ثم استأنف الجواب عن السؤال بقوله : { الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم } وهذا من تمام كلام إبراهيم في المحاجة ، والمعنى : أن الذين حصل لهم الأمن المطلق هم الذين يكونون مستجمعين لهذين الوصفين : أولهما : الإيمان وهو كمال القوة النظرية . وثانيهما : { ولم يلبسوا إيمانهم بظلم } وهو كمال القوة العملية .
ثم قال : { أولئك لهم الأمن وهم مهتدون } اعلم أن أصحابنا يتمسكون بهذه الآية من وجه والمعتزلة يتمسكون بها من وجه آخر . أما وجه تمسك أصحابنا فهو أن نقول إنه تعالى شرط في الإيمان الموجب للأمن عدم الظلم ، ولو كان ترك الظلم أحد أجزاء مسمى الإيمان لكان هذا التقييد عبثا ، فثبت أن الفاسق مؤمن وبطل به قول المعتزلة ، وأما وجه تمسك المعتزلة بها فهو أنه تعالى شرط في حصول الأمن حصول الأمرين ، الإيمان وعدم الظلم ، فوجب أن لا يحصل الأمن للفاسق وذلك يوجب حصول الوعيد له .
الوجه الأول : أن قوله : { ولم يلبسوا إيمانهم بظلم } المراد من الظلم الشرك ، لقوله تعالى حكاية عن لقمان إذ قال لابنه : { يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم } فالمراد ههنا الذين آمنوا بالله ولم يثبتوا لله شريكا في المعبودية .
والدليل على أن هذا هو المراد أن هذه القصة من أولها إلى آخرها إنما وردت في نفي الشركاء والأضداد والأنداد ، وليس فيها ذكر الطاعات والعبادات ، فوجب حمل الظلم ههنا على ذلك .
الوجه الثاني : في الجواب : أن وعيد الفاسق من أهل الصلاة يحتمل أن يعذبه الله ، ويحتمل أن يعفو عنه ، وعلى كلا التقديرين : فالأمن زائل والخوف حاصل ، فلم يلزم من عدم الأمن القطع بحصول العذاب ؟ والله أعلم .
يلبسوا إيمانهم بظلم : لم يخلطوه بشرك .
82- الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون . هذا جواب السؤال السابق في الآية قبلها ، وهو تأييد من الملأ الأعلى لسيدنا إبراهيم عليه السلام وبيان واضح لمن يستحق الأمن ، وهم المؤمنون الذين أخلصوا إيمانهم من الشرك .
أولئك لهم الأمن . اليقين والثقة والاطمئنان .
وهم مهتدون . أي : إلى الطريق المستقيم دون من سواهم .
ورد في البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود قال لما نزلت : الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم ، قال الصحابة وأينا لم يظلم نفسه ؟ فنزلت : إن الشرك لظلم عظيم ( 112 ) .
وروى الإمام أحمد عن ابن مسعود قال : لما نزلت هذه الآية الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم .
شق ذلك على الناس فقالوا يا رسول الله : فأينا لا يظلم نفسه ؟ قال : إنه ليس الذي تعنون ألم تسمعوا ما قال العبد الصالح : إن الشرك لظلم عظيم . إنما هو الشرك . ( 113 ) .
ومن هذه الأحاديث النبوية الشريفة ندرك مدى جدية الصحابة في تلقي أوامر القرآن ونواهيه ، لقد كانوا يدركون أنه أوامر للتنفيذ ، وكانوا يفزعون حين يظنون أن هناك مفارقة بين طاقتهم المحدودة ، ومستوى التكليف المطلوب .
إنه مشهد رائع لهذه النفوس ، التي حملت هذا الدين وكانت ستارا لقدر الله ، ومنفذا لمشيئته في واقع الحياة .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.