مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{مَآ أَنزَلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡقُرۡءَانَ لِتَشۡقَىٰٓ} (2)

أما قوله تعالى : { ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى } ففيه مسائل :

المسألة الأولى : قال صاحب «الكشاف » : إن جعلت طه تعديدا لأسماء الحروف فهذا ابتداء كلام وإن جعلتها اسما للسورة احتمل أن يكون قوله : { ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى } خبرا عنها وهي في موضع المبتدأ والقرآن ظاهر أوقع موقع المضمر لأنها قرآن وأن يكون جوابا لها وهي قسم .

المسألة الثانية : قرئ { ما نزل عليك القرآن لتشقى } .

المسألة الثالثة : ذكروا في سبب نزول الآية وجوها : أحدها : قال مقاتل إن أبا جهل والوليد بن المغيرة ومطعم بن عدي والنضر بن الحارث قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم : إنك لتشقى حيث تركت دين آبائك فقال عليه السلام : " بل بعثت رحمة للعالمين " قالوا : بل أنت تشقى فأنزل الله تعالى هذه الآية ردا عليهم وتعريفا لمحمد صلى الله عليه وسلم بأن دين الإسلام هو السلام وهذا القرآن هو السلام إلى نيل كل فوز والسبب في إدراك كل سعادة وما فيه الكفرة هو الشقاوة بعينها . وثانيها : أنه عليه السلام صلى بالليل حتى تورمت قدماه فقال له جبريل عليه السلام : " أبق على نفسك فإن لها عليك حقا " أي ما أنزلناه لتهلك نفسك بالعبادة وتذيقها المشقة العظيمة وما بعثت إلا بالحنيفية السمحة ، وروي أيضا أنه عليه السلام : " كان إذا قام من الليل ربط صدره بحبل حتى لا ينام " وقال بعضهم كان يقوم على رجل واحدة ، وقال بعضهم كان يسهر طول الليل فأراد بقوله : { لتشقى } ذلك ، قال القاضي هذا بعيد لأنه عليه السلام إن فعل شيئا من ذلك فلا بد وأن يكون قد فعله بأمر الله تعالى ، وإذا فعله بأمره فهو من باب السعادة فلا يجوز أن يقال له : ما أمرناك بذلك . وثالثها : قال بعضهم يحتمل أن يكون المراد لا تشق على نفسك ولا تعذبها بالأسف على كفر هؤلاء فإنا إنما أنزلنا عليك القرآن لتذكر به ، فمن آمن وأصلح فلنفسه ومن كفر فلا يحزنك كفره فما عليك إلا البلاغ وهو كقوله تعالى : { لعلك باخع نفسك } الآية ، { ولا يحزنك قولهم } . ورابعها : أنك لا تلام على كفر قومك كقوله تعالى : { لست عليهم بمسيطر } ، { وما أنت عليهم بوكيل } أي ليس عليك كفرهم إذا بلغت ولا تؤاخذ بذنبهم . وخامسها : أن هذه السورة من أوائل ما نزل بمكة وفي ذلك الوقت كان عليه السلام مقهورا تحت ذل أعدائه فكأنه سبحانه قال له لا تظن أنك تبقى على هذه الحالة أبدا بل يعلو أمرك ويظهر قدرك فإنا ما أنزلنا عليك مثل هذا القرآن لتبقى شقيا فيما بينهم بل تصير معظما مكرما .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{مَآ أَنزَلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡقُرۡءَانَ لِتَشۡقَىٰٓ} (2)

المفردات :

لتشقى : لتتعب وتنصب .

2- { ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى } .

القرآن رحمة ونعمة ، وتذكرة وروح وحياة ، وصلة بالملإ الأعلى .

وكان الرسول صلى الله عليه وسلم حريصا على هداية قومه ، ودعوتم إلى الإيمان ، وكلما أعرضوا عن الإسلام حزن وتألم ؛ فناداه الله ، وبين أنه أنزل القرآن للتبليغ والتذكير . أما الهدى فبيد الله تعالى ؛ فلا تحزن عليهم ، ولا تفرط في الأسى على كفرهم وعنادهم ؛ قال تعالى : { فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا } . ( الكهف : 6 ) .

وروي : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لما نزل عليه القرآن صلى هو وأصحابه فأطال القيام ، فقالت قريش : ما أنزل الله هذا القرآن على محمد إلا ليشقى ؛ فنزلت هذه الآية .

والشقاء يأتي في اللغة بمعنى : التعب ، والعناء ، ومنه المثل العربي ( أشقى من رائض مهر ) أي : أتعب من مروض المهر ومعلمه حتى يذلل للركوب .

ومنه قول أبي الطيب المتنبي :

ذو العقل يشقى في النعيم بعقله *** وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم

وقصارى معنى الآية :

إنا أنزلنا عليك القرآن لتذكر به ، فمن آمن وأصلح فلنفسه ، ومن كفر فلا يحزنك كفره ، إن عليك إلا البلاغ ، ولست عليهم بمسيطر ، وفي الآية إيناس وتسليه وحنان للرسول صلى الله عليه وسلم مما كان يعانيه ، من جحود قومه وعنادهم ؛ وقريب من معناها قوله تعالى : { ليس عليك هداهم . . . } ( البقرة : 272 ) . { إن عليك إلا البلاغ . . . } ( الشورى : 48 ) .

{ فذكر إنما أنت مذكّر . لست عليهم بمسيطر . . . ( الغاشية : 22 ، 21 ) .