ثم إنه سبحانه بعد هذه الوصية حكى عنهم شبهتهم ، فكأنه من تمام قوله : { فاصبر على ما يقولون } وهي قولهم : { لولا يأتينا بآية من ربه } أوهموا بهذا الكلام أنه يكلفهم الإيمان من غير آية ، وقالوا في موضع آخر : { فليأتنا بآية كما أرسل الأولون } وأجاب الله تعالى عنه بقوله : { أو لم تأتهم بينة ما في الصحف الأولى } وفيه وجوه : أحدها : أن ما في القرآن إذ وافق ما في كتبهم مع أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يشتغل بالدراسة والتعلم وما رأى أستاذا ألبتة كان ذلك إخبارا عن الغيب فيكون معجزا . وثانيها : أن بينة ما في الصحف الأولى ما فيها من البشارة بمحمد صلى الله عليه وسلم وبنبوته وبعثته . وثالثها : ذكر ابن جرير والقفال [ أن ] المعنى : { أو لم تأتهم بينة ما في الصحف الأولى } من أنباء الأمم التي أهلكناهم لما سألوا الآيات وكفروا بها كيف عاجلناهم بالعقوبة فماذا يؤمنهم أن يكون حالهم في سؤال الآيات كحال أولئك ، وإنما أتاهم هذا البيان في القرآن ، فلهذا وصف القرآن بكونه : { بينة ما في الصحف الأولى } واعلم أنه إنما ذكر الضمير الراجع إلى البينة لأنها في معنى البرهان والدليل .
{ وقالوا لولا يأتينا بآية من ربّه أوَلم تأتهم بيّنة ما في الصّحف الأولى ( 133 ) ولو أنّا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربّنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتّبع آياتك من قبل أن نذلّ ونخزى ( 134 ) قل كلّ متربّصٌ فتربّصوا فستعلمون من أصحاب الصّراط السّويّ ومن اهتدى ( 135 }
لولا : هلا ، وهي كلمة تفيد الحث على حدوث ما بعدها .
الصحف الأولى : التوراة والإنجيل وسائر الكتب السماوية .
133- { وقالوا لولا يأتينا بآية من ربّه أو لم تأتهم بيّنة ما في الصّحف الأولى } .
أي : قال المشركون : هلا جاء محمد بمعجزة مادية ملموسة ، مثل ناقة صالح ، وعصا موسى ، وشفاء المرضى لعيسى ؛ فهم يقترحون على النبي صلى الله عليه وسلم أن يأتي بمعجزة ملموسة ، مثل تحويل الصفا ذهبا ، أو زحزحة جبال مكة وتفجير الينابيع والأنهار في أرضها ؛ حتى تنبت الزروع والثمار في مكة مثل زروع الشام .
وقد رد عليهم الحق سبحانه ؛ بأن في القرآن ما يكفي ويشفي ؛ فهذا الكتاب بيّن ما أنزله الله في التوراة والإنجيل والزبور ، والصحف التي أنزلت على إبراهيم وموسى . ويكفي نزول هذا القرآن المعجزة على نبي أميّ ؛ لم يقرأ كتابا ، فنزول القرآن مشتملا على أخبار القرون الأولى ، والصحف السماوية السابقة ؛ دليل على صدق محمد صلى الله عليه وسلم ، وهذه الآية شبيهة بقوله تعالى : { وقالوا لولا أنزل عليه آيات من ربّه قل إنّما الآيات عند الله وإنما أنا نذير مبين . أوَلم يكفهم أنّا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون } . ( العنكبوت : 51 ، 50 ) .
وقد أخرج البخاري ومسلم : أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( ما من نبيّ إلا وقد أوتي من الآيات ما آمن على مثله البشر ، وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إليّ ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة )28 .
وإنما ذكر ههنا أعظم الآيات التي أعطيها عليه السلام وهو القرآن ، وإلا فله من المعجزات ما لا يحدّ ولا يحصر29 .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.