قوله تعالى : { ولما بلغ أشده واستوى آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا من شيعته وهذا من عدوه فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه فوكزه موسى فقضى عليه قال هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين قال رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له إنه هو الغفور الرحيم قال رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيرا للمجرمين } .
اعلم أن في قوله : { بلغ أشده واستوى } قولين : أحدهما : أنهما بمعنى واحد وهو استكمال القوة واعتدال المزاج والبنية . والثاني : وهو الأصح أنهما معنيان متغايران ثم اختلفوا على وجوه . أحدها : وهو الأقرب أن الأشد عبارة عن كمال القوة الجسمانية البدنية ، والاستواء عبارة عن كمال القوة العقلية . وثانيها : الأشد عبارة عن كمال القوة ، والاستواء عبارة عن كمال البنية والخلقة . وثالثها : الأشد عبارة عن البلوغ ، والاستواء عبارة عن كمال الخلقة . ورابعها : قال ابن عباس الأشد ما بين الثمانية عشرة سنة إلى الثلاثين ثم من الثلاثين سنة إلى الأربعين يبقى سواء من غير زيادة ولا نقصان ، ومن الأربعين يأخذ في النقصان ، وهذا الذي قاله ابن عباس رضي الله عنهما حق ، لأن الإنسان يكون في أول العمر في النمو والتزايد ثم يبقى من غير زيادة ولا نقصان ، ثم يأخذ في الانتقاص فنهاية مدة الازدياد من أول العمر إلى العشرين ومن العشرين إلى الثلاثين يكون التزايد قليلا والقوة قوية جدا ، ثم من الثلاثين إلى الأربعين يقف فلا يزداد ولا ينتقص ومن الأربعين إلى الستين يأخذ في الانتقاص الخفي ، ومن الستين إلى آخر العمر يأخذ في الانتقاص البين الظاهر ، ويروى أنه لم يبعث نبي إلا على رأس أربعين سنة والحكمة فيه ظاهرة لأن الإنسان يكون إلى رأس الأربعين قواه الجسمانية من الشهوة والغضب والحس قوية مستكملة فيكون الإنسان منجذبا إليها فإذا انتهى إلى الأربعين أخذت القوى الجسمانية في الانتقاص ، والقوة العقلية في الازدياد فهناك يكون الرجل أكمل ما يكون ، فلهذا السر اختار الله تعالى هذا السن للوحي .
المسألة الثانية : اختلفوا في واحد الأشد ، قال الفراء : الأشد واحدها شد في القياس ولم يسمع لها بواحد . وقال أبو الهيثم : واحدة الأشد شدة ، كما أن واحدة الأنعم نعمة ، والشدة القوة والجلادة .
أما قوله : { آتيناه حكما وعلما } ففيه وجهان الأول : أنها النبوة وما يقرن بها من العلوم والأخلاق .
وعلى هذا التقدير ليس في الآية دليل على أن هذه النبوة كانت قبل قتل القبطي أو بعده ، لأن الواو في قوله : { ودخل المدينة } لا تفيد الترتيب . الثاني : آتيناه الحكمة والعلم قال تعالى : { واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة } وهذا القول أولى لوجوه . أحدها : أن النبوة أعلى الدرجات البشرية فلابد وأن تكون مسبوقة بالكمال في العلم والسيرة المرضية التي هي أخلاق الكبراء والحكماء . وثانيها : أن قوله : { وكذلك نجزي المحسنين } يدل على أنه إنما أعطاه الحكم والعلم مجازاة على إحسانه والنبوة لا تكون جزاء على العمل . وثالثها : أن المراد بالحكم والعلم لو كان هو النبوة ، لوجب حصول النبوة لكل من كان من المحسنين لقوله : { وكذلك نجزي المحسنين } لأن قوله : { وكذلك } إشارة إلى ما تقدم ذكره من الحكم والعلم .
