مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{ٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ يَعۡرِفُونَهُۥ كَمَا يَعۡرِفُونَ أَبۡنَآءَهُمُۘ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ فَهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ} (20)

قوله تعالى { الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون }

اعلم أنا روينا في الآية الأولى أن الكفار سألوا اليهود والنصارى عن صفة محمد عليه الصلاة والسلام فأنكروا دلالة التوراة والإنجيل على نبوته ، فبين الله تعالى في الآية الأولى أن شهادة الله على صحة نبوته كافية في ثبوتها وتحققها ، ثم بين في هذه الآية أنهم كذبوا في قولهم أنا لا نعرف محمدا عليه الصلاة والسلام ، لأنهم يعرفونه بالنبوة والرسالة كما يعرفون أبناءهم لما روي أنه لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة قال عمر لعبد الله بن سلام : أنزل الله على نبيه هذه الآية فكيف هذه المعرفة ، فقال يا عمر لقد عرفته فيكم حين رأيته كما أعرف ابني ولأنا أشد معرفة بمحمد مني يا بني لأني لا أدري ما صنع النساء وأشهد أنه حق من الله تعالى .

واعلم أن ظاهر هذه الآية يقتضي أن يكون علمهم بنبوة محمد عليه السلام مثل علمهم بأبنائهم وفيه سؤال وهو أن يقال : المكتوب في التوراة والإنجيل مجرد أنه سيخرج نبي في آخر الزمان يدعو الخلق إلى الدين الحق ، أو المكتوب فيه هذا المعنى مع تعين الزمان والمكان والنسب والصفة والحلية والشكل ، فإن كان الأول فذلك القدر لا يدل على أن ذلك الشخص هو محمد عليه السلام ، فكيف يصح أن يقال : علمهم بنبوته مثل علمهم بنبوة أبنائهم ، وإن كان الثاني وجب أن يكون جميع اليهود والنصارى عالمين بالضرورة من التوراة والإنجيل بكون محمد عليه الصلاة والسلام نبيا من عند الله تعالى ، والكذب على الجمع العظيم لا يجوز لأنا نعلم بالضرورة أن التوراة والإنجيل ما كانا مشتملين على هذه التفاصيل التامة الكاملة ، لأن هذا التفصيل إما أن يقال : إنه كان باقيا في التوراة والإنجيل حال ظهور الرسول عليه الصلاة والسلام أو يقال : إنه ما بقيت هذه التفاصيل في التوراة والإنجيل في وقت ظهوره لأجل أن التحريف قد تطرق إليهما قبل ذلك ، والأول باطل لأن إخفاء مثل هذه التفاصيل التامة في كتاب وصل إلى أهل الشرق والغرب ممتنع ، والثاني أيضا باطل ، لأن على هذا التقدير لم يكن يهود ذلك الزمان ، ونصارى ذلك الزمان عالمين بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم علمهم بنبوة أبنائهم ، وحينئذ يسقط هذا الكلام .

والجواب عن الأول : أن يقال المراد ب{ الذين ءاتيناهم الكتاب } اليهود والنصارى ، وهم كانوا أهلا للنظر والاستدلال ، وكانوا قد شاهدوا ظهور المعجزات على الرسول عليه الصلاة والسلام ، فعرفوا بواسطة تلك المعجزات كونه رسولا من عند الله ، والمقصود من تشبيه إحدى المعرفتين بالمعرفة الثانية هذا القدر الذي ذكرناه .

أما قوله { الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون } ففيه قولان : الأول : أن قوله { الذين } صفة للذين الأولى ، فيكون عاملهما واحدا ويكون المقصود وعيد المعاندين الذين يعرفون ويجحدون . والثاني : أن قوله الذين خسروا أنفسهم ابتداء . وقوله { فهم لا يؤمنون } خبره ، وفي قوله { الذين خسروا } وجهان : الأول : أنهم خسروا أنفسهم بمعنى الهلاك الدائم الذي حصل لهم بسبب الكفر والثاني : جاء في التفسير أنه ليس من كافر ولا مؤمن إلا وله منزلة في الجنة ، فمن كفر صارت منزلته إلى من أسلم فيكون قد خسر نفسه وأهله بأن ورث منزلة غيره .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{ٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ يَعۡرِفُونَهُۥ كَمَا يَعۡرِفُونَ أَبۡنَآءَهُمُۘ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ فَهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ} (20)

