روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي  
{مَآ أَنزَلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡقُرۡءَانَ لِتَشۡقَىٰٓ} (2)

{ مَا أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ القرءان لتشقى }

فإنه استئناف مسوق لتسليته صلى الله عليه وسلم عما كان يعتريه من جهة المشركين من التعب فإن الشقاء شائع في ذلك المعنى ، ومنه المثل أشقى من رائض مهر ، وقول الشاعر :

ذو العقل يشقى في النعيم بعقله *** وأخو الجهالة في الشقاء ينعم

أي ما أنزلناه عليك لتتعب بالمبالغة في مكابدة الشدائد في مقاولة العتاة ومحاورة الطغاة وفرط التأسف على كفرهم به والتحسر على أن يؤمنوا به كقوله تعالى شأنه { فَلَعَلَّكَ باخع نَّفْسَكَ على ءاثارهم } [ الكهف : 6 ] الآية بل لتبلغ وتذكر وقد فعلت فلا عليك ان لم يؤمنوا بعد ذلك أو لصرفه عليه الصلاة والسلام عما كان عليه من المبالغة في المجاهدة في العبادة كما سمعت فيما أخرج ابن مردويه عن علي كرم الله تعالى وجهه أي ما أنزلناه عليك لتتعب بنهك نفسك وحملها على الرياضات الشاقة والشدائد الفادحة وما بعث إلا بالحنفية السمحة ، وقال مقاتل : إن أبا جهل . والنضر بن الحرث . والمطعم قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم لما رأوا كثرة عبادته : إنك لتشقي بترك ديننا وإن القرءان أنزل عليك لتشقي به فرد الله تعالى عليهم ذلك بأنا ما أنزلناه عيك لما قالوا : والشقاء في كلامهم يحتمل أن يكون بمعناه الحقيقي وهو ضد السعادة والتعبير به في كلامه تعالى من باب المشاكلة وإن أريد منه القرآن بتأويل بالمتحدي به جنس هذه الحروف .

فجوز فيه أن يكون محله الرفع على الابتداء والجملة بعده خبره ، وقد أقيم فيها الظاهر أعني القرآن مقام الضمير الرابط لنكتة وهو أن القرآن رحمة يرتاح لها فكيف ينزل للشقاء ، وقيل : الخبر محذوف ، وقيل : هو خبر لمبتدأ محذوف . والجملة على القولين مستأنفة . وجوز أن يكون محله النصب على إضمار اتل . وقيل : على أنه مقسم به حذف منه حرف القسم فانتصب بفعله مضمراً نحو قوله :

إن على الله أن تبايعا *** وجوز أن يكون محله الجر بتقدير حرف القسم نظير قوله من وجه ،

أشارت كليب بالأكف الأصابع *** والجملة بعده على تقدير إرادة القسم جواب القسم . وجوز هذه الاحتمالات على تقدير أن يكون المراد منه السورة .

وأمر ربط الجملة على تقدير ابتدائيته وخبريتها ان كان القرآن خاصاً بهذه السورة باعتبار كون تعريفه عهديا حضورياً ظاهر . وإن كان عاماً فالربط به لشموله للمبتدأ كما قيل في نحو زيد نعم الرجل .

ومنع بعضهم إرادة السورة مطلقاً لا تفاق المصاحف على ذكر سورة في العنوان مضافة إلى طه وحينئذ يكون التركيب كإنسان زيد وقد حكموا بقبحه وفيه بحث لا يكاد يخفى حتى على بهيمة الأنعام ، وبعضهم إرادة ذلك على تقدير الأخبار بالجملة بعد قال : لأن نفى كون إنزال القرآن للشقاء يستدعي وقوع الشقاء مترتباً على إنزاله قطعاً إما بحسب الحقيقة كما إذا أريد به التعب أو بحسب زعم الكفرة كما لو أريد به ضد السعادة ، ولا ريب في أن ذلك إنما يتصور في إنزال ما أنزل من قبل وأما انزال السورة الكريمة فليس مما يمكن ترتب الشقاء السابق عليه حتى يتصدى لنفيه عنه أما باعتبار اتحاد القرآن بالسورة فظاهر ، وأما باعتبار الاندراج فلأن مآله أن له يقال : هذه السورة ما أنزلنا القرآن المشتمل عليها لتشقى ، ولا يخفى أن جعلها مخبراً عنها مع أنه لا دخل لإنزالها في الشقاء السابق أصلاً مما لا يليق بشأن التنزيل اه ولا يخلو عن حسن ، وعلى ما روي عن أبي جعفر من أنه من أسمائه صلى الله عليه وسلم يكون منادي وحكمه مشهور ، والجملة جواب النداء ، ومحله على ما أخرج ابن المنذر .

وابن مردويه عن الحبر من أنه قسم أقسم الله تعالى به وهو من أسمائه تباركت أسماؤه النصب أو الجر على ما سمعت آنفاً .

وعلى ما روي عن الأمير كرم الله تعالى وجهه . والربيع يكون جملة فعلية وقد مر لك تفصيل ذلك ، والجملة بعده مستأنفة استئنافاً نحوياً أو بيانياً كأنه قيل لم اطؤها ؟ فقيل : { مَا أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ القرءان لتشقى } وقرأ طلحة { مَّا نَزَّلَ عَلَيْكَ القرءان } بتشديد الفعل وبنائه للمفعول وإسناده إلى القرآن .