{ ولما بلغ أشده واستوى آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين( 14 ) ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا من شيعته وهذا من عدوه فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه فوكزه موسى فقضى عليه قال هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين( 15 ) قال رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له إنه هو الغفور الرحيم ( 16 ) قال رب بما أنعمت عليّ فلن أكون ظهيرا للمجرمين( 17 ) فأصبح في المدينة خائفا يترقب فإذا الذي استنصره بالأمس يستصرخه قال له موسى إنك لغوي مبين( 18 ) فلما أن أراد أن يبطش بالذي هو عدو لهما قال يا موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس إن تريد إلا أن تكون جبارا في الأرض وما تريد أن تكون من المصلحين( 19 ) } .
أشد : قوته ، ما بين 18-30 سنة ، كما في القاموس ، وقال البيضاوي : هو من 30-40 سنة .
واستوى : واعتدل وبلغ المبلغ الذي لا يزاد عليه ، واستوى الرجل : بلغ أشده ، أو أربعين سنة .
14- { ولما بلغ أشده واستوى آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين } .
سكت القرآن عن الحلقة التالية لحلقة الرضاعة ، وقد كانت هذه الحلقة في كفالة الفرعون ، وقد يلقب موسى بن فرعون ، لكن آيات القرآن تشير إلى رعاية الله له وإلقاء المحبة عليه ، كما قال تعالى : { وألقيت عليك محبة مني ولتصنع على عيني } [ طه : 39 ] .
فلا بد أن أمه أخبرته بحقيقة نسبه ، وعشيرته ، والمتوقع أن طبيعة موسى الكريمة تأنف ظلم فرعون وبطشه ، وغشمه ، والمتوقع أن فجوة ما تحدث بين موسى وبين فرعون وحاشيته ، بسبب سلوك موسى الكريم ، الآنف من الظلم .
وتشير الآية إلى أن موسى قد بلغ مبلغ الرجال ، { واستوى } بلغ غاية الكمال الجسمي والعقلي .
قال بعض المفسرين : بلغ أربعين سنة ، وقال بعضهم : ثلاثين سنة ، ونختار أن تكون سنه في ذلك الوقت مقاربة للثلاثين ، لأنه مكث في أرض مدين عشر سنين ثم عاد إلى مصر ، فاختاره الله رسولا .
أي : سيرة الحكماء والعلماء وأخلاقهم وسمتهم قبل البعثة .
أي : وبمثل هذا الفضل والرعاية ، والمعونة والخير ، نجزي كل محسن في عمله ، بأن نفتح له أبواب الفتوح والحكمة والعلم .
ونلاحظ أن هذه الآية من المتشابه ، حيث قال تعالى في سورة يوسف : { ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين } [ يوسف : 22 ] .
ونلمح أن يوسف هنا بلغ مبلغ الرجال ، أي : فيما بين العشرين والثلاثين فهو أقرب إلى سن الخامسة والعشرين .
وفي سورة القصص قال تعالى : { ولما بلغ أشده ، واستوى آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين } .
فهذه الآية زادت كلمة : واستوت ، أي : اكتمل جسمه وعقله ورشده ، فهو أقرب إلى سن الثلاثين ، وقد تعددت آراء العلماء في بلوغ الأشد والاستواء .
عن ابن عباس : الأشد ما بين الثامنة عشرة والثلاثين ، والاستواء ما بين الثلاثين والأربعين .
وقال مجاهد : الأشد في الثلاثين ، والاستواء في الأربعين .
وقال الزجاج : الأشد ما بين الثلاثين والأربعين .
بلوغ الأشد في الأصل الانتهاء إلى حد القوة وذلك وقت تمام النمو وغايته ، والاستواء تمام العقل وكماله ونضجه ، وذلك يختلف باختلاف الأقاليم والعصور والأحوال ، ولذا وقع له تفاسير كثيرة في كتب اللغة والتفسير .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.