مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَمِنۡهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِي ٱلدُّنۡيَا حَسَنَةٗ وَفِي ٱلۡأٓخِرَةِ حَسَنَةٗ وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ} (201)

أما قوله تعالى : { ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار } فالمفسرون ذكروا فيه وجوها أحدها : أن الحسنة في الدنيا عبارة عن الصحة ، والأمن ، والكفاية والولد الصالح ، والزوجة الصالحة ، والنصرة على الأعداء ، وقد سمى الله تعالى الخصب والسعة في الرزق ، وما أشبهه «حسنة » فقال : { إن تصبك حسنة تسؤهم } وقيل في قوله : { قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين } أنهما الظفر والنصرة والشهادة ، وأما الحسنة في الآخرة فهي الفوز بالثواب ، والخلاص من العقاب ، وبالجملة فقوله : { ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة } كلمة جامعة لجميع مطالب الدنيا والآخرة ، روى حماد بن سلمة عن ثابت أنهم قالوا لأنس : ادع لنا ، فقال : «اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار » قالوا : زدنا فأعادها قالوا زدنا قال ما تريدون ؟ قد سألت لكم خير الدنيا والآخرة ولقد صدق أنس فإنه ليس للعبد دار سوى الدنيا والآخرة فإذا سأل حسنة الدنيا وحسنة الآخرة لم يبق شيء سواه وثانيها : أن المراد بالحسنة في الدنيا العمل النافع وهو الإيمان والطاعة والحسنة في الآخرة اللذة الدائمة والتعظيم والتنعم بذكر الله وبالأنس به وبمحبته وبرؤيته وروى الضحاك عن ابن عباس أن رجلا دعا ربه فقال في دعائه : { ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار } فقال النبي عليه الصلاة والسلام : " ما أعلم أن هذا الرجل سأل الله شيئا من أمر الدنيا ، فقال بعض الصحابة : بلى يا رسول الله إنه قال : «ربنا آتنا في الدنيا حسنة » فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إنه يقول : آتنا في الدنيا عملا صالحا " وهذا متأكد بقوله تعالى : { والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين } وتلك القرة هي أن يشاهدوا أولادهم وأزواجهم مطيعين مؤمنين مواظبين على العبودية وثالثها : قال قتادة : الحسنة في الدنيا وفي الآخرة طلب العافية في الدارين ، وعن الحسن : الحسنة في الدنيا فهم كتاب الله تعالى ، وفي الآخرة الجنة ، واعلم أن منشأ البحث في الآية أنه لو قيل ، آتنا في الدنيا الحسنة وفي الآخرة الحسنة لكان ذلك متناولا لكل الحسنات ، ولكنه قال : { آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة } وهذا نكرة في محل الإثبات فلا يتناول إلا حسنة واحدة ، فلذلك اختلف المتقدمون من المفسرين فكل واحد منهم حمل اللفظ على ما رآه أحسن أنواع الحسنة .

فإن قيل : أليس أنه لو قيل : آتنا الحسنة في الدنيا والحسنة في الآخرة لكان ذلك متناولا لكل الأقسام فلم ترك ذلك وذكر على سبيل التنكير ؟

قلت : الذي أظنه في هذا الموضع والعلم عند الله أنا بينا فيما تقدم أنه ليس للداعي أن يقول : اللهم أعطني كذا وكذا بل يجب أن يقول : اللهم إن كان كذا وكذا مصلحة لي وموافقا لقضائك وقدرك فأعطني ذلك ، فلو قال : اللهم أعطني الحسنة في الدنيا والآخرة لكان ذلك جزما ، وقد بينا أنه غير جائز ، أما لما ذكر على سبيل التنكير فقال أعطني في الدنيا حسنة كان المراد منه حسنة واحدة وهي الحسنة التي تكون موافقة لقضائه وقدره ورضاه وحكمه وحكمته فكان ذلك أقرب إلى رعاية الأدب والمحافظة على أصول اليقين .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَمِنۡهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِي ٱلدُّنۡيَا حَسَنَةٗ وَفِي ٱلۡأٓخِرَةِ حَسَنَةٗ وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ} (201)

{ ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار } .

200

المفردات :

حسنة الدنيا : هي العافية أو المرأة الصالحة أو الأولاد البررة ، أو العلم والمعرفة .

حسنة الآخرة : هي الجنة أو رؤية الله تعالى والأولى التعميم في كل هذا .

التفسير :

إنهم يتوجهون إلى الله بالدعاء ثم يطلبون الحسنة في الدارين ولا يحددون نوع الحسنة ، بل يدعون اختيارها لله والله يختار لهم ما يراه حسنة لهم .

حسنة في الدنيا والآخرة :

قال القرطبي : واختلف في تأويل الحسنتين على أقوال عديدة ، فروى عن علي ابن أبي طالب رضي الله عنه أن الحسنة في الدنيا المرأة الحسناء وفي الآخرة الحور العين .

{ وقنا عذاب النار } : المرأة السوء .

وقلت وهذا فيه بعد ولا يصح عن علي لأن النار حقيقة في النار المحرقة وإطلاق المرأة على النار تجوز .

وقال قتادة : حسنة الدنيا العافية في الصحة وكفاف المال . وقال الحسن : حسنة الدنيا العلم والعبادة وقيل غير هذا .

والذي عليه أكثر أهل العلم أن المراد بالحسنتين نعم الدنيا والآخرة ، وهذا هو الصحيح فإن اللفظ يقتضي هذا كله .

فإن حسنة : نكرة في سياق الدعاء ، فهو محتمل لكل حسنة من الحسنات على البدل ، وحسنة الآخرة الجنة بإجماع .

وقيل : لم يرد حسنة واحدة ، بل أراد أعطنا في الدنيا حسنة فحذف الاسم( 125 ) .

فضل الدعاء بهذه الآية :

هذه الآية من جوامع ادعاء لأنها جمعت بين خيرا الدنيا والآخرة .

وفي الصحيحين عن أنس قال : " كان أكثر دعوة يدعو بها النبي صلى الله عليه وسلم يقول :

" اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار " قال : فكان أنس إذا أراد أن يدعو دعا بها فإذا أراد أن يدعو بدعاء دعا بها فيه( 126 ) .

وقد ذكرت الآيتان من يطلب الدنيا وحدها ، ومن يطلبها في الآخرة ، ولم تذكر من يطلب الآخرة وحدها لأن الدنيا مزرعة الآخرة ، وهي نعم المطية في الجنة ، والضرب في مناكبها طلبا للرزق عبادة والمؤمن القوي أحب إلى الله من المؤمن الضعيف .

وفي الآية إيماء إلى أن الغلو في الدين والتشدد فيه مذموم خارج سنن الفطرة وقد نهى الله أهل الكتاب عند وذمهم عليه . ونهى الله عنه النبي صلى الله عليه وسلم .

{ وقنا عذاب النار } أي احفظنا من عذابها بالتوفيق للطاعة ، والتنفير من المعصية .