وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا } وقال في سورة لقمان : { واقصد في مشيك واغضض من صوتك } وقال أيضا فيها : { ولا تمش في الأرض مرحا إن الله لا يحب كل مختال فخور } .

المسألة الثانية : قال الأخفش : ولو قرئ : { مرحا } بالكسر كان أحسن في القراءة . قال الزجاج : مرحا مصدر ومرحا اسم الفاعل وكلاهما جائز ، إلا أن المصدر أحسن ههنا وأوكد ، تقول جاء زيد ركضا وراكضا فركضنا أوكد لأنه يدل على توكيد الفعل ، ثم إنه تعالى أكد النهي عن الخيلاء والتكبر فقال : { إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا } والمراد من الخرق ههنا نقب الأرض ، ثم ذكروا فيه وجوها : الأول : أن المشي إنما يتم بالارتفاع والانخفاض فكأنه قيل : إنك حال الانخفاض لا تقدر على خرق الأرض ونقبها ، وحال الارتفاع لا تقدر على أن تصل إلى رؤوس الجبال ، والمراد التنبيه على كونه ضعيفا عاجزا فلا يليق به التكبر . الثاني : المراد منه أن تحتك الأرض التي لا تقدر على خرقها . وفوقك الجبال التي لا تقدر على الوصول ، إليها فأنت محاط بك من فوقك وتحتك بنوعين من الجماد ، وأنت أضعف منهما بكثير ، والضعيف المحصور لا يليق به التكبر فكأنه قيل له : تواضع ولا تتكبر فإنك خلق ضعيف من خلق الله المحصور بين حجارة وتراب فلا تفعل فعل المقتدر القوي :

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَلَا تَمۡشِ فِي ٱلۡأَرۡضِ مَرَحًاۖ إِنَّكَ لَن تَخۡرِقَ ٱلۡأَرۡضَ وَلَن تَبۡلُغَ ٱلۡجِبَالَ طُولٗا} (37)

{ ولا تمش في الأرض مرحا إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا ( 37 ) }

المفردات :

المرح : الفخر والكبر .

لن تخرق الأرض : لن تقطع الأرض ولن تجعل فيها خرقا وثقبا باختيالك وشدة وطأتك .

لن تبلغ الجبال طولا {[7]} : أي : بتمايلك وفخرك وإعجابك بنفسك .

التفسير :

37- { ولا تمش في الأرض مرحا . . . } الآية .

قال النيسابوري : بين الله ضعف الآدمي بأنه في حال انخفاضه لا يقدر على خرق الأرض وفي حال ارتفاعه لا يقدر على الوصول إلى رؤوس الجبال فلا يليق به أن يتكبر {[8]} .

والإنسان حين يخلو قلبه من الشعور بالخالق القاهر فوق عباده ؛ تأخذه الخيلاء بما يبلغه من ثراء أو سلطان أو جمال . ولو تذكر أن ما به من نعمة فمن الله ، وأنه ضعيف أمام حول الله ؛ لطامن كبريائه وخفف من خيلائه . ومشى على الأرض هونا لا تيها ولا مرحا .

والقرآن هنا يجبه المتطاول المختال المرح ، بضعفه وعجزه وضآلته فالإنسان بجسمه ضئيل هزيل ، لا يبلغ شيئا من الأجسام الضخمة التي خلقها الله ، إنما هو قوي بقوة الله ، عزيز بعزة الله ، كريم بروحه الذي نفخه الله فيه ، ليتصل به ويراقبه ولا ينساه .

ذلك التطامن والتواضع الذي يدعو إليه القرآن بذم المرح والخيلاء أدب مع الله ، وأدب مع الناس ، أدب نفسي وأدب اجتماعي .

ومن ترك هذا الأدب إلى العجب والخيلاء ؛ عامله الله بنقيض قصده ، فجعله صغيرا عند الله .

وفي الأثر يقول الله عز وجل : ( يا داود ، من تواضع لي هكذا ، رفعته هكذا ، ومن تكبر عليّ هكذا وضعته هكذا ) .

وما أشبه المتكبر بالرجل فوق النخلة العالية أو الجبل المرتفع يرى الناس صغارا ، وهم يرونه صغيرا .

وكان من دعاء السابقين : اللهم ، اجعلني عند نفسي صغيرا وعند الناس كبيرا .

وفي الصحيح : ( بينما رجل يمشي فيمن كان قبلكم وعليه بردان يتبختر فيهما إذ خسف به الأرض فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة ) {[9]} .

وكذلك أخبر الله تعالى عن قارون أنه خرج على قومه في زينته وأن الله تعالى خسف به وبداره الأرض .

وفي الحديث : ( من تواضع لله ؛ رفعه الله فهو في نفسه حقير وعند الناس كبير ، ومن استكبر ؛ وضعه الله فهو في نفسه كبير وعند الناس حقير ) {[10]} .


[7]:ما زال جبريل يوصيني بالجار: رواه البخاري في الأدب (6014) ومسلم في البر و الصلة (2624) وأبو داود في الأدب(5151) والترمذي في البر والصلة (1942) وابن ماجه في الأدب (3673) وأحمد في مسنده (25482،25012،24421،24079،23739) من حديث عائشة. ورواه البخاري في الأدب (6015) ومسلم في البر والصلة (2625) من حديث ابن عمر. ورواه أبو داود في الأدب (5152) والترمذي في البر والصلة (1943) و أحمد في مسنده (6460) من حديث عبد الله بن عمرو. وقال الترميدي: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه وقد روى هذا الحديث عن مجاهد عن عائشة وأبي هريرة عن النبي صلى اله عليه وسلم أيضا. ورواه أحمد في مسنده (5552) من حديث عبد الله بن مسعود. ورواه أحمد في مسنده أيضا (10297،9453،7985،7470) من حديث أبي هريرة. ورواه أحمد في مسنده (22583،19837) عن رجل من الأنصار.
[8]:) اقرأ على؛ أحب أن أسمعه من غيري: رواه البخاري في التفسير (4582) وفي فضائل القرآن (5055،5050) ومسلم في صلاة المسافرين (800) والترمذي في التفسير (3024) وأبو داود في العلم (3668) وابن ماجه في الزهد (4194) وأحمد في مسنده (4107،3595،3541) من حديث عبد الله بن مسعود.
[9]:تفسير المراغي 5/61.
[10]:فتح القدير للشوكاني 1/480