التفسير :

20- الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم . . . الآية . إن علماء أهل الكتاب من اليهود والنصارى ، يعرفون صدق ما جاء به محمد صلى الله عليه وآله وسلم معرفة تماثل معرفتهم لأبنائهم الذين هم من أصلابهم ، فهي معرفة بلغت حد اليقين ، وذلك بسبب ما عندهم من الأخبار والأنباء من الرسل المتقدمين ، فإن الرسل كلهم بشروا بوجود محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ومبعثه وصفته وبلده ومهاجره ، وصفة أمته .

ويجوز أن يكون المعنى :

الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم . يعرفون صدق القرآن ، وإعجازه وقوته وأنه كتاب الله ، كما يعرفون أبناءهم معرفة حقيقية ، لكنهم يعرضون عن الاعتراف بالحق .

الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون . أي أن الكفار الخاسرين لأنفسهم بعنادهم ، وإعراضهم ، وتمردهم هم الذين لا يؤمنون بما جاء به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .

قال الزمخشري : الذين خسروا أنفسهم . من المشركين ومن أهل الكتاب الجاحدين فهم لا يؤمنون . به .

وهذه الآية مكية . لأن سورة الأنعام كلها مكية والسياق يؤكد أنها مكية ، وذهب بعض العلماء إلى أنها مدنية وهو قول ضعيف .

قال الشيخ محمد المدني في تفسير سورة الأنعام :

( ويظهر أن القائلين بأن الآية مدنية . لما وجدوا الحديث في هذه الآية عن أهل الكتاب . ووجدوا أن هذه الآية نظيرة لآية أخرى مدنية تبدأ بما بدأت به وهي قوله تعالى في سورة البقرة : الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبنائهم وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون . ( البقرة : 146 ) .

ومن المعروف أن صلة الإسلام بأهل الكتاب إنما كانت بعد الهجرة . وفي المدينة دون مكة ، لما وجدوا هذا قرروا أن الآية مدنية ، فالمسألة ليست إلا اجتهادا حسب رواية مسندة وهو اجتهاد غير صحيح ( 70 ) .

وقد رجع الأستاذ سيد قطب وغيره من العلماء : أن الآية مكية ، واستنبط من الآية ما يشير إلى أن طائفة من اليهود والمستشرقين يعرفون أهمية القرآن وقوة الإسلام ، ويجهدون أنفسهم في دراسات استشراقية يحاولون فيها تقديم هذا الدين بعيدا عن منابع قوته .

فقد ألفوا أن الحملات الصليبية والغزو الفكري يستثير الهمم عند المسلمين للدفاع عن هذا الدين .

فلجأوا إلى حيلة أخرى هي مدح هذا الدين ومن خلال هذا المدح يقدمون الإسلام المستأنس ، المتفرغ للعبادة والإيمان البعيد عن الحكم والسياسة ومصادر القوة وشؤون الحياة ، والقرآن بهذه الآية يلفت أنظار المسلمين حتى لا يفتروا بثناء المستشرقين على الإسلام ثم يدسون السم في العسل وينبغي أن تأخذ كلام المستشرقين عن الإسلام بتحفظ ( 71 ) .

وجاء في حاشية الجمل على الجلالين : روي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما قدم المدينة وأسلم عبد الله بن سلام قال له عمر : الله أنزل على نبيه بمكة : الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبنائهم .

فكيف هذه المعرفة ؟ قال عبد الله بن سلام يا عمر ، لقد عرفته حين رأيته كما أعرف ابني ، ولأنا أشد معرفة بمحمد مني يا بني ! ! قال عمر : كيف ذلك ؟

فقال أشهد أنه رسول حقا ، ولا أدري ما تصنع النساء ( 72 ) .